القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

من روائع عبد الرحمان المجدوب


من روائع عبد الرحمان المجدوب

حين يقع المغربي في شدة أو يحتدم به الأمر وتعوزه الحكمة أو تلجئه الحال، تراه يلوذ تلقائيا إلى مأثورات سيدي أو مولاي المجدوب.. لا يختلف في ذلك رجل أو امرأة، مثقف أو أمي. بحيث يصح القول بأننا أمام ظاهرة "سيدي المجدوب" تستحق التعرف عليها.

المجدوب

والمجدوب هو سيدي عبد الرحمن المجدوب ابن عياد بن يعقوب بن سلامة الصنهاجي الدكالي، ولقب المجدوب أطلقه عليه أهل زمانه، وبقي معروفا به إلى الآن؛ نظرا لسيرته في حياته، فكان -كما تصوره كتب التاريخ- صوفيا زاهدا في الدنيا، وساح في البلاد للوعظ والإرشاد، وعاش غير مبال بالمال ولا الجاه، متنقلا من مكان إلى مكان، ليس له مأوى يستقر به على الدوام، وهو بلباس بسيط. وكان يداوم على إقامة الشعائر الدينية والفروض الشرعية وتأدية الحقوق وعدم الإخلال بشيء منها.

وتذكر كتب التاريخ أن الشيخ المجدوب كان له أهل وأولاد وزاوية يطعم فيها الطعام للواردين عليها من الغرباء وأبناء السبيل وغيرهم، وكان يُجري على لسانه كلاما موزونا وملحنا يأتي على نسق أهل الشعر وأوزانهم الشعرية، ويحفظ الناس كثيرا منه ويتبادلونه بينهم في مجامعهم وأذكارهم، وقد اشتمل على حقائق وإشارات سنية وعبارات ذوقية يفهمها الذائقون، ويعترف بغور مغزاها العارفون، وكذلك أمور غيبية من الحوادث والقضايا الاستقبالية، وقد وقع كثير مما أخبر وأشار إليه!

وأصل المجدوب من تيط، وهي قرية توجد بقرب أزمور التي هي في شمال مرسى الجديدة على ساحل المحيط الأطلسي، ثم انتقل إلى مكناس إحدى كبريات مدن المغرب الأقصى، وهي واقعة على مسافة 60 كيلومترا من مدينة فاس، وفيها القصور الفاخرة والبنايات العظيمة من عصر السلطان مولاي إسماعيل العلوي المعاصر للملك الفرنساوي لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر الميلادي، وتحيط بها البساتين الزاهرة والأشجار الكثيرة الملتفة، وأجمات الزيتون؛ ولهذا سموها بمكناسية الزيتون. وقد سبق أنه قرأ في أول الأمر بمدينة فاس، وحضر على بعض الشيوخ المشاهير حينذاك كسيدي علي الصنهاجي، وسيدي أبي رعين، وسيدي عمر الخطابي الزرهوني.

عاش المجدوب مدة في غرب المغرب، ولما أحس بقرب الأجل طلب أن يُذهب به إلى مكناس، فتوفي في الطريق بجبل عوف، أو بين ورغة وأدسبو، ودفنوه بخارج مدينة مكناس بجوار باب عيسى وضريح مولاي إسماعيل، وذلك سنة 976 هـ، وما زال قبره موجودا إلى الآن، وبقيت أقواله سائرة على ألسن الناس في جميع أقطار أفريقيا الشمالية، ويبدأ القصاصون عند سردها بقولهم: "قال سيدي عبد الرحمن المجدوب".

الأقوال

ولهذه الأقوال نفع وإفادة؛ فهي ناتجة عن تجارب دنيوية كثيرة ومعاملات مع الخلق، كما أنها جزء مهم وثروة من جملة التراث الأدبي العامي الأفريقي، وكان رحمه الله يردد هذه الأمثال في أواسط القرن العاشر الهجري؛ لأنه أراد ألا يحرمنا مما جرب وتعلم ومن حوادث زمانه، زيادة على التغيرات التي طرأت عليها أثناء القرون التي مرت عليها، ويقولون إنه كان يتكلم بأقوال لا يفهمها عنه الناس، رغم أنها كانت لغة الأدب العامي، لغة التحدث والتخاطب، كان يلقي هذه الأمثال في المناسبات للتربية والتعليم والنصيحة والموعظة الحسنة، وقد كتب عنه الشيخ أبو المحاسن، والشيخ المهدي الفاسي المتوفى سنة 1109 كتابا اسمه "ابتهاج القلوب" (وهو نسخة مخطوطة)، كما رويت أقواله بروايات كثيرة مختلفة فيها بعض من التغيير المحسوس في المعنى، وهناك مؤلفات المستشرق الفرنساوي إنري ذو كاكا، والمرحوم الشيخ محمد بن شنب وغيرهم، كما وردت في قصص تحكى عنه بمضمونها ف! ي الكتب التي تعنى بالمأثور من الكلام، وقد تطورت هذه الأقوال الآن في سردها، وأدخل عليها بعض المغنيين الشعبيين ألحانا فصارت تغنى في حفلات وأعراس ومهرجانات، مثلما يحدث في ساحة جامع الفنا بمراكش، ويقومون بأدائها على شكل معان في الغناء والطرب، وكذلك يقوم البعض الآخر بالحكي عنه للناس والاستفادة من تجاربهم بهذا الكلام الموزون.

نماذج من الأمثال والحكم

لا تخمم لا تدبر لا تحمل الهم ديمة
الفلك ما هو مسمر ولا الدنيا مقيمة
والمعنى: الأحوال لا تدوم، يزول الهم والغم، ويأتي الفرج والسرور.

يا ذا الزمان يا الغدار يا كسرني من ذراعي
نزلت من كان سلطان وركبت من كان راعي
والمعنى: أن الأحوال والظروف تتغير وتتبدل، وتنزل من كان في المقام الرفيع وتجعل الضعيف مكانه.

راح ذاك الزمان وناسه وجاء هذا الزمان بفاسه
كل من يتكلم بالحق كسروا له راسه
والمعنى: أن تغير الزمان وتقلبت الأحوال فذهب من كان يقبل بكلمة الحق ويستمع إليها وينتفع بها، وجاء زمان فيه أناس يرفضون ذلك.

مثلت روحي مثل الحمام مبني على صهد ناره
من فوق ما باين دخان ومن تحت طاب أحجاره
والمعنى: أن هناك نوعا من الناس صبور يتحمل ويقاسي نوائب الزمان، ولا يبوح بسره، ولا يتحدث على حاله، بل هو ملازم للصمت والسكوت على ما قدر له.

ما أتعس من ماتت أمه وأبوه في الحج غايب
وما وجد حد يلفه وأصبح بين الدواوير سايب
والمعنى: أن الغني الذي أصيب في مقتنياته ومكتسباته فأصبح من تقلبات الزمن وتغير الظروف والأحوال معوزا فقيرا محتاجا، ولم يجد من يمد له يد المساعدة.

الشر ما يظلم حد غير من جابه لنفسه
في الشتاء يقول البرد وفي الصيف يغلبه نعسه
والمعنى: أن الفقر لا يظلم أحدا من الناس، بل يجلبه الإنسان لنفسه، بسبب تكاسله في الشتاء بحجة البرد، وفي الصيف يقول إن الحر يغلبه عن النهوض والحركة.

المكسي ما دري بالحافي والزاهي يضحك على الهموم
اللي نايم على الفرش دافئ والعريان كيف يجيه النوم
والمعنى: أن الغني لا يبالي بالفقير، والإنسان السعيد لا يشعر بالحزين.

من لا يطعمك عند جوعك ولا يحضر لك في مصايب
لا تحسبه من فروعك قد حاضر أو غايب
والمعنى: من لا يعينك في وقت الضيق ليس من النافعين لك، ولا من أنصارك أو أعوانك إن حضر أو غاب.

الصمت الذهب المشجر والكلام يفسد المسألة
إذا شفت لا تخبر وإذا سألوك قول: لا لا
والمعنى: أن الثرثرة تفسد الأمور وتغير القلوب وما فيها إلا الضرر.

نوصيك يا واكل الراس في البير ارم عظامه
اضحك والعب مع الناس فمك متن له لجامه
والمعنى: كتمان الأسرار وعدم نشرها لكي لا تقع العداوة بين الناس.

كل مهذار مسوس يجيب الهلاك لراسه
يستاهل ضربه بموس حتى يبانوا أضراسه
والمعنى: أن الإنسان كثير اللغط والكلام يمل ويعرّض نفسه للإهانة والتأديب.

لا تسرج حتى تلجم واعقد عقدة صحيحة
لا تتكلم حتى تخمم لا تعود لك بفضيحة
والمعنى: لا تتكلم في مسألة قبل أن تتأمل فيها جيدا، وإلا عادت عليك بالفضيحة والعار.

الصاحب لا تلاعبه والناعر لا تفوت عليه
اللي حبك حبه أكثر واللي باعك لا تشتريه
والمعنى: لا تصاحب الصديق سريع الغضب، فربما أساء إليك من دون سبب، وكذلك من لا يبالي بك فليس عليك أن تسعى في جلب مصادقته إذ لا رغبة له في مصاحبتك.

آه يا محنتي عدت خدام والتبن أعمى عيوني
خدمت عند عرّت الناس في وجبة العشا يطردوني
والمعنى: أنكروه بعدما انتفعوا منه وصاروا لا يحتاجونه.

يا قلبي نكويك بالنار وإذا شفيت نزيدك
يا قلبي خلفت لي العار وتريد من لا يريدك
والمعنى: القلب يحب أصدقاءه ولكنه لم يكافأ منهم إلا بالجفاء.

يا ويح من وقع في بير وصعب عنه طلوعه
رفرف ما وجد جناحين يبكي اسألوا دموعه
والمعنى: أن الإنسان الذي ليس لديه القوة وليس عنده من يعينه يصعب عليه نيل مرغوبه.

يا قايل العار كيف يحلى كلامك؟
في مرض ولا عدت تزار تتفكر الناس عارك
والمعنى: أن الرجل الذي أساء إلى الناس وأخل بالآداب والمروءة تفر الناس منه، وتترك مخالطته.

حبيبك حبه والسر اللي بينكم تخفيه
إذا حبك حبه أكتر وإذا تركك لا تسأل عليه
والمعنى: يجب في الصحبة المودة والإخلاص وكتمان الأسرار، وإذا هجرك صديقك بلا سبب معقول فاتركه لعله يرجع يوما ما إلى الصواب.

من جاور الأجواد جاد بجودهم ومن ناسب الأرذال خاب ضناه
ومن جاور القدرة اتلطخ بحمومها ومن جاور صابون جاب نقاه
والمعنى: يجب اختيار الأصحاب والأصدقاء والجار وكذلك اختيار الأجواد وخاصة في الزواج.

ولد الحمار لا تربيه لو كان تدهن زنوده
الرفس والعض فيه دي هي عادة جدوده
والمعنى: أن اللئيم لا يعترف بالجميل والإحسان.

اصعبت علي يا المسكين واصعب علي حالك
الزين ماتخده والدين ما يعطي لك
والمعنى: أن الإنسان الذي لم تساعده الأيام فباب الله واسع، فما على المرء إلا أن يسعى فيما يصلح حاله بالصبر والثبات وترك الكسل.

صحت صيحة حنينه فيقت من كان نايم
اصحوا قلوب المحبة ورقدوا قلوب البهايم
والمعنى: ناديت فأجابني الغافلون عن مصالحهم الدينية والدنيوية الذين فيهم الخير والرجوع إلى الصواب، وأما المفلسون كالحيوان فلم يستمعوا لي.

تركتها تبرد جاء من لقفها سخونة
هذا دواء من يبرد خير الأكل سخونة
والمعنى: الإنسان الذي لم يغتنم الفرصة ويحوزها تضيع منه.
بهت النساء بهتين من بهتهم جيت هارب
يتحزموا بالأفاعي ويتخللوا بالعقارب
والمعنى: أن النساء لهن حيل كثيرة لكي يصلن لمرادهن وأغراضهن.
كيد النساء كيدين من كيدهم يا حزوني
راكبه على ظهر السبع وتقول الحدايات سيأكلوني
حديث النساء يونس ويعلم الفهامة
يعملوا قلادة من الريح ويحلقوا لك بلا ماء
والمعنى: أنهن بكلامهن اللين يغلبن الرجال فينقادون إلى ما يردن.
نوصيك يا حارث الحلفاء بالك من دخانها لا يعميك
لا تتزوج المرأة غير العفيفة تتعاون هي والزمان عليك
والمعنى: أن هناك نوعا من النساء فيه مضرة للزوج، فكأنها بعدم حسن تصرفها تعين الزمان عليه.
يا اللي تنادي قدام الباب نادي وكن فاهم
ما يفسد بين الأحباب غير النساء والدراهم
والمعنى: أن النساء بكلامهن والنزاع بينهن يفسدن بين الأصحاب؛ لأن أزواجهن ينصتون في آخر الأمر إلى أقوالهن. أما المال بالخصوص فيسبب المشاكل مع الأصحاب والأقارب.
الطير الطير ما ظنيته يطير من بعد ما والف
ترك قفصي وعمر قفص الغير رماني في بحور بقيت تالف
والمعنى: هجران المرأة بيت زوجها بعد ألفة ومؤانسة ومعاشرة دامت سنين.
العبد اللي كان مدوب ما تعيبه كحوله
والحر اللي كان مجعوب ما يسوى نص فوله
والمعنى: المرء في المجتمع بسيرته وصناعته وطباعه لا بلون بشرته، والحر الذي يظن نفسه أعلى من الأسود فهو منحط لا يساوي شيئا.
خفيف الأقدام يمل ولو كان وجهه مرايا
قليل الأكتاف ينزل لو كان جهده عتاية
والمعنى: هو من يكثر التردد على الناس ويقلقهم يُملّ، ولو كان في أحسن صورة، ومن لا أنصار له ولا يوجد من يعينه ويحميه فقد يهان ويذل ولو كان محمود السيرة.
سافر تعرف الناس وكبير القوم طيعه
كبير الكرش والراس بنص فوله تبيعه
والمعنى: للسفر فوائد كثيرة، ويجب طاعة أولي الأمر، وهي من قواعد الإسلام، والطماع والمغرور بنفسه ليس له قيمة معتبرة.
نوصيك يا واكل الخوخ من عشرة رد بالك
في النهار تظل منفوخ وبالليل تبات هالك
والمعنى: الأشياء النفيسة الثمينة التي يبالغ فيها تكون مضرة


إلى الذي سألني عن حدود العلاقة بين الإبداع والجنون.
كان المجذوب أستاذا مبدعا قبل أن يصاب بالجنون... 
هكذا سمعتهم يقولون عندما دخلت المدينة أول مرة وبدأت أحتك بأهلها.
ما زال ينتج أدبا رفيعا... يقولون... لكنه يخفي كل ما يكتب معه ولا يطلع عليه أحدا، فقط بيتا من 
الشعر أو جملة قصيرة أنيقة يسرقها منه بعضهم عندما يحتاج "المجذوب" لسيجارة من حين لآخر.
ذات مساء – قبل عشر سنوات – شاهدت شبحه يمر قرب بابي... سقطت منه ورقة دون أن يشعر 
بها... التقطتها، وخلسة قرأتها: حقا إنه يبدع بجنون، ولعل أروع ما في الإبداع الجنون!؟
في اليوم الموالي سمعتهم يقولون بأن "المجذوب" قد انتحر بعد أن أحرق كل أوراقه، وحدي كنت 
أعرف بأنه لم يحرقها كلها، وما أرجوه الآن، بعد مرور عشر سنوات من الأرق والعذاب، وتأنيب 
الضمير، هو ألا تكون الورقة التي اختلستها ذاك المساء هي التي تسببت في انتحاره.
اليوم، وبعد مرور كل هذي السنين، وأنا أفتش بين أوراقي القديمة عثرت على تلك الورقة: سر المجذوب، 
ولأن السر لا يسمى سرا إلا لأنه يفشى، فإنني سأبوح به... لعل البوح يحمل لي بعض الخلاص. 
نص ما جاء في الورقة، أحدس أنها كانت رسالة، مبتورة، لم يكتب لها أن تبعث أبدا:
"... ما لا تعرفينه يا عزيزتي هو أنك قد نمت معي الليلة... لا تقولي بأنك لم تغادري فراشك ولم 
تسافري هذا المساء، فما يدريك؟ لعلك سافرت دون شعور منك! أنا على الأقل متأكد من أنك كنت 
هنا على فراشي، ممتدة بأنوثتك الكاملة، وعيناك الواسعتان مفتوحتان تنظران إلي، وأنا أداعب 
خصلات شعرك الجميل...
في الصباح فتشت عنك في فراشي فلم أجد إلا الوسادة خالية كئيبة... صدقيني لم يكن حلما، 
كنت هنا، أنا متأكد من ذلك، وكنا نتحدث ونمرح ببراءة الأطفال!
في الصباح فتشت عنك فلم أجد إلا الوسادة خالية كئيبة... خلت للحظة أنك في المطبخ... ناديتك 
فلم تجيبي... عاودت النداء فلم تجيبي... ردت علي الجدران... والصمت المطبق يذكرني أنه كان 
حلما: ما أجمل الحلم إذن، وأجمل منه عيناك الواسعتان.
قد تعتبرين هذا جرأة، وربما وقاحة! أما أنا فأعتبره مجرد صراحة بريئة كبكارة العروس، لأنني لا 
أستطيع إلا أن أكون صريحا معك حتى حدود الخيال.
تعرفين، عندما نكون معا فقلما تلتقي أعيننا، وعندما تلتقي فإننا نرتبك، وتسرع نظراتنا بتغيير 
الاتجاه درءا لحالة التلبس... في الحلم كنت تنظرين إلي وأنظر إليك، متلبسين كنا، وكنا نلبث كذلك 
حتى نرتوي، وهل نرتوي؟
في الحلم كانت نظراتنا تتشابك، أصابعنا تتشابك، وكنت تقتربين من وجهي حتى أحس نَفَسك 
الدافئ يداعب وجنتي وأنت تهمسين في أذني بكلمات جميلة، لا أذكر الآن أي شيء منها،
إلا أنها كانت جميلة، وأجمل منها عيناك الواسعتان.
تشبثت يداك النحيلتان بأطراف السرير، شفتاك المحمومتان كانتا تحاصراني، تأسراني برفق، وأنت 
إلى جانبي كنتِ، ابتسمتُ وابتسمتِ، وأبعدنا التكلف الذي كبلنا طويلا...
توقف الزمن هذه الليلة، توقف الحلم في منتصف الطريق، توقفت شفتاك المحمومتان وفي داخلي 
حريق... توقف كل شيء على نظرة من عينيك، على ابتسامة... 
جميلة كانت الليلة، وأجمل منها كانت عيناك الواسعتان.
آه كم يؤرقني هذا الليل الشتوي الطويل، وكم هو عاتٍ هذا الفراش الجليدي الذي علي أن أقارعه 
وحدي...
آه كم يعذبني هذا الفراق، وكم هو قاسٍ ومدمٍ أن أستيقظ فلا أراك... 
أن أنام فلا أراك... 
أن أموت فلا أراك..."
" "
" "
ملحوظة: إذا أردت، عزيزي القارئ، تتمة الحكاية فما عليك إلا أن تفتش عنها في الرماد، أي رماد، 
لعل العنقاء تتكشف لك يوما...


النص الثالث/ آخر أوراق المجذوب / الأديب الناقد. باسين بلعباس


عطفا على قصة المجدوب..للدكتور المبدع :عبد العزيز غوردو..أكملت الحكاية المبدعة الراقية غفران طحان..بقصة:بوح الرماد..ولأني أحببت هذه القصة..ودرستها نقديا كانت لي رؤيتي الخاصة في استكمال الحكاية..فكان هذا النص.. يبدأ بآخر جملة من نص:بوح الرماد:لغفران طحان)

على باب شابٍ قدم إلى الحيّ منذ فترةٍ قصيرة
كان ذاك الشاب ،يأمل الميراث العظيم..حسبوه من آل مجدوب..أو رفيقا، كان يأتي ليلة ثم يغيب..
ألبسوه خرقة، ثم قالوا للجميع:هاهنا يسكن مجدوب القبيلة..
ليتكم تعرفون كيف تأتون إليه..
في رباط الخيل كان الليل يصهل..والجياد الأصيلة لم تكن في المكان..
أحرق السيد ما تبقى من خرائط..وكراريس التلاميذ..وأوراق الفروض..
ثم أبقى رأيه ،وآمن كالآخرين أنه الوريث الشرعي للسيد (المجدوب)،
بل كان مجدوب القبيلة..
قد أحاطوه بهالة..وتفانى في الرذيلة..
أكل المال ، ونال من نساء أو رجال كل ما شاء..
فتح الدرجَ..وتفحص في البقايا..كانت بقايا (جده)تروي الحكايا..:
"أنا لا أبغي سلامات النساء..ربما تعرفين ذات يوم عندما كنتِ هنا،
أنني أبقيتك ذخرا لعمري، وكنوزا للتعاليم الكبيرة..
أنت فوق العين ،وفي القلب مكينة..
ويضيع حين أنظر(في عينيك الواسعتين)ما تبقى من خيال..
أدخل حدّ الغرق، في بحرهما اللجيّ..
ولأني أعيش بك ولك..أبقيتني حيا سليما..
هذه ألحقتها بالأخريات..كان مداد الكتابة،
يملأ كل الدفاتر..كنت أنت من يسيل..وأنا الهائم بالحب العميق..والوفاء..
فلماذا تهربين كلما جئت إليك..؟؟
هل لأن الرجل كان أغنى ..لي حقيبة بأوراق التلاميذ..
وحقيبته..بأوراق المال ..هل أغرتك الفلوس؟؟
وتناسيت الفضيلة، عندما كنت تعيدين.. :كم أحبك..!!كم أحبك!!
وفهمت في الأخير أن (كم):للفلوس؟؟"
يقلب الدفاتر..ويحرق أوراق الكتابة..
ويأكل الرماد كل ما أبقى (جده)..ليكون فعلا شيخا للقبيلة..
وقرينا للرذيلة..
..............................................
الرماد يشهد وحده..والنساء كن يعلمن الحقيقة ،ويسكتن كثيرا،
رافضات أن يبحن بالذي يجري ..عندما تغلق أبواب العبد الفقير..(!!)
وينال ما يشاء..كثر المال وزاد مخزون الرماد..وتقاطرن عليه..
ملأ البهتان أنحاء المدينة..واعتقدناه حكيما لأمراض كثيرة..وما المانع..؟؟
جئنه من بعيد..وسألن ،فوصلن، ثم أطفأن النار..وعدن بأجنة..
واستوى السيد كتمثال الخلاص..واعتقدن أنه يهب الولد لمن يشاء..
فالتمسن العفو إن رفضن إطفاء النار..في غياب البصيرة و(العينين الواسعتين)..
هل إلى القسم معاد؟؟..كيف كان جدي يقبل العيش الضنك؟"..
قالها هذا (الحفيد).."
وانتهى أمر الولاية..ليعود الشيخ كما شاءت القبيلة..والمدينة..
رمزها والمورد الذي ينعش الاقتصاد..ويحيي الكثير من الحِرف القديمة..
وأحاط بالبيت محلات وأكشاك عديدة، تفرد الخدمة للناس حين يأتون من بعيد..
باحثين عن ولد..أو عريس لعروس..أو نصيب من تجارة..أو نجاح في انتخابات ..
كان الرماد من نصيب العائدين..يأخذوه للتبرك..والتقرب للحفيد..(سيدي المجدوب)..
وكان الرماد يمسح كل أوراق قديمة..وانتهت من هبوب الريح أوراق أخيرة..
أخذتها أيد وقرأت ما تركته أقلام المجدوب:
(ربما يعتقدون أنك كنت المرأة التي تؤمن بالحب ،وبالوفاء، 
ولكنك كنت فاجرة، تأتين إليّ في جنح الظلام ، لتمارسي الرذيلة..
ثم تذهبين ، وأنا أتبعك بعينين غائرتين، أخشى عليك من كلاب الليل،
ويبدو أنك كنت عليمة، وتعرفين كل أنهج المدينة، أنا المغفل..والشريد..
والمسكين الذي لا علم له بالحكايا..سوف أنهي كل ما كان منا من أمور أو لقاءات..
وأرحل حيث لا أنت هناك..ولا مثيلاتك..أنا الرجل الطاهر العفيف..
أوقعتني في الرذيلة..كيف لا ؟؟ وأنتِ من قتلت كل أنبياء بني إسرائيل..
غدا لن أعود..لن تريني مثلما كنت ترين خاشعا تأتي إليه..
يطلب الودّ، والصفح إن لم ير (عينيك الواسعتين)..
.................................................
كان ذاك الشاب قد أعطى الوريقة..ليقرأها كل من كان يعرف المجدوب(الجد)..
فيعود فاغرا فاه..ويبكي :
- كيف كان يعتقد فيه الصلاح..؟"
قال البعض :
- هذا افتراء..
وقال آخرون
- :ربما الغيرة والحقد الدفين
وتوالت كلمات الناس ، ولما انتهى كل الكلام..
كان بيت المجدوب الجد، والـ(حفيد)قد تداعى للرماد....

رباعيات عبد الرحمان المجذوب

شافوني اكحل مغلف= يحسبوا ما في ذخيرة
وانا كالكتاب المؤلف= فيه منافع كثيرة
كسبت في الدهر معزة= وجبت كلام رباعي
ماذا من اعطاه ربي= ويقول اعطاني ذراعي
الهم يستهل الغم= والسترة ليه مليحة
رد الجلدة على الجرح= تبرا وتولي صحيحة
نوصيك يا حارث الشيح= والشيح فيه المرورة
اللي تظن وتقطع عليه= تاتيك منه الضرورة
الصمت حكمة= ومنه تتفرق الحكايم
لو ما نطق ولد اليمامة= ما يجيه ولد الحنش هايم
أنا اللي كنت ثقيل ورزين= وخفيت بعد الرزانة
مشيت للرماد عامين= نتسنى فيه السخانة
يا صَاحب كُن صَبّار=اُصبر على ما جرَى لَكْ
اُرقد علَى الشُوك عريان= حَتّى يَطلع نهَاركْ
لا تْخَمّمْ لا تْدَبَّر= لا تَرْفَدْ الهَمْ دِيمَة
الفلك ما هو مسَمَّر= ولا الدنيا مقيمة
لا تخمم في ضيق الحال= شف عند الله ما وسعها
الشدة تهزم الأرذال= أما الرجال تقطعها
سافر تعرف الناس= وكبير القوم طيعُـه
كبير الكرش والراس= بنص فلس بيعُـه
لا تسرج حتى تلجم، واعقد عقدة صحيحة
لا تتكلم حتى تخمم= لا تعود لك فضيحة
الصمت الذهب المسجر= والكلام يفسد المسالة
إلى شفت لا تخبر= وإذا سالوك قل لا لا
يا ذا الزمان يا الغدار= يا كاسرني من ذراعي
طيحت من كان سلطان= وركبت من كان راعي
الشر ما يظلم حد= غير من جبده لراسُـــــه
في الشتاء يقول البرد= وفي الصيف يغلبه نعاسُـــه
يا اللي تعيط قدام الباب= عيط وكن فاهْــــم
ما يفسد بين الأحباب= غير النساء والدراهْــم
لا يعجبك نوار دفلى= في الواد داير ظلايـــــْــــــل
لا يعجبك زين طفلة= حتى تشوف الفعايـــــْــــــــل
حيط الرمل لا تعليه= يعلى يرجع لساسـُــه
ابن الغير لا تربيه= يكبر يرجع لناسـُـــــــه
اللي يركب يركب أشهب، طرز الذهب في لجامُه
اللي يدور على الحق= يدير هراوة في حزامــــــــــــــه
من خالط لجواد جاد بجودهم =ومن خالط لرذال زاد عناه
من جاور برمة تطلى بحمومها= ومن جاور صابون جاب نقاه
المكتابة تنادي ومعاها الخير= ولو كان من بعد تجيها
والخاطي عليك من يدك يطير= رزقك من قبل ما هو فيها
ما كان كالحرث تجارة= ما كان كالام حبيب
ما كان كالشر خسارة= ما كان كالدين طليب
الزيت يخرج من الزيتونة= والفاهم يفهم لغات الطيـــر
اللي ما تخرج كلمته ميزونة= يجحرها في ضميره خــير
يا قلب نكويك بالنار= وإلى بريت نزيدك
ياقلبي خلفتي لي العار= وتريد من لا يريدك
الدنيا يسميوها ناقة= إلى عطفت بجليبها ترويك
وإلى ما عطفت ما تشد فيها الباقة= يتكفح ولو يكون في يديك
نوصيك يا حارث القديح= بالك من دخانها لا يعميك
لا تخدشي المرأة المعفونة= تتعاون هي والزمان عليك
يَا زَارَعْ الخيْر حبّة= يَا زَارَعْ الشَّرّْ يَاسَرْ
مولى الخير ينبا= ومولى الشر خاسر
من يامنك يا كحل الراس= ماشينك بطبيعة
السن يضحك للسن= والقلب فيه الخديعة
طاقوا على الدين تركوه= وتعاونوا على شريب القهاوي
الثوب من فوق نقاوه= والجبح من تحت خاوي
الشاشية تطبع الراس= الوجه تضويه الحسانة
المكسي يقعد مع الناس= العريان نوضوه من حدانة
الخيل هبة من الريح= والإبل هي الشريفة
البغال قرصة من الهند= والحمار هو العيفة
ألي يركب يركب أشهب= طرز الذهب في لجامه
ألي يدور يقول كلمة الحق= يدير هراوة في حزامه
أنا الي رقيت في رقوب= وقعدت مثل الرصاص نذوب
من لا يقرأ للزمان عقوبة= يجي على راسه مكبوب
الدنيا مثلتها دلاعة= تتكركب ما بين الدلاع
الحاذق يعطي معها ساعة= والجايح غدا معها قاع
جحش البغل لا تغنجيه= وبالزيت تدهني جلوده
الصك والعض فيه، هذيك عادة جدوده
كيد النساء كيدين= ومن كيدهم يا حزوني
راكبة على ظهر السبع= وتقول الحداء ياكلوني
تخلطت ولابات تصفى= ولعب خزها فوق ماها
رياس على غير مرتبة= هما سبب خلاها
من خالط الاجواد جاد بجودهم= ومن خالط الارذال زاد عناه
ومن جاور برمة انطلى بحمومها= ومن جاور صابون جاب نقاه
الكاتبة تنادي ومعها الخير= ولو كان من بعيد تجيها
والخاطي عليك من يديك يطير= رزقك من قبل ما هو فيها
لا في الجبل واد معلوم= ولا في الشتاء ريح دافي
لا في العدو قلب مرحوم= ولا في النساء عهد وافي
الزيت يخرج من الزيتونة= والفاهم يفهم لغات الطير
ألي ما تخرج كلمته ميزونة= يجحرها في ضميره خير

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات