القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

العثمانلي يغتال السلطان السعدي والمغاربة يردون في وادي اللبن

العثمانلي يغتال السلطان السعدي والمغاربة يردون في وادي اللبن

هذه حكاية تستحق الرواية.. حكاية أطماع عثمانية في المغرب الأقصى، تكسرت على صخرة الفرسان المغاربة ممن تمسكوا باستقلال بلادهم وحريتها.

تبدأ الحكاية في القرن الـ16 الميلادي، حين أظهر العثمانيون بعد استيلائهم على مصر (1517)، والجزائر (1515)، وليبيا (1551)، وتونس (1574)، رغبة محمومة لإتمام السيطرة على الشمال الإفريقي بغزو المغرب الأقصى، وهو ما تبين سريعًا استحالة حدوثه مع الظهور الثقيل للأشراف السعديين في المنطقة.

ففي سنة 956 هـ، 1550 م، غزا السلطان السعدي أبو عبد الله محمد الشيخ مدينة فاس وطرد منها بني وطاس الذين قبلوا التبعية الاسمية للعثمانيين وخطبوا باسم السلطان العثماني سليمان القانوني فوق منابرها. وقد أبدى الشيخ فور انتصاره نيته غزو الجزائر، حيث القاعدة الكبرى للأتراك. وكما قال المؤرخ المغربي الناصري السلاوي، فإن أبي عبد الله الشيخ "كان يعز عليه استيلاء الترك على المغرب الأوسط (الجزائر) مع أنهم أجانب من هذا الإقليم ودخلاء فيه، فيقبح بأهله وملوكه أن يتركوا الترك يغلبون على بلادهم، لا سيما وقد فر إليهم عدو من أعدائه وهو أبو حسون الوطاسي، فرأى الشيخ من الرأي وإظهار القوة في الحرب أن يبدأهم قبل أن يبدؤوه فنهض من فاس قاصدا تلمسان وحاصرها بحشوده تسعة أشهر وقتل في محاصرتها ولده الحران، وكان نابا من أنيابه وسيفا من سيوفه. ثم استولى الشيخ على تلمسان ودخلها يوم الاثنين 23 من جمادى الأولى سنة 957، ونفي الترك عنها، وانتشر حكمه في أعمالها إلى وادي شلف، واتسعت خطة مملكته بالمغرب، ودانت له البلاد". 

ولكن العساكر العثمانية عادت "وكرت عليه وأخرجوه من تلمسان، فعاد إلى مقره في فاس، ثم عاود غزو تلمسان حين بلغه قيام رعاياها على الترك وانحصار الترك بقصبتها، فأقام مرابطا عليها أياما فامتنعت عليه، وأقلع عنها ولم يعاود غزوها بعد ذلك وخلص أمرها إلى الترك". 

وإذا كان السلطان السعدي قد قنع بمملكته الناشئة في المغرب الأقصى دون التوسع شرقا، فقد أصبح عليه الآن أن يتحول للدفاع عن دولته أمام الهجوم العثماني المرتد. ففي 3 صفر 961، أتى أبو حسون الوطاسي مع حاكم الجزائر صالح باشا التركماني والجنود الأتراك، وتمكنوا من هزيمة أبو عبد الله الشيخ وأخرجوه من فاس، ورد السلطان السعدي باستنفار قبائل السوس، وجمع الجموع، وزحف إلى فاس من جديد فدارت بينه وبين سلطانها أبي حسون حروبا شديدة كان في آخرها الظفر للشيخ الذي قتل أبا حسون واستولى على فاس، وصفا له أمر المغرب يوم السبت 24 شوال 961.

كانت تلك المعارك تؤكد للسلطان السعدي أن العثمانيين هم أعداؤه الواجب الحذر منهم دائما. ويقول المؤرخ الناصري: "كان أبو عبد الله الشيخ كارها للأتراك، يقول فيما زعموا (لا بد لي أن أغزو مصر وأخرج الترك من أحجارها)، وكان يطلق لسانه في السلطان سليمان القانوني ويسميه بـ سلطان الحواتة.(أي القوارب)، يعني لأن الترك كانوا أصحاب أساطيل وسفر في البحر".

من جهة أخرى، لما علم سليمان القانوني بخبر سقوط حلفائه من بني وطاس وسيطرة السعديين على المغرب الأقصى، حاول أن يستميل الأخيرين إلى جانبه أولا. يقول الناصري: "فكتب سليمان إلى أبي عبد الله الشيخ يهنئه بالملك، ويطلب منه الدعاء له على منابر المغرب وبعث بذلك رسول في البحر، فانتهى الرسول إلى الجزائر ومنها قدم إلى مراكش في البر. ولما قرأ السلطان أبو عبد الله الشيخ كتاب السلطان سليمان ووجد فيه أنه يدعو للدعاء له على منابر المغرب ويكتب اسمه على السكة كما كان بنو وطاس يفعلون، حمي أنفه وأبرق وأرعد وأحضر الرسول التركي وأزعجه، فطلب منه الجواب، فقال: (لا جواب لك عندي حتى أكون بمصر إن شاء الله وحينئذ أكتب لسلطان القوارب). فخرج الرسول من عنده مذعورا يلتفت وراءه إلى أن وصل إلى سلطانه".

هكذا أكد أبو عبد الله الشيخ استقلال بلاده عن العثمانلي ورفضه أي احتلال أجنبي لها، وكان لا بد مواجهته عاقبة ذلك من طرف الأتراك، ولكن للأسف لم تأت تلك العاقبة بمواجهة الرجال والتحام الجنود، بل بالغدر والقتل غيلة.

يقول الناصري السلاوي: "لما خرج رسول السلطان سليمان العثماني من عند السلطان أبي عبد الله الشيخ ووصل إلى الجزائر ركب البحر إلى القسطنطينية فانتهى إليها، واجتمع بالصدر الأعظم، وأخبره بما لقى من سلطان المغرب، فأنهى الوزير ذلك إلى السلطان سليمان فأمره أن يهيئ العساكر لغزو المغرب، فاجتمع أهل الديوان وكرهوا توجيهها، واتفق رأيهم على أن يعينوا 12 رجلا من فتاك الترك وبذلوا لهم 12 ألف دينار، وكتبوا لهم كتابا إلى صالح الكاهية (قائد تركي انضم لعساكر السلطان السعدي بعد هزيمة بني وطاس) كبير عسكر الشيخ، ووعدوه بالمال والمنصب إن هو نصح في اغتيال الشيخ وتوجيه رأسه مع القادمين إليه".

يتابع: "ثم دخل الصدر الأعظم على السلطان سليمان واعتذر له عن توجيه الجيش وقال: (هذا أمر سهل لا يحتاج فيه إلى عساكر، وهذا المغربي الذي أساء الأدب مع السلطان يؤتى برأسه بين يديك)، فاستصوب سليمان رأيهم وشكر سعيهم وأمر بتوجيه الجماعة المعينة في البحر إلى الجزائر، ومنها يتوجهون إلى مراكش في البر، ففعلوا ولما وصلوا إلى الجزائر اشتروا بغالا وساروا إلى فاس في هيئة التجار فباعوا بها أسبابهم وتوجهوا إلى مراكش، ولما اجتمعوا بصالح الكاهية أنزلهم عنده ودبر الحيلة في أمرهم".

يردف المؤرخ المغربي: "أظهر هؤلاء الأتراك للسلطان أبي عبد الله الشيخ أنهم فروا من سليمان القانوني، ورغبوا في خدمة الشيخ والاستيجار به. ثم إن صالحا الكاهية دخل للشيخ وقال: (يا مولاي إن جماعة من أعيان جند الجزائر سمعوا بمقامنا عندك ومنزلتنا منك فرغبوا في جوارك والتشرف بخدمتك وليس فوقهم من جند الجزائر أحد وهم إن شاء الله السبب في تملكها)، فأمره بادخالهم عليه ولما مثلوا بين يديه رأى وجوها حسانًا وأجسامًا عظامًا فأكبرهم، ثم ترجم له صالح كلامهم، فأفرغه في قالب المحبة والنصح والاجتهاد في الطاعة والخدمة، حتى خيل إلى الشيخ أنه قد ملك الجزائر، فأمره بإكرامهم وأن يعطيهم الخيل والسلاح، وأن يدخلوا عليه مع الكاهية كلما دخل، فكانوا يدخلون عليه كل صباح لتقبيل يده على عادة الترك في ذلك".

انطلت الخدعة على السلطان السعدي حتى صار "يبعث بالأتراك إلى شيوخ السوس ليتبصروا في البلاد ويعرفوا الناس. وكان يوصي الأشياخ بإكرام من قدم عليهم منهم، واستمر الحال إلى أن أمكنتهم فيه الفرصة، وهو في بعض حركاته بجبل درن يقال له: اكلكال بظاهر تارودانت، فولجوا عليه خباءه ليلا على حين غفلة من العسس، فضربوا عنقه بشاقور ضربة أبانوا بها رأسه يوم الأربعاء 29 ذي الحجة سنة 964، واحتملوه في مخلاة ملئوها نخالة وملحا وخاضوا بها أحشاء الظلماء وسلكوا طريق درعة وسجلماسة كأنهم أرسال تلمسان لئلا يفطن بهم أحد من أهل تلك البلاد، ثم أدركوا ببعض الطريق فقاتلت طائفة منهم حتى قتلوا ونجا الباقون بالرأس".

وصلت البقية الباقية من فرقة الاغتيال العثمانية إلى الجزائر، ومنها ركبوا البحر إلى القسطنطينية، فأوصلوا الرأس إلى الصدر الأعظم، والذي أدخله على السلطان سليمان فأمر به أن يجعل في شبكة نحاس، ويعلق فوق باب القلعة فبقي هناك إلى أن شفع في إنزاله ودفنه ابناه عبد الملك المعتصم وأحمد المنصور، حين قدما القسطنطينية بعد سنوات للمطالبة بالدعم العثماني ضد ابن أخيهما المتوكل على الله.

وإذا كان العثمانيون قد نجحوا بتلك الحيلة في التخلص من منافسهم الكبير السلطان السعدي، فإنه كان من المنطقي أن تصبح خطوتهم التالية هي الهجوم على المغرب الأقصى وضمه إلى السلطنة التركية. لكن ما جرى كان صاعقا لهم ولقادة دولتهم، ففي جمادى الأولى سنة 956، قام حاكم الجزائر حسن بن خير الدين باشا التركي بقيادة حملة كثيفة العدد من الجنود الأتراك ضد المغرب الأقصى، ففوجئوا بالسلطان السعدي الجديد أبو محمد عبد الله الغالب بن السلطان المغدور أبو عبد الله الشيخ وقد أتم استعداداته لحرب العثمانيين وتجهز على خير ما يكون للقائهم.

العثمانلي يغتال السلطان السعدي والمغاربة يردون في وادي اللبن

وفي وادي اللبن بالقرب من أسوار فاس، دارت حرب كبيرة بين الطرفين، السعدي والعثماني، انتهت بانتصار المغاربة نصرا مبينا، فر بعده قائد الأتراك إلى الجزائر لا يلوي على شيء، بعد أن تأكد بأن اغتيال السلطان الشيخ لم يفت في عضد أهل المغرب، ولم يؤثر في إصرارهم على التمسك بالحرية والاستقلال عن أي غاصب أجنبي.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات