القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

عبد المؤمن أول حكام دولة الموحدين

عبد المؤمن بن علي


 أ.د. راغب السرجاني

في سنة 541هـ=1146م بزغ نجم دولة الموحدين، وكان أوَّل حُكَّامها عبد المؤمن بن علي 487-558هـ=1094-1163م صاحب محمد بن تومرت، والرجل الثاني بعد ابن تومرت المؤسِّس الحقيقي والفعلي لجماعة الموحدين.

وهو عبد المؤمن بن علي بن مخلوف بن يعلى بن مروان، أبو محمد الكومي، نسبته إلى كومية (من قبائل الأمازيغ البربر). ولو أنه -أيضًا- كان ينسب نفسه إلى العرب من مضر[1]. وُلِدَ في مدينة تاجرت بالمغرب قرب تلمسان، ونشأ فيها طالب علم، وأبوه صانع فخَّار[2].

ويصف عبد الواحد المراكشي عبد المؤمن بن علي فيقول: وكان أبيض ذا جسمٍ عممٍ، تعلوه حمرة، شديدَ سواد الشعر، معتدل القامة، وضيءَ الوجه، جَهْوَرِيَّ الصوتِ، فصيح الألفاظ، جَزْل المنطق، وكان محبَّبًا إلى النفوس، لا يراه أحدٌ إلا أحبَّه بديهة؛ وبلغني أن ابن تومرت كان يُنشد كلما رآه: [البسيط]

تَكَامَلَتْ فِيكَ أَخْلاقٌ خُصِصْتَ بِهَا ***  فَكُلُّنَـا بِـكَ مَسْـــرُورٌ وَمُغْتَبِــــطُ
  فَالسِّــــنُّ ضَاحِكَــةٌ وَالْكَفُّ مَانِحَةٌ *** وَالصَّدْرُ مُنْشَرِحٌ وَالْوَجْهُ مُنْبَسِطُ[3]

وذكر الذهبي في كتابه العبر، وابن العماد في شذرات الذهب أنه كان ملكًا عادلاً، سائسًا، عظيم الهيبة، عالي الهمة، متين الديانة، كثير المحاسن، قليل المِثْل، وكان يقرأ كلَّ يوم سُبُعًا من القرآن العظيم، ويجتنب لبس الحرير -وهذا يعني أنَّ لبس الحرير كان عادة وإلفًا في زمانه- وكان يصوم الاثنين والخميس، ويهتمُّ بالجهاد والنظر في الْمُلْك كأنما خُلق له. ثم بعد هذه الأوصاف نجد هذه العبارة التي تحمل كثيرًا من علامات الاستفهام حيث يقول: وكان سفَّاكًا لدماء مَنْ خالفه![4]

وقال عنه الزركلي في الأعلام: وكان عاقلاً حازمًا شجاعًا مُوَفَّقًا، كثير البذل للأموال، شديد العقاب على الجرم الصغير، عظيم الاهتمام بشئون الدين، محبًّا للغزو والفتوح، خضع له المَغْرِبَان (الأقصى والأوسط)، واستولى على إشبيلية، وقرطبة، وغرناطة، والجزائر، والمهدية، وطرابلس الغرب، وسائر بلاد إفريقية، وأنشأ الأساطيل، وضرب الخراج على قبائل المغرب، وهو أول مَنْ فعل ذلك هنالك[5].

ومثل هذه الأوصاف ذكرها  ابن كثير-أيضًا- في البداية والنهاية، بقوله: «وكان مَنْ لا يحافظ على الصلوات في زمانه يُقتل، وكان إذا أَذَّن المؤذن وقبل الأذان يزدحم الخلق في المساجد... ولكن كان سفاكًا للدماء، حتى على الذنب الصغير»[6]. وهذه بالطبع هي تعاليم محمد بن تومرت.عبد المؤمن بن علي

وإضافة إلى هذا المنهج العقيم وتلك الصفة السابقة -التساهل في أمر الدماء- فقد كان محمد بن تومرت حين يعلم أن أتباعه ينظرون إلى الغنائم، التي حصَّلوها من دولة المرابطين في حربهم معهم، كان يأخذها كلها فيحرقها[7].. وكان يُعَذِّر بالضرب مَنْ يفوته قيام الليل من جماعته؛ فنشأت جماعة من الطائعين الزاهدين العابدين، لكن على غير نهج رسول الله r، الذي لم يكن يحرق الغنائم، أو يضرب المتباطئين أو المتثاقلين عن قيام الليل، أو يَتَّبع مثل هذا المنهج وتلك الرهبنة المتشدِّدَة.

وعلى كلٍّ فقد كان عبد المؤمن بن علي -على ما يبدو- غير مقتنع بفكرتَيِ العصمة والمهديَّة، اللتين ادَّعاهما محمد بن تومرت واقتنع بهما أتباعه من بعده؛ ويدفعنا إلى ذلك أن رجلاً بعلم وعقل عبد المؤمن لا شك علم –على الأقل بعد وفاة ابن تومرت- أنه ليس المهدي الذي ذكرت الأحاديث أنه يملأ الأرض عدلاً، ثم يتبعه نزول المسيح ابن مريم وما إلى ذلك من الحوادث، لكنه على الجانب الآخر فإن عبد المؤمن بن عليٍّ لم ينفِ مثل هذه الأفكار الضالَّة صراحة؛ وذلك لأن غالبَ شيوخ الموحِّدين كانوا على هذا الفكر وذلك الاعتقاد، فخاف –على ما يظهر- إن هو أعلن أن أفكار محمد بن تومرت هذه مخالفة للشرع، أن ينفرط العِقد ويحدث التفكُّك في هذه الفترة الحرجة من دولة الموحدين.

مشاهد من حياة عبد المؤمن بن علي
نقل الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الواحد المراكشي قوله: أخبرني غير واحد ممن أرضى نقله، أنه (عبد المؤمن بن علي) لما نزل مدينة سلا - مدينة بأقصى المغرب ...- عبر النهر، وضُربت له خيمة على الشاطئ، وجعلت العساكر تعبر قبيلة بعد قبيلة... فخرَّ ساجدًا، ثم رفع وقد بلَّ الدمع لحيته... فقال: أعرف ثلاثة أشخاص وَرَدُوا هذه المدينَة لا شيء لهم إلاَّ رغيف واحد، فراموا عُبور هذا النهر، فأتوا صاحب القارب، وبَذَلُوا له الرغيف على أن يعبروا ثلاثتهم، فقال: لا آخذه إلا على اثنين خاصة. فقال لهم أحدهم وكان شابًّا جلدًا: خذا ثيابي معكما وأعبر أنا سباحة... فجعل الشاب يسبح، فكلما أعيا دنا من القارب ووضع يده عليه ليستريح، فيضربه صاحبه بالمجداف الذي معه حتى يؤلمه؛ فما بلغ البرَّ إلاَّ بعد جهد شديد. فما شكَّ السامعون للحكاية أنه هو العابر سباحة، وأن الاثنين المذكورين هما: ابن تومرت، وعبد الواحد الشرقي[8].

وكان لعبد المؤمن من الولد ستة عشر ذكرًا؛ وهم: محمد وهو أكبر ولده، ووليُّ عهده، وهو الذي خُلع بعد ذلك، وعلي، وعمر، ويوسف، وعثمان، وسليمان، ويحيى، وإسماعيل، والحسن، والحسين، وعبد الله، وعبد الرحمن، وعيسى، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب[9].

[1] انظر: تاريخ ابن خلدون، 6/126، وعبد الواحد المراكشي: المعجب، ص265، السلاوي: الاستقصا 2/99.
[2] انظر: عبد الواحد المراكشي: المعجب، ص265، والسلاوي: الاستقصا، 2/99.
[3] عبد الواحد المراكشي: المعجب، ص266.
[4] ابن العماد: شذرات الذهب، 4/183، والذهبي: العبر 3/29.
[5] الزركلي: الأعلام، 4/170.
[6] انظر: ابن كثير: البداية والنهاية 12/306.
[7] انظر: الذهبي: تاريخ الإسلام، 36/120.
[8] عبد الواحد المراكشي: المعجب، ص296، والذهبي: سير أعلام النبلاء، 20/373.
[9] عبد الواحد المراكشي: المعجب، ص266.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات