القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

متىَ سَيُبادِرُ المَغرِبُ إلى المُطالبة باسترْجَاع مَخطُوطَاتِه في الإِسْكُورْيال؟

 

تمهيد

قبل هذا العرض التاريخي حول هذه المخطوطات الغميسة التي شاءت الأقدار أن تُسلب،وتُهرّب، وتُنهب من موطنها الأصلي قسراً وقهراً،حيث سيتأكّد لنا بما لا يترك مجالاً للشكّ والرّيبة بعد قليل أنّ مجموعة هامّة منها تعود فى الأصل لملكية بلادنا ، لا ينبغي أن يعزب عن بالنا أنّ لهذه النفائس المغربية الفريدة، والذخائر الثمينة صلة وثقى بتاريخنا ، وتراثنا ، بل إنّها جزء لا يتجزّأ من هذا التاريخ الذي هو مبعث فخرنا ، ومن هذا التراث الذي ما فتئ يقبع منذ بضعة قرون مسلوباً وأسيراً فى الدّيار الإسبانية إلى يومنا هذا ، والسؤال الذي أمسىَ يُطرح ،ويَفرض نفسَه بإلحاح والحالة هذه فى الوقت الرّاهن هو: سبق للمغرب على إمتداد التاريخ – كما سنرى – أنْ طالبَ بهذه المخطوطات بإلحاح، ولم يفلح فى إستعادتها استعادةً فعليّةً كاملة غير منقوصة ،أمَا آنَ له الأوان اليوم -فى خضمّ المدّ والجزر،والطبخ والنفخ،والتعثّر والتدثّر، والفتق والرّتق- التي تعرفه العلاقات الاسبانية المغربية فى الوقت الراهن ،أقول : متىَ سيُبادر المغرب المَغرِبُ بالمطالبة لاسترجاع مخطُوطَاتِه في دير الإِسْكُورْيال الكائن بالقرب من مدريد فى اسبانيا ؟أما آن الأوان المطالبة المطالبة الفعلية بهذه الكنوز، والنفائس الثمينة التي لا تُقدّر بمال بطريقة حضارية معاصرة…؟؟ مثلما بادرت العديد من دول العالم الأخرى – فى المدّة الأخيرة – إلي حماية تراثها الثقافي، والمطالبة بإسترداد،وإسترجاع آثارها، ومنحوتاتها،ومُجسّماتها، وأوانيها، ومصوغاتها ،وكتبها ، ومخطوطاتها، وحِليّها، وقِطعها الأثريّة المنهوبة مع إختلاف الظروف، وتباين الملابسات التاريخية التي سُلبت فيها من بلدانها هذه الذخائر،مثل : مصر،وعمان، وتركيا، ونيجيريا، والمكسيك، والبيرو،واليونان، وغوتيمالا ، وسواها ،وهي كثير؟.

قصّة مخطوطاتنا المثيرة

تؤكّد مختلف المصادر،والمراجع التاريخية التي تتعرّض لموضوع المخطوطات الموجودة في مكتبة دير الإسكوريال (أنشئت مابين 1533- و 1584) أنّ جزءًا مهمّاً منها يعود في الواقع للسّلطان المغربي أحمد المنصور الذهبي السّعدي الذي إشتهر باقتناء الكتب، وجمع منها خزانة عظيمة، وسار خلفُه إبنُه مولاي زيدان على نهجه في الإهتمام بالكتب، فزاد في تنمية وتوسيع المكتبة التي كانت عند والده، وعُني بها عناية فائقة حتى ناف عددُها على أربعة آلاف مخطوط يبحث في مختلف العلوم والآداب، والتاريخ، والفقه، والفلك، والفلسفة،والمعارف ، إلاّ أنّ هذه المكتبة الفاخرة صادفها سوء الحظّ ، وخبّأ لها القدر مفاجآتٍ مثيرةً لم تكن فى الحُسبان .

متى وصلت المخطوطات إلى الإسكوريال

يشير البحّاثة المغربي محمد الفاسي رحمه الله في تحقيقه وتقديمه لمخطوط ” الإكسير في فكاك الأسير” للسفير المغربي ابن عثمان المكناسي:”أنّ خزانة الإسكوريال المليئة بالمخطوطات الثمينة يظنّ الكثيرون أنّها من مخلّفات العرب في إسبانيا ، والحقيقة أنّ محاكم التفتيش الكاثوليكية كانت أحرقت كلّ الكتب العربية أينما وُجدت، ولم يبق بعد خروج المسلمين من شبه الجزيرة الإيبيرية كتب تستحقّ الذّكر ، وفي أيام السّعديين كان لمنصور الذهبي مولعاً بإقتناء الكتب ، وجمع منها خزانة عظيمة ، وسار خلفه إبنه زيدان على سنته في الإهتمام بالكتب فنمّى الخزانة التي كانت عند والده .ولمّا قام عليه أحدُ أقاربه وإضطرّ للفرار، كان أوّل ما فكّر فيه خزانة كتبه فوضعها في صناديق ووجّهها إلى مدينة آسفي لتُشحن في سفينة كانت هناك لأحد الفرنسييّن لينقلها إلى أحد مراسي سوس. فلمّا وصلت السفينة إنتظر رئيسُها مدّة أن يدفع له أجرةَ عمله ، ولمَّا طال عليه الأمر هرب بمركبه وشحنته الثمينة ، فتعرّض له في عرض البحر قرصان إسباني وطارده للإستيلاء على الصّناديق ، ولا شكّ أنهم كانوا يظنّون أنّها مملوءة بالذهب ،واستولوا بالفعل على المركب الفرنسي وأخذوا الصّناديق، فلمّا فتحوها ولم يجدوا بها إلاّ الكتب ، فكّروا من حسن الحظ أن يقدّموها هديّة لملكهم . ولمّا وصلت هذه الكتب إلى الملك فيليبّي الثاني ، الذي كان منهمكاً في بناء الديّر الفخم للقدّيس ” لورينثو ” بالمحلّ المُسمّى الإسكوريال ،وكان قد نذر في حرب مع فرنسا ألجأته لهدم كنيسة تحمل إسم القدّيس المذكور ،أنّه إذا إنتصر فسيبني له كنيسة أفخم . فلمّا وصلته هذه الكتب أوقفها على هذا الدّير ، وهي التي لا تزال إلى اليوم موجودة به، ويقصدها العلماء من كلّ الأقطار للإستفادة من ذخائرها .”

السّفراء المغاربة عبر التاريخ والإسكوريال

تشير المستشرقة الإسبانية “نييفيس باراديلا ألونسو”فى دراسة لها حول هذا الموضوع :”أنّ معظم الرحّالة المغاربة الذين زاروا إسبانيا تعّرضوا في كتاباتهم إلى الأهميّة التي تنطوي عليها الكتب والمخطوطات العربية التي توجد في الإسكوريال ذلك أنّ المتاحف والمكتبات كانت باستمرار أماكن تسترعي إهتمام مختلف هؤلاء الرحّالة الذين زاروا إسبانيا على إمتداد العصور ، وهذا ما حدث لدير الاسكوريال ، حيث كان محطّ إهتمام الأجانب الذين كانوا يتقاطرون على إسبانيا ” . وتتعرّض الباحثة لثلاثة سفراء مغاربة زاروا إسبانيا في حقب تاريخيّة متفاوتة حيث زارها الأوّل في القرن السّابع عشر ، والإثنان الآخران في القرن الثامن عشر، وتشير:”أنّ هؤلاء كانوا جميعاً بمثابة سفراء لبلدانهم في إسبانيا ، وقد قدِموا إليها للتفاوض مع العاهليْن الإسبانيْين كارلوس الثاني ثم كارلوس الثالث .” ومن المهام التي إضطلع بها هؤلاء السّفراء ، التفاوض من أجل إطلاق سراح أسرى المسلمين في اسبانيا، والتوقيع على إتفاقيات التعاون وحسن الجوار بين المغرب واسبانيا ، وقضية المطالبة بإسترجاع عدد هام من المخطوطات المغربية الموجودة في الإسكوريال”.

بدأت مكتبة الإسكوريال بالذات تنمو وتتكاثر بفضل العناية التى كان يوليها للكتب ملك إسبانيا فيليبي الثاني ،الذي عمل على تأسيس مكتبات عمومية كبرى على غرار المكتبات الإيطالية ،حيث طلب من سفرائه جمع وإقتناء الكتب والمخطوطات العربية ، وهكذا أمكن له إثراء خزانة الإسكوريال بهذه التحف، والذخائر التاريخية النفيسة.

وتؤكّد المستشرقة الإسبانية بدورها الواقعة التاريخية المشهورة التي تعرّضت لها مختلف الكتب التي تبحث في تاريخ العلاقات الاسبانية المغربية، وهي قضية سطو القراصنة الإسبان عام 1612 بالقرب من مدينة سلا على مركب فرنسي كان يحمل المكتبة الخاصّة للسّلطان المغربي مولاي زيدان، والتي كانت تتألف من حوالي أربعة آلاف مخطوط ، وقد تم تحويل هذه الكتب والمخططوطات جميعها إلى مكتبة دير الإسكوريال بأمر من الملك الاسباني فيليبي الثاني”.كما تتعرّض المُستعربة الإسبانية إلى حدث خطير وقع عام 1671 عندما شبّ حريق في الجناح العربيّ من الدّير حيث إلتهمت النيران حوالي 2500 مخطوطاً .

الغسّاني والغزَال والمكناسيّ

وبعد عشرين سنة من هذا الحادث المؤسف وصل إلى إسبانيا الوزير عبد الوهاب الغسّاني سفير السّلطان مولاي إسماعيل خلال حكم العاهل الاسباني كارلوس الثاني (1690-1691) وفى كتابه” رحلة الوزير في إفتكاك الأسير” وصف هذا السّفير الجناح الذي توجد فيه كتب ومخطوطات إبن زيدان بدير الإسكوريال ، كما فاوض العاهل الاسباني بشأن إطلاق سراح الأسرى المسلمين، وكذا إرجاع بعض المخطوطات العربية الى المغرب ، واستجاب العاهل الاسباني للمطلب الأول ، وماطل في الإستجابة للمطلب الثاني.

والسّفير المغربي الثاني هو أحمد بن المهدي الغزال سفير سيدي محمد بن عبد الله لدى بلاط كارلوس الثالث(1766) صاحب كتاب :”نتيجة الإجتهاد في المهادنة والجهاد” وتحتل قضيّة المخطوطات المغربيّة كذلك مكاناً مهماً في رحلة الغزال الذي قام هو الآخر بزيارة الإسكوريال ، و سلّم له العاهل الاسباني كارلوس الثالث بعضَ هذه المخطوطات (300 مخطوط حسب رواية الغزال نفسه).

أمّا السفير المغربي الثالث فهو إ بن عثمان المكناسي سفير المولى محمد بن عبد الله لدى بلاط كارلوس الثالث الذي زار إسبانيا في الفترة المتراوحة بين (1779-1780) وهو صاحب كتاب:” الإكسير في فكاك الأسير”. فقد تمثلت مهمّته كذلك في إفتكاك أسرى المسلمين كما يتضح من عنوان كتابه،كما أنّه لم ينس كسابقيْه زيارة دير الإسكوريال حيث توقف بالخصوص طويلاً عند المخطوطات العربية بهذا الدّير. وقد وصف الإسكوريال وصفاً دقيقاً وكلّ ما به من مقابر الملوك الإسبان، وعن ذلك يقول:” فاذا به من عجائب الدنيا في إرتفاع صواريه وضخامة بنيانه ، يقف الوصف دونه “. وعن المخطوطات العربيّة (بما فيها المغربيّة) يقول:” إنّها في غاية الحفظ ، ولا يمكن لأحد أن يدخل إلى تلك الخزانة كائناً من كان، ومكتوب عليها بخطّ أعجمي :”أمر البابا أن لا يُخرج أحد من هذه الخزانة شيئا”.

وقد سلّم ملك اسبانيا كارلوس الثالث عدداً من المخطوطات العربية للسّفير المغربي ، إلاّ أنّها لم تكن من مجموعة الإسكوريال ،و لم يتعرض السّفراء الثلاثة لحادث السّطو على خزانة إبن زيدان حتى لا يؤثّر ذلك على مهمّاتهم الدبلوماسية الأخرى التي قدِموا إلى إسبانيا من أجلها كذلك .

في البحث عن الكنوز المسلوبة

وفى دراسة للباحث التونسي عليّ العريبي تحت عنوان “الرّحلة الأندلسية للورداني والبحث عن المجد الضائع”. يشير أنّ الورداني شاعر ورحّالة تونسي عاش في أواخر القرن التاسع عشر وفي أوائل القرن العشرين. ولد سنة 1861 ببلدة الوردانيين جهة السّاحل وتوفّي سنة 1914 ، قام هو الآخر بزيارة لمدينة الإسكوريال حيث أقبل على آثار القصور الموجودة بالمدينة، فوصف ما بها من نقوش ورسوم ، وقد إسترعى إنتباهه في قصر فيليبّي الثاني رسوم جدرانه التي تصوّر حروبَ دولة إسبانيا سواء مع العرب أو مع الدولة العليّة”.

ويضيف :” وقد عثرت البعثة المرافقة للورداني على أكثر من ألفي كتاب عربي . “ويعتقد الناس خطأ -.حسب الورداني- “أنّ الكتب العربية الموجودة في هذه المكتبة هي من مخلفات الأندلس ، وليس الأمر كذلك فقد أظهر لي التحرّي والتحقيق وكثرة المحاورة والمذاكرة مع أرباب الوقوف والاطّلاع أنّ الإسبان لمّا ملكوا الأندلس أشارعليهم رؤساء الأديان بحرق الكتب الإسلامية لا سيما الدينية، فكانوا كلما تمكنوا من بلاد أحرقوا كتبَها ، إلاّ ما بقي عند بعض الأفراد ، وأنّ هذه المخطوطات هي من كتب زيدان أمير المغرب كان قد إشتراها من المشرق وبينما مأموروه قد قدموا بها إذ فاجأتهم سفن إسبانيا الحربية قريباً من بوغاز سبتة (جبل طارق) فغلبتهم وغصبت الكتب ،فهى في التحقيق من حكومة مرّاكش لا الأندلس ، والذي يدلّ على صحّة ما ذهبت إليه ما شاهدته مكتوباً على أغلب الكتب من أنّها ملك الأمير زيدان المذكور”.

ويلاحظ أنّ الورداني لم يكن يعرف قصّة هذه الكتب الحقيقية كما سبقت الإشارة إليها من قبل ،وكما سنرى عند مؤرخ فرنسي تعرّض لنفس الموضوع وهو “جان كايّي”، إذ يذكر الورداني أنّ الكتب إشتراها مولاي زيدان من المشرق، وسطا عليها الاسبان في مضيق جبل طارق بالقرب من مدينة سبتة وهي في طريقها إليه حيث كان يقيم بمراكش ، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف وُضع خاتم زيدان على هذه المخطوطات كما يؤكّد الورداني نفسُه ذلك..؟ ممّا يرجّح صحّة الرّواية الشّهيرة التي سبق أن أكّدها المرحوم محمد الفاسي والباحثة الإسبانية نييفيس ألونسو ،وكذا المؤرخ الفرنسي جان كاييّ وسواهم من الباحثين.

القنصل الفرنسي كَاسْتلِاَن وخزانة زيدان

وتحت عنوان”كاستلان وخزانة زيدان ” يشير المؤرّخ الفرنسي” جان كايّي” في كتابه “موجز تاريخ المغرب” إلى: ” أنّ جانْ فيليبْ كاستلان” وهو من مدينة مرسيليا كان قنصل فرنسا في المغرب معتمداً لدى السّلطان المغربي مولاي زيدان عام 1610″الذي قال عنه المؤلف:” كان من أعظم ملوك السّعديين بفضل حنكته وصرامته وحبّه للعلم وعطفه على أهله ،حيث كان شغوفاً بالأدب، ومولعاً بالكتب، فضلاً عن أنه كان يملك خزانة عظيمة ورث معظمَ كتبها عن والده مولاي أحمد المنصور وقد بلغ عدد كتب هذه الخزانة حوالى أربعة آلاف مخطوط”. ويضيف المؤلف الفرنسي أنّ كثيرا من هذه التّحف النادرة كانت مغطّاة بماء الذّهب ، ومنمّقة بالجواهر النفيسة، وبعضها كان مكتوباً بخطوط جميلة جدّاً وذات فنيّة عالية، ويحكي المؤلف هو الآخر قصّة وصول هذه المخطوطات إلي الإسكوريال فيقول:” في ربيع 1612وصل مولاي زيدان إلي مدينة آسفي مع عائلته وقد حمل معه ممتلكاته النفيسة ومنها مكتبته وهو ينوي الإلتحاق بمدينة أكادير، وكان بالميناء مركبان الأوّل هولاندي ، والثاني فرنسي وهو مركب كاسطلان .وإكترى مولاي زيدان المركبين فسافرت عائلته في المركب الهولاندي ،وسلّم خزانته وبعض ممتلكاته لمركب كاسطلان الذي قبل نقل هذه الحمولة إلى أكادير مقابل 3000دوقية. ويصف المؤلف وصفاً دقيقاً كلّ ما حمله هذا المركب من أمتعة السّلطان السّعدي .وكانت الصّناديق التي تحتوي على حاجياته وكتبه قد وضع عليها خاتمه السّلطاني. ويشيرأنّ المركب كان يسمّى ” نوتردام دو لاغارد “.الّا انّ صاحبه كاسطلان رفض إنزال حاجيات ومتاع وكتب مولاي زيدان قبل إستلام المبلغ المتّفق عليه.وأمام قرب نفاذ الزّاد في المركب الفرنسي قرّر كاسطلان وطاقمُه في ليلة 22 يونيو العودة إلى فرنسا.

تجري الريّاحُ بما لا تشتهي السّفنُ !

ويشير المؤلّف إلى أنّ الرّياح جاءت بما لا تشتهيه السّفن ،إذ عندما كان المركب الفرنسي قبالة مدينة سلا هوجم على حين غرّة من طرف أسطول إسباني كان تحت إمرة الأميرال فاخاردو ، وأرغم على الإتّجاه إلى مدينة قادس الإسبانية حيث تمّت محاكمة كاسطلان وسجنه ثم مات عام 1619. وألحقت خزانة زيدان بدير الإسكوريال ، كما أرسلت بقيّة متاعه وحاجيّاته النفيسة الأخرى إلى مدريد .ويشير المؤلف الفرنسي إلى أنّ مولاي زيدان إستشاط غضباً عندما علم بالخبر، وإحتجّ بشدّة لدى ملك فرنسا لويس الثالث عشر ، وتحمّلت الجالية الفرنسية المقيمة في المغرب في ذلك الوقت عواقبَ ومغبّة هذا الحدث ، فزجّ ببعضهم في السّجون ، وأرغم آخرون على مغادرة البلاد ،وأصبحت العلاقات السياسية والتجارية بين المغرب وفرنسا شبه منعدمة . وقام لويس الثالث عشر بعدّةِ مساعٍ لدى البلاط الإسباني حتىّ يسترجع ملك المغرب ممتلكاته وخزانته بدون جدوى. ويختم ” جاك كايّي ” بحثه الشيّق قائلاً:” وما زالت مكتبة مولاي زيدان توجد إلى يومنا هذا في إسبانيا ،في نفس المكان الذي كانت توجد فيه من هذا الدّير، وقد عاينها وشاهدها وتصفّحها في عدّة مناسبات العديد من السّفراء والرحّالة ، والمؤرخين، والباحثين، والمتخصّصين ، والطلبة ، وجميع هذه الكتب والمخطوطات يوجد عليها خاتم مولاي زيدان “.

إحصاءت خزانة الإسكوريال

يؤكّد القائمون على هذه المكتبة الفريدة من نوعها أنّ المخطوطات العربية والإغريقية الموجودة بها تعتبر من أحسن وأجمل المخطوطات في أوربا ، وتضمّ هذه الخزانة الآن حوالي 45000 كتا باً مطبوعاً تعود للقرنين الخامس عشر والسادس عشر ، وما يزيد على 5000 مخطوط تتوزع حسب أهمّيتها من حيث مضامينها وعددها على اللغات التالية : تأتى في المرتبة الأولى العربية (1700)مخطوط، واللاّتينية(1400)، والقشتالية (800) والإغريقية(600)، والإيطالية(80)، والعبرية (حوالى 70)، والكطلانية والبلنسية (50)، والفرنسية (30) ، والصّينية (بضع مخطوطات) ،والفارسية (20)، والبرتغالية(15) ، والتركية(12) ، والأرمينية (2) ، والألمانية (بضع مخطوطات)، ولغة نوالط المكسيكية القديمة (مخطوط واحد).

وتبلغ مساحة خزانة الإسكوريال 54 متراً طولاً مقابل 9 أمتار عرضاً، و10 أمتار علوّاً، ويعلوها قبو عليه رسومات عديدة مزدانة ومزركشة بألوان متنوّعة بديعة ، تنقسم إلى سبعة أقسام تمثل سبع صور ترمز إلى الفنون أو العلوم السبعة التى كانت تُدرّس بالجامعات في ذلك الابّان وهي: النّحو، والبلاغة، والجدل، أو المنطق ،والحساب، والفلك ، وخصّصت الواجهتان الشمالية والجنوبية لعلميْ الفلسفة واللاّهوت. وهناك 14 رسماً لبارطولومى كاردوشّو تصوّر قصصاً لها صلة بالفنون والعلوم المذكورة وبعض العلماء الذين نبغوا في هذه العلوم .ويشير الأب تيودورو – أحد الذين عملوا في هذه الخزانة – أنّ أجمل وأحبّ المخطوطات إلى نفسه هي المخطوطات العربية، حيث يعجز عن وصف جمالها وروعتها ، ويؤكد أنه من أغرب ما لوحظ أنّها مكتوبة بحبر أو مداد يحتوى على مادة قويّة مضادّة للحشرات بحيث لا تقترب من هذه النفائس، ولا تلحق بها ضرراً ولا تلفاً. وقد إعترف الأب تيودورو أنّ محاكم التفتيش كانت قد أحرقت بالفعل العديد من المخطوطات العربية، وعليه فإنّ بعضها قد تمّ إيداعها في الخزانة وهي مخيطة ومصونة مخافة إحراقها أو تدميرها من طرف المتعصّبين.

هذه بضاعتنا رُدّت إلينا ..!

كان المسؤولون المغاربة عن الشّأن الثقافي قد أعلنوا منذ سنواتٍ بعيدةٍ خلت أنّه سيتمّ تصوير المخطوطات المغربية الموجودة في مكتبة الإسكوريال بمدريد، وإعداد نسخ منها على الميكروفيلم (وليست الأصليّة) لتصبح متوفّرة للإستعمال في المكتبة الوطنية بالرباط. تحقيق هذه الغاية ،أيّ الحصول علي بعض النسخ من هذه الميكروفيلمات لم يتم إلاّ في 7 فبراير 2011. علماً أنه قبل هذا التاريخ بكثير أي في عام 1997 أيّ منذ ما ينيف على 14 سنة قبل هذا التّاريخ كانت الملكة الاسبانية السّابقة صوفيا خلال زيارة لها لمصر فى هذا الإبّان قد أهدت مجموعة كاملة من ميكروفيلمات المخطوطات العربية بدير الإسكوريال إلى مكتبة الإسكندرية بما فيها المخطوطات المغربية على وجه الخصوص ، لاجَرَمَ أنّ المسؤولين فى هذه المكتبة الذين تسلّموا هذه المخطوطات كان لسان حالهم يقول فى خيلاء مثلما قال أبو القاسم الصّاحب بن عبّاد عندما وقع بين يديه كتاب “العِقد الفريد” لإبن عبد ربّه الأندلسي : هذه بضاعتنا رُدّت إلينا ..!

والحالة هذه،وبعد كلّ هذا ، ألمْ يَحن الوقت بعد ليبادر المغرب ويطالب إسبانيا بإسترجاع مخطوطاته، ونفائسه بشكلً أو بآخر بعد أن هيّأ لها القدَر هذا الحظّ العاثر وانتهت فى دير الإسكوريال كما رأينا قهراً وقسراً وسلباً وعنوةً ..؟ هذا السّؤال نوجّهه بإلحاح ، ونرفعه جِهاراً بملء فينا إلى القائمين على الشأن الثقافي فى هذا البلد الأمين.!

*- كاتب، ودبلوماسيّ من المغرب ، عضو الأكاديميّة الإسبانيّة- الأمريكيّة للآداب والعلوم – بوغوطا- كولومبيا.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات