القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

خيضر .. معارض جزائري قُتِل بمدريد ودفنته عائلته بالمغرب

 

خيضر .. معارض جزائري قُتِل بمدريد ودفنته عائلته بالمغرب

كعادة الكثير من الأنظمة الشمولية، وعندما لا ينجح القتل في تصفية ذكرى إنسان، يتم اللجوء إلى محاولة تلويث صورته كي يظهر أن اغتياله لم يكن بالخطأ الشنيع..هكذا حاولت أطراف جزائرية مع المجاهد محمد خيضر عندما قتلته بمدريد سنة 1967، واتهمته بسرقة أموال الدولة ودفعها في حسابه الخاص، إلا أن كل هذه الاتهامات لم تنجح في الحط من قيمة رجل، لم يشأ وضع أموال جبهة التحرير الجزائرية في حسابات العسكر الجزائري.


محمد خيضر، المدفون في المغرب بمقبرة الشهداء إلى جوار محمد الزرقطوني، هو واحدٌ ممن دفعوا حياتهم ثمناً لاستبداد العسكر، شأنه في ذلك شأن محمد بوضياف، الرئيس الجزائري الذي اغتِيل أمام عدسات الكاميرات لأن عمله لم يرُق لمنابع الاستبداد، وكذلك لكريم بلقاسم، الذي اغتِيل بربطة عنق في فندق بألمانيا.


تهمة خيضر كانت سرقة أموال الدولة ودفعها في حسابه، في وقت أتى التأكيد منه قبل وفاته، بأن وضعه للأموال باسمه هو حل مؤقت حتى تتم تصفية الاستعمار بالكامل، وبأن هذه الأموال من حق المعارضة الجزائرية التي تحاول بناء دولة ديمقراطية عكس ما كان يريده بن بلة المدعوم من طرف الجيش. وهو ما وفت به عائلته عندما أعادت الأموال إلى الدولة سنة 1979، معتقدة أن رحيل الهواري بومدين، ووصول الشاذلي بن جديد، سيغير شيئاً في واقع البلاد.


رأى النور سنة 1912، في مدينة بسكرة التي كتبت عنها جريدة الاتحاد الاشتراكي “صاحبة تاريخ صوفي، ورجالات في العلم والفقه والسياسة والتجارة، فهي ذات موقع استراتيجي ضمن طريق الذهب القديمة بين تونس والجزائر العاصمة”. كان خيضر واحداً من المؤسسين للحركة الوطنية المغاربية، بصولاته وجولاته في عدد من البلدان كتونس، مصر، والمغرب، كما كان من أصدقاء المجاهد عبد الكريم الخطابي عند اشتغاله بمكتب “المغرب العربي” بالقاهرة رفقة علال الفاسي والتونسي الحبيب بورقيبة.


انخرط الراحل مبكرا في العمل السياسي داخل حزب “نجم شمال إفريقيا”، والتحق بحزب مصالي الحاج “الشعب الجزائري” وهو لم يكمل بعد ربيعه الرابع والعشرين، كما انتُخِب عضواً بالبرلمان الفرنسي بالجزائر سنة 1947 وعمره لم يتجاوز 35 سنة، ولم يتوقف عمله ضد الاستعمار على ما هو سياسي، بل كان رجلا فدائياً، وأحد المنفذين لعملية بريد وهران الشهيرة سنة 1947.













خلافاته مع القادة الجزائريين بدأت مباشرة بعد الاستقلال، فقد كان كاتباً عاما لجبهة التحرير الوطني وقائداً للجناح السياسي، وهو ما لم يعجب بن بلة الذي استنجد بالجيش وتحوّل من الجناح السياسي إلى قطب يرى في الجزائر بلداً عسكريا بامتياز، لذلك استقال خيضر من منصبه وهاجر إلى أوربا. واشتغل من هناك في رصِّ صفوف المعارضة الجزائرية وفي تنظيم عملية هروب المعارض المعروف الحسين آيت أحمد من السجن، لذلك كان قرار اغتيال الرجل بداية سنة 1967، أي تقريبا سنة وثلاثة أشهر بعد اغتيال المعارض المغربي المهدي بنبركة.


تحكي زوجته عن ذلك اليوم الذي قُتِل فيه: “في الثالث من يناير، كنت أركب إلى جواره في سيارتنا بأحد شوارع مدريد، فجاءه مواطن جزائري وألح في طلب نزوله من السيارة كي يحدثه في أمر عاجل، غير أن محمد كان مستعجلاً وطلب منه تحديد موعد في وقت آخر، وبعد نقاش قصير معه، بدأت الشكوك تساور محمد، وفي نفس الوقت، أخرج عدة أشخاص مسدساتهم، وأمطروا جسد الراحل بالرصاص”.


عاش الراحل متابعاً من طرف الكثير من الجهات، أولاً السلطات الفرنسية التي خططت أكثر من مرة لاغتياله، فقد كان واحداًَ من القادة الجزائريين الذين تمّ اختطاف طائرتهم من المغرب، ثانياً من النظام الجزائري الذي اعتبر رفض خيضر تحويل الأموال إلى الدولة، محاولة منه لتمويل حكومة جزائرية معارضة لبن بلة، وثالثاً من النظام الإسباني الذي تستر على قتلته ولم يقدمهم للمحاكمة.


في رسالة توّصلت بنسخة منها هسبريس، كتبتها عائلته هذه الأيام إحياءً للذكرى السابعة والأربعين لرحيل خيضر، تمّ وصف الفقيد بأنه واحد من القادة المجاهدين التسعة الكبار الذين فجروا الثورة الجزائرية في فاتح نونبر 1954، وكان ممثلها الرئيسي في القاهرة ضمن مكتب “المغرب العربي”، تحت قيادة المجاهد محمد بنعبد الكريم الخطابي”.


وأشارت الرسالة أن الاغتيال أتى نتيجة جريمة مدبرة من طرف جهات جزائرية مسؤولة، ولمّا وجدت الأوساط الحاكمة في الجزائر، أن التصفية لم تكفِ، بذلت ما تستطيع من جهود لاغتياله نضالياً من خلال حملة الكذب والخداع والتضليل. كما شدد أبناؤه إلى أن إطلاق اسم الفقيد على بعض المؤسسات والمرافق العمومية في الجزائر، أمر غير كافٍ، بقدر ما تجب مراجعة مواقف الدولة الجزائرية اتجاه عملية اغتياله، والالتفات بالرعاية اللازمة لجميع أفراد عائلته.


لم يكن محمد خيضر، الذي إنظم لحزب الشعب في 1936 يعلم أنه  سيقتل على أيد جزائرية وهو الذي ظل في خصومة مع فرنسا الإستعمارية لغاية فراره في 1951.

ولم يكن محمد خيضر يظن أنه  سيضطر للفرار من الجزائر المستقلة في 1963، بعد أن تصاعد خلافه مع أحمد بن بلة،  على الرغم من أنه كان أحد الذين ناصروا جيش الحدود في صيف 1962 حينما إستولى على السلطة بقوة الدبابة…

أتهمه بن بلة بأنه نهب أموال “صندوق التضامن” الشهير وظل مطاردا حتى بعد أن إنقلب بومدين على بن بلة في يونيو 1965.


إذن، فخيضر هو واحد من القادة الجزائريين الذين رحلوا قرباناً لبناء دولة المؤسسات حيث تحكم الديمقراطية وهو ما لم يتم بعد، وهو واحد من القادة المغاربيين الذين حاربوا الاستعمار ليقتلهم إخوانهم فيما بعد..هو واحد ممن استحالوا ذكرى جميلة للشرفاء..وكابوساً يقض مضاجع من حوّلوا الأوطان إلى ضيعات..وما أكثرهم في مساحاتنا.


هدد الرائد قاصدي مرباح رئيس المخابرات العسكرية في عهد بومدين٬ والذي شغل أيضا رئاسة الحكومة في  88-89، عدة مرات من أنه سيكشف أسماء الذين نفذوا أوامر قتل كبار المعارضين الجزائريين كمحمد خيضر وكريم بالقاسم وغيرهما إلا أنه أغتيل، هو الآخر، في ماي 1993قبل أن يفعل.


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات