القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

بلاد بريس 

لا أدري، إذا ما كان الملك محمد السادس، هذه الأيام، و زياراته المتوالية، لبن جرير، و التخطيط لإقامة مدينة محمد السادس العصرية، و المسماة مسبقا بالمدينة الخضراء، إنما هو بصدد إعادة كتابة تاريخ هذه المنطقة، أو بصدد وضع أسس جديدة للعلاقة بين الرحامنة، و العرش العلوي، أم أن الأمر مجرد نشاط ملكي في إطار تحرك إصلاحي، كان حظه الأوفر من نصيب المنطقة التي يتزعمها المستشار فؤاد الهمة، و الذي استغربت بعض القنوات الإخبارية لكونه لا يحضر هذه النشطة التي تهم منطقته(…) رغم أنه، كما قالت قنوات أخرى، ينزل من السيارة الملكية، كل مرة قبل وصولها إلى عاصمة الرحامنة.

و في نفس الوقت، يغيب عن مواقع التدشين، و مراكز الانبعاث الحضاري في الرحامنة الجديدة، الكلام عن الموقع المسمى “بير الضراوي”، نسبة إلى الموقع الذي كان فيه الصحراويون الرحل، من واد درعة ينصبون خيامهم، حول البئر النادر في المنطقة، و الذي سمي بير الضراوي، نسبة إلى لون صحراوة قبل أن يصبح، عبر مراحل عديدة من التاريخ، نقطة التقاء يتفاوض فيها الثوار الرحمانيون، مع مبعوثي السلاطين.

و لربما، تم الحرص على عدم ذكر اسم موقع “بير الضراوي”، تفاديا لنكإ الجراح..و التذكير بما جرى حول ذلك البئر من حروب بين السلاطين العلويين و ثوار الرحامنة، الذين لم يهدؤوا، إلا تحت صواريخ و دبابات الجيش الفرنسي بعد الحماية، سنة 1912.
مؤكد تاريخيا، أن محمد السادس هو أول ملك مغربي يحمل اسم السلطان محمد، و يدخل الرحامنة.
و انطلاق من عهد السلطان محمد بن عبد الله، الملك محمد الثالث 1757-1792، بدأ المؤرخون يهتمون بثورات إقليم الرحامنة الذي لم يقض فقط، مضاجع هذا السلطان العظيم بل إنهم أكدوا أنه ورث تمردهم، عندما كان خليفة لأبيه مولاي عبد الله، في مراكش: « و بعدما ضرب سيدي محمد بن عبد الله خيامه و شرع في حفر أساس داره، كان سفهاء الرحامنة و أشرارهم قد ألفوا العيث و الفساد في أطراف المدينة، و منعوه من البناء و أخرجوه من المدينة فتوجه لأسفي» (أتحاف أعلام الناس. ابن زيدان).

أما السلطان محمد الرابع، محمد بن عبد الرحمان (1859-1873) فلم يكن مصيره مع قبائل الرحامنة، بأقل حدة، غن لم يكن أبشع، فهذا السلطان الذي عاش أكثر حياته حدة، أثناء حرب تطوان(1859) وجد نفسه خلال فترة حرجة بين نارين: نار الاسبان، و نار الرحامنة، الذين سماهم كتابه ” الرحامنة ظالمي أنفسهم”: « في مدة مقام السلطان محمد بن عبد الرحمان بمكناس، للنظر في شؤون محاربة الاسبان، ثار الرحامنة بالحوز، و تحزبوا على تفريق الكلمة و توطيد عرى التهافت على أكل أموال الناس (…) بالباطل فشنوا الغارات على أسواق مراكش و نهبوها، وسلبوا المارة حتى كتب السلطان لأخيه: لقد تواردت الأخبار التي يغني نصها عن قياسها، بما ارتكبه ظالموا أنفسهم(…) الرحامنة، من أنواع الفساد» ( أتحاف أعلام الناس. ابن زيدان).

أما الملك محمد الخامس (1927-1961) فقد كان أكثر حكمة تجاه طبائع الرحامنة(…) و عندما علم بأن تصالحا مريبا، قد تم بين الكلاوي أقوى رجل في مراكش، و بين القايد العيادي أقوى رجل في الرحامنة، و أنهما اتفقا على تكريس هذا التصالح  التاريخي، بعقد مصاهرة بينهما« بعث و لده ولي عهده مولاي الحسن، سنة 1950، لحضور حفل المصاهرة بين الكلاوي و العيادي، الحفل الذي أقيم في بيت العيادي بمراكش يوم 29 يناير، البيت الواقع في باب الخميس، و إن كان ولد الكلاوي براهيم، قد فجع بهذا الزواج الفاشل، فإن أولاد العيادي بقوا يسمون الكلاوي سيد الوالد» ( كتاب الكلاوي. ولده عبد الصادق).

لم يكن الرحامنة، مجرد ثوار فوضويين، كما يظهر من هذه الوقائع المسرودة، بل كانوا يعتبرون أنفسهم قوة سياسية لها الحق في فرض إرادتها على السلطان، فمنطقتهم الرحامنة، أعطت زعامات سياسية و عسكرية، لعبت أدوارا كبيرة في إصلاح أحوالهم و حولوا الرحامنة إلى أرض غنية بالفلاحة و الماشية و الغابات الجميلة، و لكنهم كانوا في كل المراحل التاريخية يريدون أن يكون سلطان المغرب من اختيارهم.

ففي سنة 1792، ثاروا على السلطان مولاي اليزيد الذي بعد أن قتل في مراكش، و كانت تحت نفوذهم(…) نصروا مكانه أخاه مولاي هشام، و أطاعوه و أسلموا له قيادهم، و لكنه سلم مقاليد حكمه للقائدين محمد العروسي، و عبد الرحمان العبدي، لولا أن مولاي هشام، اتهم بأنه قتل أحد زعماء الرحامنة ابا محمد الرحماني:« و هكذا شاع أن المولى هشام هو الذي أمر بقتل الرحماني عبد الله، رغم أن السلطان مولاي سليمان تحدث مع بعض الناس و قال لهم إن الفرقة المنحرفة من الرحامنة، هي التي قتلت عبد الله الرحماني، فخلعت الرحامنة طاعة مولاي هشام حتى منعوه من ركوب فرسه» (اكنسوس).

لقد دخلت الرحامنة في هذه الفترة، حالة من الفوضى « و أصبح لكل فرقة سلطان، و اتقدت نار الفتنة و تفانوا في الحروب إلى أن بلغ عدد القتلى بينهم أكثر من عشرين ألفا» (الاستقصا).

كثير من كتب التاريخ المغربي ضربت الأمثال، بالدروس التي أعطاها السلطان الحسن الأول، لقبائل الرحامنة حتى بقيت مضربا للمثل في التنكيل المخيف، و لكنه بمجرد موته سنة 1894، و تنصيب و لده الأصغر مولاي عبد العزيز، تسلم باحماد الوزير القوي مقاليد الحكم، و أصبح يتصرف محل السلطان، فحول غابات الرحامنة، و جناتها إلى صحراء، بقيت كذلك إلى عصرنا الحاضر.

و كانت زعامات رحمانية متميزة، قد خاضت حربا ضروسا، لتنصيب أكبر أولاد الحسن الأول، مولاي امحمد، سلطانا على المغرب، و يعتبرونه الوريث الشرعي و ليس مولاي عبد العزيز، و عندما علموا بسجنه في مراكش، نظموا مخططات لتحريره من السجن، و كان يتزعمهم، رحماني قوي اسمه مبارك بن سليمان، فاختار باحماد، باسم السلطان عبد العزيز، سياسيا من الدرجة المتطورة في زمانه، اسمه “ويدا”، استعمل أساليب سياسية من الأساليب التي تستعمل في حاضر الزمان بواسطة أجهزة المخابرات، فاتصل رجل الدولة ويدا بأحد أقطاب الرحامنة اسمه الطاهر بن سليمان، و اغروه بالمال لينقلب على الرحامنة، أو يقنعهم بوضع السلاح، إلا أن الطاهر بن سليمان، و هو سليل أسرة رحمانية، ثورية رافضة، ما إن دخل على تجمعات الرحامنة، حتى استقبلوه بالصفير و السب، ليتراجع عن موقفه، و يعلن انضمامه إليهم، ليخرجوا في مظاهرات حاملين غطاء رأس زوجة الحسن الأول، و يسمى ” السبنية” و هم يصيحون هذه سبنية أم مولاي امحمد، و نحن متشبتون به.


و لازال الرحمانيون إلى اليوم، يذكرون ما حكاه لهم آباؤهم عن معاناتهم مع مخطط باحماد الذي باعتقال أقطاب الرحمانيين، “الغوات” وهو من دمنات، و مبارك بن سليمان، و حتى الطاهر بن سليمان،الذي انقلب على التعليمات، « و استقدم باحماد السلطان عبد العزيز من الرباط، و نصب له خياما في “كيسر” ببلاد أولاد أوود ناحية سطات، و لقد وظف السلطان أربعمائة ألف ريال و ألفا من الخيل بسروجها هاجمت الرحامنة و اعتقل زعماؤها حاملو رايات النحيس بن النجيس، و طيف بهم على حمار، و صفدوا و سجنوا و أوتي بالباقيين مصفدين، أركب بعضهم على جمل أعرج(…) و سخط الله ينزل عليهم إلى أن كادوا يموتون من العذاب» (أتحاف الأعلام. ابن زيدان).

هذا كان مصير التمرد الرحماني، الذي زامن مجموعة من سلاطين الدولة العلوية، حتى إلى عهد السلطان عبد الحفيظ الذي لمح في مذكراته (داء العطب قديم) إلى مصير أقطاب الرحامنة بعد نجاتهم من التنكيل، فذكر أن زعيمهم الغوات هرب إلى دمنات، و أن بن الطاهر بن سليمان التجأ إلى تادلا، و لذلك فإن أحفادهم لا زالوا متواجدين في أيامنا هاته.

يتأكد إذن، أن مشاريع محمد السادس في الرحامنة ليست مجرد مجاملة للمستشار فؤاد الهمة، و إنما هو محاولة تصالح تاريخي، مع منطقة جزء من المملكة لم يدخلها تحت تصفيقات سكانها، إلا الملك محمد السادس.

الحقيقة الضائعة: مصطفى العلوي
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات