أخر الاخبار

إبراهيمي: “الكابرانات” يستهدفون التراث المغربي

إبراهيمي: “الكابرانات” يستهدفون التراث المغربي


الفنان والمهتم بالتراث كشف تسخير الجزائر ميزانيات ضخمة للسطو على الفن والتقاليد
يرى إبراهيمي الغوتي أن الاستهداف الجزائري للتراث المادي واللامادي للمغرب، انطلق منذ الستينات، وهدفه “البحث عن هوية مفقودة”. فالاستعمار العثماني طمس ثقافة الجارة الشرقية وجعل حكامها يستنجدون بتراث المغرب، مشيرا إلى أن مظاهر عمليات السطو خطيرة بتمويل “الكابرانات”، محذرا من حرب في الأجيال المقبلة تستهدف التقاليد والعادات والفنون المغربية.
أجرى الحوار: خالد العطاوي – تصوير (أحمذ جرفي)

بصفتك فنانا مغربيا ومهتما بالتراث وقضيت سنوات بالجزائر ما السر في تهافت “الكابرانات” على التراث المغربي؟

> بدأت محاولات السطو الجزائري على التراث المغربي منذ الستينات من القرن الماضي، علما أن فترة الخمسينات شهدت الإرهاصات الأولى لعمليات السرقة قادها أشخاص وردت أسماؤهم في بعض الوثائق.
وبحكم أنني قضيت فترة طويلة في الجزائر، فقد عاينت، منذ الستينات، الأسلوب الممنهج للسطو على التراث المغربي، ويكفي أن أشير إلى أن مناهج دراسية يتم تلقينها للأطفال تنسب التراث المغربي إلى الجزائر.
ولكي أوضح الصورة أكثر، لا بأس أن أشير إلى أن الجزائر كانت تدرس الطرب الأندلسي باعتباره فنا جزائريا، إذ لجأت إلى حيلة التلاعب بالأسماء والمصادر، فادعت أولا أنه فن أندلسي مغاربي، ولاحقا قالت إنه فن غرناطي، رغم أنه بحكم أبحاثي واطلاعي أؤكد أنه مغربي خالص.
يجب ألا نقع في مصيدة لصوص التراث، التي تنطبق عليها مقولة “دس السم في العسل”، فكل ما يوجد في الأندلس، سواء كان تراثا ماديا أو لاماديا، فهو مغربي خالص، صنع بأياد مغربية وإبداع عقول مغربية.

ماهي رهانات الجزائر من وراء سرقة التراث المغربي؟

> لقد راهنت الجزائر على الثقافة المغربية لبناء تاريخها، وخصصت أموالا باهظة وفتحت مدارس لتدريس الفنون المغربية، في حين أن المغرب في تلك الفترة واجه الأمر باللامبالاة، خاصة أنه غني جدا بالأنماط والأنواع الموسيقية، وله مدارس خاصة في كل مجالات التراث، فهناك أحيدوس والركادة والحساني وعشرات الفنون التي يتوارثها المغاربة أبا عن جد.
مثال آخر يتعلق بالألبسة، يتمثل في إدراك الجزائريين أهمية اللباس التقليدي، ففي تلك الفترة كان الجلباب مغربيا خالصا، إلى درجة أن سكان الجارة الشرقية أنفسهم كانوا يميزون بين المغاربة بنوعية الجلباب، ويصرون على تخلي النساء عن القفطان، حتى لا يتشبهن بالمغربيات، ثم أصبح القفطان، في الوقت الحاضر، لباسا جزائريا، حسب ادعائهم.

ما السبب في نظرك في الحرص الجزائري على استهداف التراث المغربي؟

> حاليا، ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في فضح السطو الجزائري على التراث المغربي، لكن لابد أن أشير إلى الخداع الذي مارسه اللصوص لبناء تاريخهم على حساب ثقافة المغرب، فالمغرب كان يحتضن آلاف الجزائريين فوق ترابه، منهم من تعلم الحرف التقليدية المغربية، خاصة الخياطة والطرز، إذ مازلت أتذكر عددا كبيرا منهم، أتقنوا جميع أنواع الطرز المغربي، مثل الطرز الرباطي والفاسي الصقلي والسوسي، وتعلموا جميع أنواع الطبخ وصنع الحلويات، واستفادوا من أسلوب حياة المغاربة الراقي، إذ لم تتضمن تقاليد الجارة الشرقية ما يسمى”الصالون”، الذي هو بمثابة فضاء لتجمع العائلة في المنزل.
لقد درس الجزائريون فن عيش الأسرة المغربية ولغة الحوار بين أفرادها وثقافتهم وتقاليدهم، بشكل دقيق، بهدف بناء دولتهم، خاصة أن الاستعمار العثماني طمس عاداتهم، فوجدوا في المغرب فرصة التعلم فن وأسلوب الحياة، ويكفي أن أؤكد ما يردده عدد كبير من الباحثين بأن اسم الجزائر لا وجود له في الوثائق التاريخية.

هل غرب الاستعمار العثماني الجزائر؟

> لقد أدى الاستعمار العثماني للجزائر إلى نتائج كارثية، وهو ما يبرر إحساسهم بالاغتراب الثقافي، والرجوع إلى الوثائق التاريخية يكشف هذا النوع من الاغتراب والإحساس بالتهميش الذي امتد إلى الاقتصاد والسياسة، إذ تكفي الإشارة إلى أن الحكام العثمانيين، آنذاك، أغلبهم من المنفيين المرتكبين للجرائم ووجدوا في الجزائر فرصة للحصول على الثروة باستغلال اليد العاملة والخشب لبناء الأسطول البحري العثماني.

سرقة الأغاني

هناك حادثة في العصر الحديث تلخص عمليات السطو على الفن المغربي، إذ كانت هناك فرقة جزائرية تدعى “أولاد بابا أحمد” وتوجد في تلمسان، وكان أعضاء الفرقة تجمعهم علاقة قوية بالإخوة ميكري، إلا أن المجموعة الجزائرية لم يكتب لها النجاح، حينها سعت إلى سرقة وتقليد أغاني “الإخوة ميكري”، ثم تأسيس استوديو يحمل اسمهم.
أجزم أن جل الأغاني التي يطلق عليها اسم “جزائرية” هي في أصلها مغربية، إذ يحافظون على الكلمات والموسيقى المغربية، لكن يضفون طريقة العزف وترتيب الأنماط الموسيقية، لذا لا تستغرب إذا وجدت في أغانيهم ألحان أو كلمات إبراهيم العلمي ونعيمة سميح والحسين السلاوي وبوشعيب البيضاوي والحاجة الحمداوية ونجاة اعتابو، ثم أصبحت هذه الأغاني الهجينة، في نظرهم، جزائرية. فمثلا المغني الجزائري أنور تخصص في أغاني حميد الزاهر ونجوم بوركون، والشاب جلال الجزائري سرق جميع أغاني المرساوي، كما أن الطرب الأندلسي المغربي تم السطو عليه والأمثلة كثيرة ومتعددة.
هناك حقيقة لا ينكرها العقلاء الجزائريون أن الموسيقى الشعبية الجزائرية كان يطلق عليها في السابق “وأطلق عليها في ما بعد “الفن العاصمي”، نسبة إلى عاصمة الجزائر، قبل أن تحمل اسم “العاصمي الشعبي”، علما أن الأب الروحي لهذا النوع الموسيقي ويدعى “الحاج محمد العنقا”، سبق أن تغنى بأمجاد وإنجازات الملك الراحل الحسن الثاني، كما أشار فيها إلى حدود المغرب التاريخية، وهي الأغنية التي مازالت موجودة إلى حد الآن، لكن حذفت كل المقاطع التي تشير إلى المغرب، فالأب الروحي كان عضوا في جوق الحسين السلاوي ومكلفا بمهام بسيطة.

الهوية المفقودة

لكن الجزائريين يتحدثون عن أسماء وشخصيات صنعت التراث الموسيقي الجزائري…

> بالفعل، يتحدثون عن أحد أهم الشخصيات في تاريخ الجزائر الفني، ويتعلق الأمر ب”دحمان الحراشي” الذي أجزم أن كل انتاجاته عبارة عن أغان مغربية، مع تحريف بعض كلمات “الدارجة”، مثل كلمة “جزار” أصبحت “دجزار”.
والآن يتحدثون عن الدقة المراكشية الجزائرية ويسمونها “أدرار”، وينسبون “ناس الغيوان” إلى مدرومة، وكناوة إلى بشار وتوات وقنادسة، علما أن هذه المناطق كانت تابعة للإمبراطوريات المغربية المتعاقبة.

لكن لم هذا الإصرار على السطو؟

> الإستراتيجية الجزائرية خطيرة، وهدفها تنشئة جيل من شبابها على تقاليد وتراث مغربي، وفي حال نجاح خطتها ستشاهد في العشرين سنة المقبلة صراعا بين المغاربة والجزائريين على التراث المغربي، فالبحث عن الهوية المفقودة دفعها إلى السطو، لذلك لابد من الوقوف بحزم ضد كل محاولات السطو والسرقة، لأن الأمر لا يتعلق بحالات محدودة أو منعزلة، بل بمخطط جزائري واضح.
ويخطئ من يعتقد أن الأمر بسيط وأن النقاش حول الموضوع لا يستحق، فيكفي أن أشير إلى قضية الزليج المغربي الذي جعل نظاما بأكمله يتبنى عملية السرقة، بوضع رسوم على قميص منتخبهم الوطني لكرة القدم.

ماهي الطرق التي تستعملها الجزائر في هذا المخطط؟

> في الستينات كان الجزائريون يقصدون مناطق مغربية، بدعوى التعامل التجاري مع الحرفيين، فازدهرت الصناعات التقليدية بشكل كبير، خاصة مع الإقبال عليها من قبل الجزائريين، وهو ما دفعهم في خطوة موالية لاستقدام حرفيين مغاربة إلى بلادهم، مقابل إغراءات مالية كبيرة، وهدفهم تعلم الحرف وتبنيها، وهو ما حصل تماما ونعاين، الآن، بعض تداعياته سواء في الأكل أو اللباس أو الحرف التقليدية.

الثقافة العثمانية

لكن لاشك أن العثمانيين ساهموا أيضا في نشر ثقافتهم وتقاليدهم بالجزائر؟

> أبدا، لم يستفد الجزائريون من أي ثقافة عثمانية، ويجب أن يعلم الجميع أن كل ما تركه العثمانيون في الجزائر عبارة عن مسجد يوجد في العاصمة يدعى “كشاوة” وإحدى القصبات، فأصل التراث الجزائري يعود إلى المغرب، وأشير إلى أن مساجد استلهمت عمرانها من المساجد المغربية، ومنها مسجد “سيدي إبراهيم” و”سيدي الحلوي” و”سيدي لحسن” و”أكادير” و”دار سي بومدين لغوتي”، إضافة إلى القلاع، ومنها “المنصورة” و”المرينيين” و”مدرس” و”قباسة”، وهي كلها آثار من تشييد أو من إبداع حرفيين مغاربة.
كما ساهم المغاربة في المجالات الثقافية، ومنها علاقتهم بالتصوف ومدارسه.

المغرب مطالب بالرد

يعني أن الأمر سياسة لدولة الجزائر…

> بطبيعة الحال، إنها سياسة لتنشئة جيل جديد يرى في التقاليد والتراث المغربي ملكا له، ففي حفلات الزفاف سعوا إلى إدراج “العرس التلماسي” في قائمة التراث اللامادي، علما أنه مغربي خالص، إضافة إلى أنواع من الوجبات الغذائية، مثل الكسكس والفنون واللباس كلها مغربية لكن في نظرهم جزائرية، رغما عن التاريخ والوثائق والأدلة التاريخية.

كيف يواجه المغرب هذا الاستهداف؟

> إنها مسؤولية الدولة، إذ لابد للوزراء المعنيين، سواء في جانب الإعلام والثقافة والتعليم، من لعب دور في الدفاع عن تقاليد وتراث المغرب، ومواجهة كل الإشاعات التي يروجها النظام الجزائري، وتلقين الناشئة المغربية عاداتها وتقاليدها وتراثها وتكوين باحثين مختصين في المجال، لتفادي الوقوع في المصيدة، وتشجيع الحرفيين والفنانين على توثيق إبداعاتهم.

في سطور
– ولد في 1959 بوجدة
– استقر عند أفراد عائلته بالجزائر في 1962
– قضى طفولته وتعليمه بالجزائر إلى حدود الباكلوريا
– في 1979 عاد إلى المغرب، لاستكمال دراسته في التكوين العالي الإداري.
– حصل على درجة متصرف ممتاز.
– اشتغل في قسم المالية بوزارة الداخلية
– حاصل على ماستر في التكوين والتسيير الرياضي.
– أنتج 140 أغنية مسجلة في مكتب حقوق المؤلفين
– ساهم في إصدار عدة كتب حول التراث
– مدير أكاديمية نجم الشباب
– وظف تجربته في جعل الأكاديمية ضمن الأكاديميات الكروية الأكثر احترافية
– ساهم في حصول الأكاديمية على جل ألقاب العصبة الجهوية وبطولة “تشالنج”
– نظم حفلات فنية عديدة لتكريم عدة فنانين مغاربة

المصدر: جريدة الصباح
تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -