القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

الحمولة الحجاجية للأمثال الشعبية

 


الحمولة الحجاجية للأمثال الشعبية

رشيد لولو

بدأت الأمثال الشعبية تطرق مسامعنا ونحن تلاميذ في المدرسة الابتدائية، حين كانت تلقي إلينا المعلمة بمَثل من قبيل ” واالله إلى ما قفلتي لا فورتي “، أو ” العشا المزيان تتعطي ريحتو من العصر”، أو في البيت عندما يخاطبنا الوالد بقوله ” الفياق بكري بالذهب مشري “، لم نكن ساعتها نأخذ هذه الأمثال على محمل الجد، لكننا كنا نفهم جيدا المعنى الذي تريد المعلمة إيصاله إلينا، إنها تريد أن تنبهنا إلى أن النجاح لا يتأتى إلا بالجد والاجتهاد، فكنا نشعر باليأس والإحباط أحيانا، وببعض التحفز والتحدي أحيانا أخرى، المهم أن هذه الكلمات بدأت تعتمل في أذهاننا، ونسمع لها رنينا يشبه رنين جرس الإنذار كلما شعرنا بالتهاون والكسل. كبرنا وبقيت هذه الكلمات عالقة في أذهاننا، وربما نقلناها إلى الأجيال اللاحقة في مناسبات كثيرة.

إن الأمثال الشعبية بما هي محصلة لتجارب الإنسان، استنفد فيها أصحابها كل إمكاناتهم المتاحة من أجل صياغتها في قالب لغوي خاص، تظل قابلة للتداول مهما تعاقبت الأزمان واختلفت ظروف الحياة. وهنا يمكن أن نتساءل عن سبب هذه القابلية للحضور المستمر في حياة الناس، وعن سر قوتها وقدرتها على التأثير رغم وجازتها وتقادمها؛ إذ يكفي أن تقدم لابنك درسا يبقى عالقا في ذهنه طوال حياته من خلال عبارة مختصرة مثل: “اللي دار راسو فالنخالة ينقبو الدجاج”، أو تحذر بها شخصا بشكل استباقي ” المال السايب تيعلم السرقة “، أو تسدي نصيحة لشخص متذمر ومُحبط، فتقول: ” دير الخير وانساه والفضل عند الله تلقاه “. إن مثل هذه العبارات تغنيك عن إلقاء خطبة طويلة، لما تنطوي عليه من حمولة حجاجية تسعى إلى التأثير في المتلقي من أجل تغيير موقفه أو تعزيزه.

يستمد المثل طاقته الحجاجية من كونه انتقالا من المحسوس إلى المجرد، وهو ما يسمى عند علماء الأصول بقياس الغائب على الشاهد، أو قياس التمثيل، حيث إن المتلقي لا يمكن أن يدرك الأشياء المجردة إلا إذا قمنا بتقريبها عن طريق التمثيل لها بما هو في متناول حواسه، حينها سيرى أمامه صورين إحداهما للشيء المحسوس والأخرى للشيء المجرد، ليدرك في الأخير أنهما شيء واحد، فيقتنع بمضمون الفكرة.

تبدو هذه البنية التماثلية أكثر وضوحا في الأمثال القياسية، فإذا أخذنا على سبيل المثال المثل القائل: ” لي دار راسو فالنخالة ينقبو الدجاج “، فالمتلقي يتصور حينها صورة الدجاج الذي لا يفرق أثناء أكله بين جنس النخالة وبين غيرها كالقمح أو غيره من المأكولات التي تكون ذات قيمة عند الإنسان، فكذلك من يضع نفسه في مواضع لا تليق به لا يمكن أن يعامله الناس معاملة تليق به، مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة المعجم المستعمل، فالنخالة تحمل دلالة رمزية تشير إلى بقايا القمح أو الأشياء التي يستغني عنها الإنسان عادة لعدم نفعها.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات