القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

فيكتور المالح.. من أزقة «موكادور» إلى ناطحات السحاب بنيويورك (1918-2014)

يونس جنوحي

«فيكتور المالح. يلعب السكواتش، يسير بسروال ناصع البياض فوق أرضية ملعب الغولف، مرتديا نظارات خاصة بالحساسية من العشب. يبتسم للكاميرا ويلوح بيديه للفضوليين الذين كانوا يتابعون باهتمام كيف استطاع هذا الرجل التسعيني، مع زوجته اليابانية، واسمه «العربي» (المالح)، أن يحظى بتقدير كل الواقفين الذين ينتمون إلى الطبقة الراقية في مدينة نيويورك؟


فيكتور المالح مع أخيه

من الطابق المائة في واحدة من العمارات الزجاجية التي تطل على المحيط الأطلسي بمدينة نيويورك، كان فيكتور المالح يجرب رمي الكرات في الحفر التي صُنعت خصيصا لأجله كملعب للغولف يصعد إليه لتبديد الضجر وكسر روتين الاجتماعات اليومية التي يدير من خلالها ثروته الضخمة.

زوجته اليابانية أوساتو المالح تراقب خطواته خصوصا بعد أن نصحها الطبيب بمراقبته عن كثب. كان يطيل النظر من نافذة مكتبه الوثير في اتجاه المحيط.. لا أحد كان يعلم ماذا كان يتأمل في امتداد المياه التي لا تنتهي. لكن قلة فقط ممن عرفوه، ومنهم أشهر نجوم هوليوود الذين تعرفوا عليه خلال شبابه المبكر، يعرفون أنه كان ينظر في اتجاه «موكادور».. مدينة الصويرة المغربية التي جاء منها طفلا، وكان يراها خلال طفولته ببروكلين في عيني جدته المغربية أبا عن جد، ويقرؤها في رسائل والده الذي كان هو الآخر أبا عن جد، يُقدّس الصويرة ولا يريد أن يهجرها..

في 17 نونبر 2014، نشرت كل صحف نيويورك ومجلاتها، وكبريات وسائل الإعلام في أمريكا، خبر وفاة فيكتور المالح، أحد كبار ملاك العقارات والشركات في نيويورك والعالم، وأحد أشهر تجارب النجاح على الطريقة الأمريكية. كانت زوجته اليابانية ترتدي السواد، وتشيع زوجها، رفقة عائلتها، إلى مثواه الأخير. كيف وصل ابن الصويرة إلى هذه المكانة، وكيف قطع البحر طفلا من «موكادور» إلى نيويورك..؟

في هذه الحلقات سنقف على محطات من حياته، بعضها رواها بنفسه في شهادة بصوته كرسالة منه بعد أن تجاوز التسعين إلى كافة الأمريكيين الذين يبحثون عن النجاح، وتحدث خلال تلك الشهادة عن تجاربه الشخصية.. بينما سننقل أخرى على لسان من عرفوه، من مشاهير السينما ورجال الأعمال والفنانين الذين قاسمهم رسم اللوحات..

كان على وشك أن يُكمل 96 سنة عندما انطفأ، وهو الذي يتذكر بدقة كل التواريخ المهمة في حياته. لقد كان مُنضبطا بصورة رهيبة، ويحفظ كل التواريخ عن ظهر قلب.. حتى أنه بعد تسعين سنة بأمريكا، لا يزال يذكر أغاني جدته باللهجة الصويرية الفريدة..».

«موكادور تستحق أن تُزار». تُنسب هذه العبارة، بكثير من النشوة، لأكثر من نجم عالمي، كانطباع صادق بعد زيارة مدينة الصويرة. لكن قلة فقط ممن يزورونها الآن، يُدركون العمق التاريخي للمدينة والأسماء التي أنجبتها بل وتأثيرها في التاريخ والحاضر.
فيكتور المالح، ابن الصويرة الذي وصل إلى العالمية بل واحتل عرش أثرياء أكبر مدينة في العالم، نيويورك، قدم إليها في الحقيقة من الصويرة زائرا، لكي يستقر في كنف جده، قبل أزيد من تسعين سنة تقريبا من اليوم، ويخط بنفسه مسار نجاح استثنائي.

موكادور التي..

27 نونبر 1918. وُلد فيكتور المالح في زقاق ضيق من أزقة المدينة القديمة في الصويرة، حيث ورث والده مسكن العائلة. لم يكن الأبوان في وفاق، كانت بوادر التصدع بينهما قائمة. وهذا الكلام قاله فيكتور المالح بنفسه عندما تجاوز عمره التسعين، وقبل أن يُجري مقابلة العمر مع اثنتين من كبريات المجلات في الولايات المتحدة والعالم.
سوف نعود إلى الوسط العائلي الذي نشأ به فيكتور المالح. أما الزقاق الذي رأى فيه الن
ور لأول مرة، فلم يكن سوى حي يهودي، يعج بأبناء الأسر اليهودية التي لا تمل من إعطاء الأمثلة لأبنائها بأبناء عمومتهم الذين هجروا الصويرة نحو مستقبل أفضل، خصوصا في بريطانيا.

قلة فقط كانت تتحدث عن الولايات المتحدة الأمريكية. لماذا كان يفكر اليهود وقتها في الهجرة؟

كان الوضع الاقتصادي في الصويرة خلال سنة 1918، يغلي على إيقاع الحرب العالمية الأولى. عدد كبير من الشركات الأوربية، البريطانية والفرنسية منها على وجه الخصوص، كانت تعيش إفلاسا حقيقيا. حتى أن وُكلاءها كانوا يذهبون للتجنيد الإجباري في بلدانهم، وتصل أخبار موتهم إلى الصويرة تاركة المجال لشركائهم المغاربة، وأحيانا لبعض موظفيهم، حرية التصرف في تلك الممتلكات وأصول الشركات. حتى أن بعض الذين كانوا يذهبون، مُجبرين، إلى الحرب كانوا يتركون وصايا لموظفيهم بخصوص مستقبل الشركات والأعمال التجارية التي يتوفرون عليها في الصويرة.

وُلد فيكتور المالح في أجواء انتهاء الحرب العالمية الأولى. وفتح عينيه في مدينة الصويرة التي لم تعد كما كانت. بل تحول فيها كل شيء بعد وفاة بعض الأجانب الذين كانوا يملكون محلاتها ومشاريعها الكبرى، خصوصا في الميناء، وحل محلهم آخرون.

المالح يتحدث!

يتوفر أرشيف مدينة نيويورك على أرشيف مهم للمهاجرين الأوائل إلى المدينة. وجدّ فيكتور المالح أحدهم. أما فيكتور فقد انضم إلى لائحة مشاهير المدينة وأثريائها، وتحتفظ له نيويورك الآن برمزية محترمة في سجل «قصص النيويوركيين» الناجحين، الذين تتجاوز أعمارهم التسعين. يجب أن يكون الضيف ناجحا وشهيرا وعمره يتجاوز التسعين، لكي يدخل اسمه في اللائحة، ونيويوركيا طبعا. وهناك اليوم حوار مكتوب بالإنجليزية ومسجل بصوت فيكتور المالح، قبل وفاته، يتحدث فيه عن حياته وذكريات طفولته الأولى وكيف صنع إمبراطوريته المالية الضخمة كمالك للعقار، وقصة زواجه من اليابانية «سونو أوساتو المالح».
سوف نترجم المقطع الذي تحدث فيه المالح عن طفولته وبداية حياته، متحدثا لـ«Old new York Stories». يقول: «وُلدت في موكادور، في المغرب يوم 27 نونبر 1918 في الصباح. ويبدو أني سُميت فيكتور، كدلالة على الهدنة لأنني وُلدت بعد 15 يوما فقط على وقف الحرب. جئنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1925. وأعتقد أنه كان يوم 25 يونيو 1925. أمي كانت حاملا بطفلها الرابع. جدّاي كانا قد سبقانا إلى الولايات المتحدة، ووالدتي كانت تريد أن تكون مع أمها عندما يأتيها المخاض. ولهذا السبب جئنا إلى الولايات المتحدة.

جدي، والد أمي، كان ربّيا (رجل دين يهودي). كان اسمه جوزيف توبياس ليفي. هاجر من جهة ما في روسيا إلى فلسطين وأصبح هناك رجل دين، وجاء إلى المغرب لأنه كان يبحث عن فاكهة من الحوامض التي تُستعمل في صناعة مأكولات للمناسبات الدينية. واستقر في منزل عائلة جدتي. كان فقيرا جدا، وعلى كل حال لم تكن وقتها أي فنادق في موكادور. انتقل بطريقة ما إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأصبح مواطنا أمريكيا. ولا أعرف كيف استطاع تحقيق كل هذا في الحقيقة.
عاد إلى المغرب مرة أخرى، وتزوج جدتي، وعاشا في المغرب إلى حدود سنة 1923. أمي كانت أكبر أبنائه. كان لديه سبعة أبناء. كان عليه، لسبب ما، أن يغادر المغرب، وذهبوا جميعا إلى بروكلين، وأتذكر بشكل عجيب عنوان البيت عندما جئت عندهم. لقد كانوا يقطنون في التقاطع 66، في منطقة الشارع 20. كان هذا سنة 1925.
وبعد فترة قصيرة استطاع جدي شراء منزل للعائلة، وكان العنوان هذه المرة هو 1712، زنقة 62، في بنسنهارست».

من تكون عائلة المالح؟

حتى لا نحرق المراحل. سنعود إلى شلال الذكريات التي أطلقها فيكتور المالح وهو يدون شهادته للنيويوركيين، باعتباره أحد كبار الناجحين في المدينة. لكن ماذا عن الصويرة؟

نفهم مما قاله فيكتور المالح أنه انتقل مع عائلة والدته. بينما كان والده المالح، من أبناء الصويرة الحقيقيين، وحتى عائلة جدته لأمه كانت من قدماء مدينة الصويرة الذين انتقلوا إليها منذ عهد المولى سليمان، سنوات قليلة فقط بعد تأسيسها لكي تكون واجهة تجارية مغربية يشتغل فيها أغلب اليهود المغاربة كتجار وأمناء على الاستيراد والتصدير.

للأسف، لم نجد في الأرشيف، ولا في بعض البحوث الجادة بخصوص تاريخ الصويرة خلال القرن 19 وبداية القرن العشرين، ما يدل على رجل الدين اليهودي جوزيف ليفي. لكن في مدينة نيويورك، وجدنا أثرا له. وكان فيكتور المالح صادقا، فقد كان جده من المهاجرين الأوائل إلى الحي الجديد في نيويورك، وعندما غادر فقد كان الأمر من أجل جلب السيدة التي أحبها في الصويرة عند زيارته الأولى لها قادما من فلسطين.

أما عائلة المالح، فقد كانت عائلة معروفة جدا في الصويرة وفي المغرب عموما. عائلة يهودية كبيرة، جل أفرادها كانوا يعيشون في الدار البيضاء وفاس، وفي الصويرة، كان يوجد ثلاثة إخوة من عائلة المالح، كانوا كلهم يشتغلون في التجارة. لكن لا توجد أي وثائق مخزنية لتعامل عائلة المالح مع المخزن أو استفادتها من صفقات تجارية أو عقود احتكارية، شأن عائلات أخرى من الصويرة أمثال «مقنين وبنزاكين وليفي».

كانت عائلة المالح متوسطة. ولا بد أن المصاهرة بين أحد أبنائها، والد فيكتور المالح، وابنة رجل الدين الروسي الذي لم يكن، للإشارة، يتحدث غير العبرية والروسية والإنجليزية، لم تكن مصاهرة سهلة، خصوصا وأن العائلات اليهودية في الصويرة كانت حريصة جدا على المصاهرات ولا تمنح الألقاب العائلية بسهولة.

بدا هذا الأمر واضحا عندما نشبت المشاكل بين الزوجين خلال طفولة فيكتور المالح. إذ إن حياة هذا الملياردير لم تكن دائما سعيدة. فقد عانى الأمرّين في الصويرة، وفي نيويورك أيضا. فقد كان سنه سبع سنوات عندما ركب الباخرة مع أمه الحامل لكي تسافر إلى أمريكا لرؤية أمها. كان والده، كما سيكشف فيكتور المالح لاحقا في شهادته التاريخية لسكان نيويورك، يحظى بحياة متذبذبة مع والدته. كانت هجرة والديها إلى أمريكا أحد أسباب تدهور العلاقة. سيما أن الصويرة كانت تعيش كسادا اقتصاديا كبيرا بعد الحرب العالمية الأولى، لكن عددا مهما من التجار اليهود، خصوصا منهم أصحاب الحرف اليدوية، كانوا يفضلون البقاء في الصويرة على الانتقال إلى أي مكان آخر، على الأقل في تلك الفترة من التاريخ.

علاقة فيكتور المالح بوالده، يعترف صادقا أنها لم تكن مثالية، بل إن الطفولة التي عاشها في الصويرة، حاول أن ينساها في نيويورك، وبدا هذا الأمر واضحا في محاولات الاندماج الكلي التي بدأها فور وصوله إلى منزل جده. فقد حاولت والدته العودة إلى المغرب، بينما هو فضل البقاء بشكل نهائي في نيويورك التي تاه بين أحيائها المتوسطة والفقيرة بحثا عن مستقبل تاركا خلفه حياة الصويرة. بصعوباتها، وحفر أزقتها الضيقة ومنظر يهودها ومسلميها الذين كانوا يتأملون البحر بجلابيب مثقوبة، وبطون فارغة أعياها الجوع والبرد.

لم يكن هذا حال كل سكان الصويرة. كانت هناك عائلات يهودية ومسلمة، عاشت في القمة واختبرت حياة الثراء، وبقيت مدينة لرصيف الميناء العتيق الذي جرّ على تلك العائلات ثروة طائلة.

كيف إذن كانت ملامح المالح الأب، ولماذا بقي فيكتور في كنف جدته التي كانت تحفظ من أهازيج الصويرة وأصوات النوارس قرب الميناء النزر الكثير؟
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات