القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

الحركة الوطنية المغربية في مواجهة الحماية الإسبانية

الحركة الوطنية المغربية في مواجهة الحماية الإسبانية
 ـــ د محمد علي داهش.

تمهيد:‏

كانت الحركة الوطنية المسلحة (ثورة الريف) في الشمال المغربي تمثل امتداداً للكفاح الوطني التاريخي ضد العدوان والاحتلال الإسباني للشمال المغربي، على المستوى الشعبي، وأثبتت قدرة الشعب على مواجهة الاحتلال في ظل غياب أو تغيب السلطة الشرعية المركزية (المخزن).‏

وكان عام 1926، بداية لانتشار الاحتلال الإسباني إلى جميع مناطق الشمال المغربي التي حددها الاتفاق الفرنسي ـ الإسباني في 27 تشرين الثاني ـ نوفمبر ـ 1912، وعليه، فقد بدأت عمليات ملاحقة فلول الثوار في كل مكان، ومصادرة أراضيهم وأموالهم، وحكم الشعب بالحديد والنار، كما جرى الاستيلاء على الأراضي الزراعية الخصبة، وعلى الثروة المعدنية (منجم حديد اكسان) في إقليم الريف، وبقية مصادر الثروة المعدنية، وانتشرت بشكل أوسع عمليات الهجرة والاستيطان إلى الشمال المغربي، مثلما توسعت نشاطات الإسبان في المجال الثقافي لـ((أسبنة)) أبناء الشعب المغربي في منطقة نفوذهم، كما تدفقت رؤوس الأموال الأجنبية لاستثمارها في المنطقة.‏

إن نهاية الكفاح المسلح حتى عام 1927، لم تكن تعني نهاية للكفاح الوطني ضد الاحتلال الإسباني في الشمال المغربي. فقد انتقل مركز الثقل في الحركة الوطنية المغربية الشمالية من الأرياف إلى المدن، وبدلاً من أن يكون الريفيون ـ خضعوا لمسلسل الإفقار والتجهيل والاضطهاد ـ يشكلون القوة الاجتماعية الرئيسة في الكفاح الوطني، فقد أصبح المثقفون والموظفون والتجار والكسبة في المدن يشكلون القوة الاجتماعية في الحركة الوطنية بعد عام 1926، وبدأت مرحلة جديدة من الكفاح الوطني ومن خلال العمل السياسي بظهور الأحزاب المغربية التي شكلت الحركة الوطنية، وقادت الشعب على طريق الحرية والاستقلال والوحدة الوطنية في ظل خيمة العرش العلوي في المغرب.‏

نشأة الحركة الوطنية السياسية في المغرب:‏

بدأ الكفاح السياسي في الشمال المغربي، امتداداً لبدايات الكفاح السياسي في المغرب منذ إعلان الحماية الثنائية عام 1912، وقد تمثلت بواكير العمل الوطني على يد مجموعة من المثقفين وعلماء الدين من أساتذة وخريجي جامعة القرويين في فاس. وخلال الفترة مابين 1912 ـ 1926، هيمنت الأفكار الوطنية للحركة الإصلاحية السلفية وأصبح لها مريدوها ودعاتها ودورها في مواجهة التحديات الاستعمارية. وفي ظل ذلك المناخ الفكري والسياسي برز العديد من الشباب المغربي الذي قدر له أن يقود الحركة الوطنية المغربية منذ العشرينات وحتى الاستقلال عام 1956، وكان أبرز هؤلاء علال الفاسي، محمد حسن الوزاني، أحمد بلا فريج، عبد السلام بنونة، عبد الخالق الطريس، محمد المكي الناصري، وآخرون.‏

إن الحركة الوطنية في الشمال المغربي، نشأة وفكراً ومسيرة نضالية لم تكن معزولة عن الإطار العام للحركة الوطنية المغربية. ففي الجنوب المغربي الذي خضع للحماية الفرنسية، بدأ الكفاح السياسي منذ مطلع العشرينات وراء واجهات دينية وثقافية تمثلت بظهور العديد من الجمعيات التي ركزت على التوعية الإسلامية والإصلاح الاجتماعي من خلال الندوات والمحاضرات الدينية والثقافية التي كانت تطرح بين طياتها أفكاراً سياسية وطنية تسعى لإنضاج وعي وطني سياسي، أسس فيما بعد عقد من الزمان، أرضية العمل الوطني المنظم والهادف.‏

أسس أعضاء تلك الجمعيات (اتحاد الطلاب ـ حماة الصدق)، وغيرهما (كتلة العمل الوطني) عام 1929، برئاسة علال الفاسي، وطرحت أفكاراً إصلاحية في العديد من المجالات، وظهرت حركة سياسية بعد صدور الظهير البربري في 16 أيار ـ مايو ـ 1930، من قبل الإقامة العامة الفرنسية.‏

حاول المستعمرون الفرنسيون من خلال ((الظهير البربري)) إبعاد البربر قومياً وتشريعياً وثقافياً عن العرب والإسلام في محاولة لدمجهم في المناخ الثقافي والحضاري الفرنسي(1).‏

أحدث صدور ((الظهير البربري)) موجة من الاستنكار والمظاهرات والاحتجاجات مغربياً وعربياً وإسلامياً، وفي داخل المغرب تشكلت أولى الخلايا السياسية منذ عام 1931، ثم تبلور النشاط السياسي الوطني في تنظيم باسم ((كتلة العمل الوطني)) عام 1934(2). وقدمت أول برنامج للإصلاحات الوطنية وفي مختلف المجالات على طريق انتزاع الحقوق الوطنية المغربية على مراحل ومن خلال العمل السلمي المنظم. ثم قدمت مطاليب أخرى عام 1936 بعد وصول حكومة الجبهة الشعبية للحكم في فرنسا بزعامة ليون بلوم، تضمنت المطالبة بالعمل من أجل مساواة المغاربة مع الفرنسيين في الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية(3).‏

في عام 1937، حدث الانشقاق داخل كتلة العمل الوطني نتيجة للخلافات الفكرية والاجتماعية والطبقية بين الفاسي والوزاني، وظهر (حزب الحركة القومية) بزعامة محمد حسن الوزاني، ثم ظهر (الحزب الوطني) بزعامة علال الفاسي، وسعى الحزبان من أجل المصلحة الوطنية بممارسة نشاطهما السياسي وضمن أسلوب العمل السلمي، بتوجيه النقد للإقامة العامة الفرنسية، والمطالبة بالإصلاحات في كافة المجالات، وقد تعرض الحزبان لحملات من الملاحقة والاعتقال والنفي حتى نشوب الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، حيث وقف سلطان المغرب محمد بن يوسف (محمد الخامس) والحركة الوطنية المغربية إلى جانب فرنسا في صراعها ضد ألمانيا النازية على أمل تحقيق الحرية والاستقلال.‏

نشأة الحركة الوطنية في الشمال المغربي:‏

نشأت الحركة الوطنية السياسية في الشمال المغربي على يد مجموعة من رجالات الحركة الوطنية المغربية وهم (عبد السلام بنونة، عبد الخالق الطريس، محمد المكي الناصري، وآخرون)، وكان ذلك عام 1926، في مدينة تطوان، وعليه فقد اتفقت في الأهداف والغايات وأسلوب العمل مع الحركة الوطنية في الجنوب المغربي. وقد تخفت الحركة الوطنية الشمالية وراء واجهات دينية وثقافية واستمرت في عملها بشكل سري حتى 5 ـ أيلول سبتمبر عام 1930، ثم ظهرت باسم (الهيئة الوطنية الأولى) وكانت قاعدتها الاجتماعية تتشكل من المثقفين وكبار الملاك والارستقراطية المدينية ذات الاتجاهات الوطنية، ثم تحولت إلى اسم ((وفد مطالب الأمة)).‏

تحولت كتلة (وفد مطالب الأمة) عام 1931، وقدمت باسم الشعب المغربي في الشمال، مطاليب إصلاحية إلى سلطات الحماية الإسبانية في 8 حزيران ـ يونيو 1931، إلا أن السلطات الإسبانية رفضت المطاليب الوطنية. وخلال الفترة (1931 ـ 1934)، لم يتعد النشاط الوطني حدود العمل الثقافي (مجلة السلام ـ جريدة الحياة)، وتأسيس النوادي والجمعيات الخيرية والطلابية وتنظيم المهرجانات الخطابية في المناسبات(4).‏

سرعان ما توسعت قواعد ((الهيئة الوطنية الأولى)) لتشمل مختلف الفئات الاجتماعية، مما أشعرها بقوتها وقدرتها على أن تظهر قوة سياسية تمثل مصالح الشعب المغربي في منطقة الحماية الإسبانية، وقد جاءت الأوضاع الداخلية لإسبانيا وانعكاسات ذلك على الشمال المغربي، الأثر الكبير في ظهور الحركة الوطنية الشمالية وفق برامج وأهداف محددة ومن خلال الأحزاب التي تشكلت في الشمال المغربي.‏

كانت إسبانيا منذ منتصف الثلاثينات تعيش في ظل الحرب الأهلية بزعامة الجنرال فرانكو وبالضد من حكومة الجبهة الشعبية الحاكمة في مدريد (1936 ـ 1939)، حيث أثرت على الأوضاع السياسية في الشمال المغربي. فقد عرفت ((الهيئة الوطنية)) ما ينوي به العسكريون ضد حكومة الجبهة الشعبية، فاستغلت ذلك للحصول على مكاسب وطنية تخدم مصالح الشعب، فبعثت وفداً إلى حكومة مدريد لشرح الحالة عن موقف العسكريين بقيادة الجنرال فرانكو، وطالبت ((بتمتع المغاربة بالحريات الديمقراطية التي تخولهم حق تنظيم أنفسهم للدفاع عن كل ما من شأنه أن يهدد مصيرهم أو حرياتهم))، لكن حكومة الجبهة الشعبية لم تعر الوفد المغربي اهتماماً. قاد ذلك الموقف، إلى تعرض رجالات الهيئة الوطنية إلى الملاحقة والاعتقال وخاصة العناصر المعروفة بميولها النقابية، كما جرى التضييق على النشاط الوطني وتشديد المراقبة على تحركات قيادات الهيئة الوطنية، وخاصة بعد احتجاج الخليفة الحسن بن المهدي، في اليوم الثاني على وقوع الانقلاب العسكري، وفي الوقت نفسه، كان لكتلة العمل الوطني في الجنوب المغربي، موقفها المناصر لقضية الحرية والاستقلال للشمال المغربي أثناء مباحثات وفدها مع وفدي حكومة الجبهة الشعبية في كل من باريس ومدريد، لكن الطرفين لم يصلا إلى نتيجة مرضية.(5).‏

إن محاولات الوطنيين المغاربة، لم تكن خافية على الجنرال فرانكو، ومن هنا بات عليه لتهدئة الشعب المغربي في الشمال إجراء الاتصالات مع قادته، فبدأ يغير سياسته، وأمر مبعوثه (بيك بيدير) بالاتصال برجال الحركة الوطنية الشمالية والتأكيد على أن ((إسبانيا الفرنكية مستعدة لمساعدة المغاربة بالحريات الديمقراطية التي منعهم منها الجمهوريون)). وعليه، فقد بدأ الجنرال فرانكو يتساهل مع رجالات الحركة الوطنية، ومنحهم الحرية في إصدار الصحف مثل صحيفة (الريف) التي كان يديرها المؤرخ المغربي التهامي الوزاني، وصحيفة (الحرية)، التي أشرف على تحريرها عبد الخالق الطريس، ومن جهة أخرى ظلت الاتصالات بين الوطنيين في الشمال والجنوب قائمة، إلا أن مواقع الحدود التي فرضتها سلطات الحماية الثنائية حالت دون الاتصال المباشر، لكن الطرفين كانا متفقين على مبادئ أساسية وضرورية المحافظة عليها، وهي العمل لحرية المغرب واستقلاله ووحدته في ظل العرش العلوي، والوفاء لسلطان المغرب محمد بن يوسف (محمد الخامس)، والتأكيد على التمسك بالإسلام والعروبة. وقد استمر نشاط الهيئة الوطنية في الشمال على هذا المنهج والبرنامج حتى بدأ الانشقاق في داخلها عام 1936(6).‏

في تلك الفترة، اتخذ الجنرال فرانكو من الشمال المغربي قاعدة للانطلاق للقضاء على حكومة الجبهة الشعبية في مدريد، وأقنع الزعماء السياسيين من رجالات الحركة الوطنية بالدعاية لصالح اليمين المتطرف. وانطلاقاً من موقف الجبهة الشعبية السابق تجاه موفد الحركة الوطنية والإهمال الذي لقيه، وانطلاقاً من الرغبة في الحصول على حرية العمل الوطني وتأسيس الأحزاب السياسية في الشمال المغربي، وقف رجال الحركة الوطنية إلى جانب الجنرال فرانكو وحشدوا الآلاف من المواطنين المغاربة للقتال إلى جانبه(7).‏

كان من نتائج التقارب بين رجالات الحركة الوطنية والجنرال فرانكو أن استطاع الوطنيون تأسيس الأحزاب السياسية. وعليه، ففي 8 كانون أول ـ ديسمبر ـ أسس عبد الخالق الطريس ((حزب الإصلاح الوطني)) وأصدر صحيفتين باللغة العربية إحداهما ((الحياة)) والثانية ((الحرية)). كما أنشأ كتيبة من الشباب الحزبي على غرار ((الفلانجي)) الإسبانية، وكان الطريس يستعرضها ببدلة عسكرية ورتبة عقيد. وفي مطلع عام 1937، أسس محمد المكي الناصري ((حزب الوحدة المغربية))، وأصدر صحيفة ((الوحدة المغربية)) باللغتين العربية والإسبانية(8).‏

ويبدو أن هناك تشابهاً أو تقارباً على صعيد الأفكار والبرامج بين حزب الحركة القومية في الجنوب بزعامة الوزاني وحزب الوحدة المغربية بزعامة الناصري، مثلما كان تشابهاً أقرب إلى الاندماج الفكري بين الحزب الوطني في الجنوب بزعامة الفاسي، وحزب الإصلاح الوطني بزعامة الطريس. وعلى العموم كانت أهداف وغايات الحركة الوطنية المغربية في الشمال والجنوب متطابقة.‏

كانت (الخريطة الحزبية) خلال مرحلة الثلاثينات توضح بأن هناك تناسقاً بين أحزاب الشمال والجنوب، وكان هناك موقفٌ موحدٌ بين قيادات وقواعد الحركة الوطنية الشمالية خلال الحرب الثانية‏

(9)، ولم يقف الأمر عند تأكيد الصفة المغربية في فكر وبرامج الحركة الوطنية في الشمال المغربي، وإنما أكد برنامجها على العمل من أجل المغرب العربي والوطن العربي والعالم الإسلامي، فقد جاء في برامجها ما يؤكد هذا الاتجاه بالعمل على ((ربط العلاقات بين الجهات الثلاث تونس والجزائر والمغرب، وإعادة العلاقات بين هذه المناطق والبلدان العربية الإسلامية))(10)، وخلال المرحلة‏

(1936 ـ 1939)، ونتيجة للتقارب بين فرانكو وزعماء الحركة الوطنية، فقد سمح للعديد منهم بتقلد المناصب الحكومية الثقافية والدينية (المعارف ـ الأوقاف ـ العدل)، واستمرت الحالة هادئة بين الطرفين خلال الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، حيث وقف الجنرال فرانكو على (الحياد)، في الصراع بين ألمانيا النازية وحلفائها، وبين فرنسا وحلفائها(11).‏

وإذا كانت الحرب العالمية الثانية، فترة هدوء بين الطرفين على مستوى الصراع، فإن الحركة الوطنية الشمالية تحركت لتنظم نفسها باتجاه تحقيق الأهداف والمنطلقات التي عبرت عنها في برامجها. ففي عام 1942. وقع ميثاق بين حزب الإصلاح الوطني وحزب الوحدة المغربية، وتكونت بموجب ذلك ((جبهة قومية)) لتوحيد النضال من أجل الحرية والاستقلال والوحدة. فقد دعت الجبهة ((إلى استقلال المنطقتين تحت حكم الأسرة العلوية))(12)، وكان أبرز أعمال الجبهة القومية هي تقديم مذكرة إلى قناصل الدول الأجنبية المعتمدين في مدينة طنجة، طالبت فيها باستقلال المغرب ووحدة أراضيه، وكان ذلك بتاريخ 24 شباط ـ فبراير ـ 1943، وعندما علم حزب الإصلاح بوثيقة الاستقلال المقدمة إلى ملك المغرب محمد الخامس(*) بتاريخ 11 كانون الثاني ـ يناير ـ 1944، والتي أصبح الحزب بعدها يسمى ((حزب الاستقلال)). بادر إلى تقديم رسالة إلى الملك المغربي بتاريخ 29 شباط ـ فبراير 1944، ضم فيها صوته إلى جانب حزب الاستقلال، مؤيداً مطاليبه العادلة في استقلال المغرب (13).‏

إن تحرك رجالات الحركة الوطنية في الشمال المغربي بتأييد قضية الحرية والاستقلال والوحدة، كانت تسير مع بدايات انفراط التقارب مع السلطات الإسبانية ـ على الرغم من ترشيح وتأييد الخليفة لهم في المناصب ـ فقد خرج العديد منهم من مناصبهم الحكومية، واستمر هذا الاتجاه المتقاطع مع سلطات الحماية الإسبانية حتى عام 1946.‏

الحركة الوطنية الشمالية بعد الحرب العالمية الثانية:‏

شهدت الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية نشاطاً سياسياً متصاعداً للحركة الوطنية المغربية، بجميع أحزابها في الجنوب والشمال، إلا أن ثقل الحركة الوطنية تركز في نشاط حزب الاستقلال الذي أصبح القوة القائدة للحركة الوطنية المغربية عموماً. فقد نما هذا الحزب نمواً كبيراً في جميع المدن والأرياف، وأصبحت له قاعدة جماهيرية عريضة ضمت مختلف فئات الشعب.‏

وشهدت المرحلة ذاتها بداية الدعوة لتأسيس ((جبهة التحرير الوطني))، فقد دعا إلى ذلك الحزب الشيوعي المغربي، إلا أن قيادة حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال (حزب الحركة القومية سابقاً) رفضا التعاون مع الشيوعيين لموقفهم من وثيقة الاستقلال لعام 1944، واتهامهم حزب الاستقلال بالنازية، وعليه، فلم تتكون الجبهة، لكن العمل ضمن إطار التعاون والتنسيق في مواجهة الحماية الثنائية بقي قائماً. فقد أصدر حزب الاستقلال نهاية عام 1946، بياناً أكد فيه تضامن الحركة الوطنية في الجنوب والشمال في مطاليبها ووسائل العمل لتحقيقها.‏

كما شهد عام 1946، انبعاثاً في عمل النقابات، حيث انضمت جميع النقابات المغربية إلى (اتحاد نقابات المغرب) والذي أصبح له وزن مؤثر في الحركة الشعبية(14).‏

وعلى صعيد النضال السياسي في خارج المغرب، أثبتت الحركة الوطنية الشمالية حضورها في الوطن العربي، فقد حلَّ في 7 شباط ـ فبراير ـ 1946 وفد ((المنطقة الخليفية)) لدى جامعة الدول العربية (تأسست في 22 آذار ـ مارس ـ 1945)، وقدم الوفد مذكرة وتقارير عن الحالة في المغرب إلى مؤتمر ملوك العرب ورؤسائهم بأنشاص وبلودان وإلى مجلس الجامعة. كما نشط أعضاؤها من الطلبة ـ وبالتعاون مع طلبة المغرب عموماً ـ في تأسيس مكاتب إعلامية ـ إلى جانب مكاتب تونس والجزائر ـ للتعريف بالقضية المغربية في القاهرة ودمشق، والوسط الدولي في باريس ولندن (15).‏

وشهد عام 1946، بداية تحول في السياسة الإسبانية باتجاه العودة إلى إطلاق العمل السياسي وإعطاء نوع من الحريات للأحزاب السياسية. وإذا كانت فترة نهاية الحرب الثانية قد شهدت تقاطعاً بين زعماء الحركة الوطنية الشمالية وسلطات الاحتلال، وأدى ذلك إلى ملاحقتهم واعتقالهم، فإن مرحلة مابعد الحرب شهدت إطلاق سراح العديد من الزعماء، وابتهجت جماهير المنطقة بذلك في نوادي حزب الإصلاح الوطني وحزب الوحدة المغربية، واستأنف حزب الإصلاح نشاطه السياسي بالدعوة إلى الكف عن الهجرة الإسبانية والاستيطان ونزع ملكية الأراضي، وإلغاء المساعدات المالية للكنيسة الكاثوليكية من الميزانية العربية، وكذلك المطالبة بإقرار الحريات العامة، والدعوة إلى تكوين حكومة ((قومية)) مؤقتة تعد البلاد للاستقلال(16).‏

وشهدت مرحلة مابعد الحرب، دعماً أكبر وأقوى عندما بدأ الملك المغربي محمد الخامس يطرح قضية المغرب وحقوقه المشروعة في الحرية والاستقلال والوحدة، ويواجه مشاريع وقرارات الإقامة العامة الفرنسية، فبدأ التقارب بين الجانبين لتحقيق الأهداف الوطنية، مما عزّز قوى الطرفين تجاه الحماية.‏

في 7 نيسان ـ إبريل 1947 قام الملك محمد الخامس بزيارة طنجة ليؤكد السيادة المغربية عليها رغم محاولات منعه من قبل المقيم العام الفرنسي لابون، وأثناء نزوله في مدينة أصيلا، استقبل من قبل الخليفة الحسن بن المهدي والمندوب السامي الإسباني والوفود الشعبية للمدن والأرياف ثم غادرها إلى طنجة بصحبة المقيم العام الفرنسي. وفي طنجة ألقى خطاباً وطنياً وقومياً بعيداً عن تأثيرات الإقامة العامة الفرنسية(17)، وقد أشار في الخطاب إلى حقوق الشعب المغربي المشروعة في الحرية والاستقلال والوحدة الوطنية، كما أكد على الروابط الوثيقة بين المغرب وأقطار الوطن العربي، وجامعة الدول العربية، وكان مجرد الإشارة إلى روابط المغرب العربية تعد خطراً في نظر الفرنسيين الذين كانوا يبذلون جهدهم لتقوية روابط المغرب واتحاده مع فرنسا ضمن ((الاتحاد الفرنسي)) الذي دعت إلى إنشائه فرنسا لربط العديد من الشعوب الإفريقية معها بعد أن رأت أن مواقعها بدأت تتضعضع بظهور وقوة حركات التحرر الوطني.‏

اجتاحت المغرب في أعقاب خطاب الملك محمد الخامس، موجة من المظاهرات المعادية للاستعمار شملت جميع فئات المجتمع المغربي في الشمال والجنوب، ودعوة الحركة الوطنية الشمالية والجنوبية إلى إلغاء الحماية وتحقيق الاستقلال والوحدة الوطنية وتقديم الشكوى إلى جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة. وأحدث ذلك رد فعل عنيف من سلطات الحماية الثنائية حيث سادت موجة من الإرهاب استمرت طيلة عام 1947(18)، ثم قامت سلطات الحماية الإسبانية إلى جانب الملاحقة بفرض غرامة مالية على حزب الإصلاح الوطني باعتباره القوة القائدة للحركة الوطنية الشمالية، وحظرت عليه العمل السياسي منذ 8 شباط ـ فبراير ـ 1948، فيما واصل عمله سراً، واستمر حزب الإصلاح الوطني وحزب الوحدة المغربية على مواجهة الحماية الإسبانية، ومنذ تلك الفترة بدأ التقارب التنظيمي بين حزب الإصلاح الوطني وحزب الاستقلال، وأسس الأخير له في مدينة تطوان خلية حزبية لتكون حلقة الاتصال مع حزب الإصلاح الوطني الذي استمر في عمله السري حتى بدأ التغيير في السياسة الإسبانية تجاه الحركة الوطنية في مطلع الخمسينات(19).‏

إن ذلك التطور في العمل السياسي المغربي، والمجاهرة رسمياً وشعبياً بالاستقلال والوحدة الوطنية في مواجهة الحماية الثنائية، قد رافقه تطور مهم في العمل الوطني في خارج المغرب، حيث أصبحت القاهرة ـ بشكل أساسي ـ ودمشق وبغداد مراكز لنشاط حركات التحرر الوطني المغاربية عموماً.‏

خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، وصل عدد من قادة ومناضلي الحركات الوطنية في المغرب العربي (تونس ـ الجزائر ـ المغرب)، إلى القاهرة وشكلوا ((جبهة شمال إفريقيا)) في تشرين الثاني ـ نوفمبر ـ 1944، برئاسة محمد الخضر حسين، وكان هذا التضامن معناه أن يعمل الجميع معاً من أجل قضية المغرب العربي، وأصبحت تلك الجبهة رابطة بين المغرب العربي والقاهرة والأقطار العربية الأخرى. وأخذت الجهود المغاربية مجتمعة تشق طريقها لدراسة مختلف مشاكل المغرب العربي ولبحث أنجع الوسائل لتوحيد النشاط الوطني وتقوية التضامن المغاربي من جهة، والتضامن العربي الشامل من جهة أخرى(20).‏

ووصل القاهرة نهاية الحرب العالمية الثانية، الحبيب بورقيبة رئيس الحزب الحر الدستوري الجديد من تونس عام 1945، والشاذلي المكي أحد مناضلي حزب الشعب الجزائري عام 1945 كذلك. ووصلها عام 1946، من المغرب علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال المغربي. كما وصلها العديد من زعماء وقواعد الحركات الوطنية المغاربية عموماً. وقد اتفقت جميع الاتجاهات السياسية على توحيد نشاطها عن طريق مؤتمر تعقده، فكان ((مؤتمر المغرب العربي)) الذي عقد في 15 شباط ـ فبراير ـ 1947. وقد أصر ممثلو الأحزاب المغاربية (الحزب الحر الدستوري الجديد والقديم ـ حزب الشعب ـ حزب الاستقلال ـ حزب الإصلاح الوطني) على وجوب استمرار وتوحيد العمل الكفاحي من أجل الاستقلال التام. كما أكد المؤتمرون على توحيد مكاتب الحركات الوطنية العاملة في القاهرة في هيئة رئيسية تعرف باسم ((مكتب المغرب العربي)) الذي اتخذ العديد من القرارات في نهاية أعماله في 22 شباط ـ فبراير ـ أكدت على إحكام الروابط والاتفاق على الاستقلال التام، والعمل على توحيد المنظمات المهنية في الأقطار الثلاث وتوحيد العمل الكفاحي، إلى جانب قضايا عربية وعالمية أخرى.‏

وفي 31 أيار ـ مايو ـ 1947، تمكن زعيم ثورة الريف المغربية الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي من الاستقرار في القاهرة بمساعدة زعماء المغرب العربي وشخصيات من جامِعَة الدول العربية. وقد احتجت إسبانيا على القرار الفرنسي بنقله من جزيرة ربنيون إلى فرنسا، إلا أنه باستقراره في القاهرة التزمت الصمت مادام قد نزل بعيداً عن الشمال المغربي. ومنذ البداية، شارك في نشاطات مكتب المغرب العربي، وأسس ((لجنة تحرير المغرب العربي)) في مطلع كانون الثاني ـ يناير ـ 1948، وكانت أخطر لجان المكتب، فقد آمنت بالكفاح المسلح كطريق وحيد لانتزاع الحقوق الوطنية. وقد اشتركت الحركة الوطنية في الشمال المغربي بلجنة تحرير المغرب العربي كما في مكتب المغرب العربي، حيث مثل الشيخ محمد اليمني الناصري مدير بيت المغرب للتبادل الثقافي في القاهرة، حزب الوحدة المغربية، وكان عبد الخالق الطريس ممثل حزب الإصلاح الوطني، إلى جانب ممثلي الأحزاب الأخرى في تونس والجزائر والمغرب(22).‏

من جانب آخر، وإلى جانب الاضطهاد والملاحقة لزعماء وقواعد الحركة الوطنية في الشمال المغربي، فقد أنشأت سلطات الحماية الإسبانية أحزاباً سياسية صغيرة من العناصر الموالية لسياستها، فقد أنشأت (حزب الوحدة الريفية) ثم (حزب الدفاع الوطني) عام 1947، لكن هذين الحزبين كانا فاقدين للرصيد الشعبي على الرغم من التسمية لأنهما لا يشكلان إلا جزء من ما يسمى أحزاب الإدارة الاستعمارية.‏

إن سلطات الحماية الإسبانية (والفرنسية) لم تكتفِ بمحاولتها لتشكيل أحزاب سياسية موالية لها، بل اتخذت رد فعل سريع على تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي بعد أن لمست (وفرنسا) الضجة والتأييد العربي والدولي للأميرالخطابي، واستشاطوا غيظاً وخوفاً من تصريحاته وقدرته على لم شمل المغاربة في تنظيم كفاحي موحد، إلى جانب دعوته إلى اعتماد أسلوب الكفاح المسلح في انتزاع الحقوق الوطنية، وقد كان لإسبانيا وفرنسا باع طويل من الهزيمة أمامه خلال أعوام 1921 ـ 1926.‏

ففي مطلع شباط ـ فبراير ـ 1948، عقد المندوب السامي الإسباني الجنرال فاريلا، والمقيم العام الفرنسي الجنرال جوان، اجتماعاً في طنجة تحت شعار ((الخلاف بين دولتينا لا يخدم إلا مصلحة الوطنيين المغاربة)) ورفعا التقارير إلى حكومتيهما في باريس ومدريد، يدعوان إلى المواجهة بكل متطلباتها، وذلك بتوسيع نطاق المتابعة والمراقبة وتجنيد المزيد من الجواسيس، وتشجيع ((مهنة)) التجسس في أوساط ((المعتقلين))، والعمل على تجنيد بعض العناصر ذات التأثير الاجتماعي والسياسي، مع دعم رؤساء المناطق وزعماء الأقاليم وباشوات المدن وشيوخ الطرق الصوفية وفرض أحكام عرفية مشددة، وممارسة الإرهاب السياسي والعنف العسكري والدموي، إلى جانب العمل على إهانة المقدسات وخلق حالة التوتر مع الأهالي بإغلاق المساجد وتحويل المدارس إلى معسكرات ومراكز بوليس، وعليه، فقد ((تحول المغرب إلى ساحة للفضائح))(23).‏

ومثلما اتفقت فرنسا وإسبانيا عام 1925ـ 1926، باتفاقيات عسكرية وسياسية واقتصادية للقضاء على الثورة الوطنية المسلحة التي تزعمها الأمير الخطابي، فقد شهدت مرحلة ما بعد عام 1941، اتفاقاً في سياسة إسبانيا وفرنسا للقضاء على جهود الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي ولجنة تحرير المغرب العربي. وكانت إسبانيا تدرك معنى تصريحات الخطابي، فسارعت إلى تحويل قوتها عام 1948، إلى منطقة الريف معقل الثورة الريفية وقائدها، واحتلت منزل الخطابي في أجدير في محاولة لإشعار السكان بسطوتها وقدرتها على السيطرة على الأوضاع الداخلية قبل قيام السكان بأي رد فعل مواجه لنفوذها، فيما واصلت قواتها المسلحة في تطوان قمعها للمواطنين، حيث زجت بالمئات في السجون، فيما سقط عدد كبير من الضحايا(24).‏

إن سلطات الحماية الإسبانية (والفرنسية) أدركت أن تبني أسلوب الكفاح المسلح في مواجهة احتلالهم للمغرب، معناه إدراك الحركة الوطنية في المغرب العربي ككل وخاصة بين قواعد الحركة، فشل أسلوب العمل السياسي في انتزاع الحقوق الوطنية، وثارت خشيتها أكثر عندما أصبح رمز الكفاح المسلح الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي على رأس اللجنة التي آمنت منذ البداية بأن اعتماد الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد للقضاء على الاحتلال، ولقد كان الخطابي مسكوناً بهذا الأسلوب، وهي تعرف تجربتها معه. وعلى ذلك فقد شهد المغرب بأجمعه تشدداً استعمارياً في محاولة للقبض على الأوضاع حتى بداية الخمسينات.‏

وعلى صعيد الداخل المغربي، فقد شهدت بداية الخمسينات تداخلاً وتكاملاً في العمل الوطني بين الملك محمد الخامس والحركة الوطنية المغربية وبشكل أكبر من السابق، فقد سعى كلا الطرفين إلى العمل من أجل استقلال المغرب عن طريق العمل السياسي السلمي، واقترب الاثنان من بعضهما. فلقد اكتشف الملك أن الوطنيين قادرون على مساعدته لاسترجاع نفوذه وحماية سيادة العرش، والوطنيون بدورهم كانوا يرون في الملك شخصية مؤهلة واستقطابية للشعب لم يكونوا يأملون في تحريضه ضد الحماية الأجنبية لوحدهم(25).‏

ومن جانب آخر، فقد شهدت الخريطة الحزبية في المغرب بداية توحيد العمل الوطني بين الأحزاب المغربية في الجنوب والشمال لمواجهة الحماية الثنائية، وعليه، ففي 9 نيسان ـ أبريل ـ 1951، ولدت ((الجبهة الوطنية المغربية)) وبتأثير من جامعة الدول العربية، فقد عقد حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال وحزب الإصلاح الوطني وحزب الوحدة المغربية، مؤتمراً لهم في طنجة تمخض عنه قيام الجبهة الوطنية، وأكد ميثاق طنجة على جملة مقررات أهمها:‏

1 ـ أن تعمل كل الأحزاب لاستقلال المغرب استقلالاً تاماً.‏

2 ـ رفض مبدأ الانضمام إلى الاتحاد الفرنسي.‏

3 ـ لا مفاوضة قبل إعلان الاستقلال.‏

4 ـ التمسك بالملك محمد الخامس وتأكيد تعاون المغرب مع الجامعة العربية وفي دائرتها قبل الاستقلال وبعده.(26).‏

تصاعد نشاط الأحزاب المغربية مع قيام الجبهة الوطنية، فقد أصدرت الجبهة خلال عامي‏

1951، 1952، العديد من البيانات والبلاغات التي تبين موقفها من الأحداث السياسية في الجنوب والشمال ضد سلطات الحماية الإسبانية والفرنسية، وقد نددت بيانات الجبهة ببرامج ((الإصلاح)) المقدمة من قبل سلطات الإقامة العامة الفرنسية، وأكدت بأن هذه البرامج تعد امتداداً للبرامج السابقة التي تسعى إلى تأكيد الحضور الفرنسي والإسباني في المغرب. وأكدت الجبهة، بأن الحل الوحيد للمسألة المغربية ينحصر في إلغاء الحماية على أن ((لا يمس المصالح المشروعة للفرنسيين والأجانب في المغرب))(27)!!…‏

وعلى صعيد العمل الوطني في الخارج، فقد قدمت الحركة الوطنية المغربية شكوى إلى منظمة الأمم المتحدة، حيث توجه الشيخ المكي الناصري والمهدي بنونه ممثلان عن حزب الوحدة المغربية وحزب الإصلاح الوطني، فيما مثل حزب الاستقلال أحمد بلا فريج(28)، وقد لقيت الشكوى الوطنية دعماً عربياً وإسلامياً.‏

شهدت الفترة 1951 ـ 1953 توتراً حاداً بين الملك والحركة الوطنية في الجنوب، وبين سلطات الإقامة العامة الفرنسية بلغ ذروته بما عرف بـ((الأزمة المغربية)) عام 1953، حيث أقدمت سلطات الحماية الفرنسية على نفي ملك المغرب إلى جزيرة مدغشقر، وقيام الجنرال جوان بتنصيب محمد بن عرفة ملكاً على المغرب وبدعم وإسناد بعض القوى الإقطاعية المتنفذة مثل باشا مراكش الجلاوي. وشهدت الفترة ذاتها تفاقم التناقض بين القوى التي تعودت العمل السياسي السلمي في انتزاع الحقوق الوطنية، وبين القوى (من القواعد) التي آمنت بعقم أسلوب العمل السياسي، وباعتماد أسلوب الكفاح المسلح، فيما كانت دعوات لجنة تحرير المغرب العربي تحفز للعودة إلى ذلك، وعليه، فقد شهدت تونس منذ عام 1952 اعتماد أسلوب الكفاح المسلح ضد الحماية الفرنسية، فيما أخذ المغرب طريقه منذ عام 1953، باعتماد عمليات فردية، ثم تطور ذلك إلى اعتماد أسلوب الكفاح المسلح وبشكل منظم بعد نفي الملك محمد الخامس.‏

أدى نفي ملك المغرب إلى تصاعد التأييد الحزبي والشعبي لـه في عموم المغرب، إلى جانب الإدانة العربية للسياسة الفرنسية في هذا الإجراء.‏

أصبح ملك المغرب رمزاً للنضال الوطني، حيث التف الشعب وقواه الوطنية وراءه. وقد اعترف دبلوماسي معاصر للأحداث، أن ملك المغرب ((أصبح رمزاً للروح الوطنية المغربية وزعيماً للأمة فمكنه هذا من إعادة ترسيخ مكانته ليس كرئيس للدولة ورئيس روحي للبلاد، بل كذلك كرجل الدولة الرئيس فيها، وبدلاً من أن يكون أداة بيد حزب الاستقلال كانت مكانته تفوق مكانة الحزب))(29)، وبدأت بشكل منظم بعد نفي الملك تتشكل مجموعات الكفاح المسلح واتخذت من الشمال الشرقي المغربي مجالاً لتحركها ومقاومتها للاضطهاد الفرنسي الذي عمَّ المدن والأرياف آنذاك. كما بدأت الحركة الوطنية الشمالية تدعم هذا الاتجاه.‏

وفي الشمال المغربي، شهدت الفترة ذاتها 1951 ـ 1953، محاولات إسبانية للرد على التحرك الوطني والعمل الجبهوي، بإنشاء حزبان مواليان، هما (حزب المغرب الحر) عام 1952. و(حزب الهلال) عام 1953، لكن ذلك لم يؤثر على قوة ونشاط حزبي الإصلاح الوطني والوحدة المغربية، لأنهما كانا من أحزاب الإدارة كالحزبان السابقان، وافتقدا الأرضية والتأييد الجماهيري.‏

بدأت السياسة الإسبانية تتغير باتجاه فرنسا والحركة الوطنية الشمالية منذ نفي الملك المغربي في 20 آب ـ أغسطس ـ 1953، ذلك أن فرنسا ـ على الرغم من اتفاقها مع إسبانيا ـ لم تستشر إسبانيا بنفي الملك، فقد عدّت إسبانيا الإجراء الفرنسي إهانة للشرف الإسباني، وعليه لم تعترف إسبانيا بالملك الجديد محمد بن عرفة، واستمرت الخطبة في الجوامع باسم الملك محمد الخامس، وخلال تلك الفترة بذلت الحركة الوطنية ـ بعد أن استعادت نشاطها ـ جهداً كبيراً لبقاء المنطقة الشمالية متمسكة بالملك الشرعي محمد الخامس، واستطاعت أن تجعل المنطقة الشمالية ملجأً ومعسكراً للمقاومة وللفارين من وجه القمع الفرنسي، كما رفض الخليفة الحسن بن المهدي في تطوان، الاعتراف بالملك محمد بن عرفة وتمسك بالملك الشرعي محمد الخامس(30)، ونظمت في تطوان مظاهرات كبرى احتجاجاً على المؤامرة الفرنسية، فقد دعا حزب الإصلاح إلى اجتماع كبير خطب فيه عبد الخالق الطريس، وخرجت مظاهرة كبرى طافت شوارع تطوان رفع المتظاهرون صورة كبيرة للملك محمد الخامس، وأجبرت التظاهرة المندوب السامي الإسباني الجنرال روفائيل غرثيا بالينو على الإعراب عن استنكاره لخلع الملك. فيما كانت إذاعة ((درسا)) وصحفها تردد صداها مؤكدة أن ((فرنسا خرقت المواثيق والعهود بالتآمر على رمز سيادة المغرب ووحدته الإقليمية)) وامتدت موجة السخط والاستنكار إلى منطقة طنجة الخاضعة للحماية الدولية(31).‏

أصبحت مدينة تطوان على أثر ذلك مركزاً للمجلس الأعلى لحركة المقاومة المسلحة، وبدأت الحركة الوطنية الشمالية وخاصة حزب الإصلاح الوطني تقدم المساندة لرجال المقاومة في المناطق الشمالية الشرقية من البلاد الذين بدؤوا يشنون هجماتهم على النفوذ الفرنسي في الجنوب المغربي.‏

أبدت الحكومة الإسبانية في الفترة اللاحقة تعاطفها مع قضية المغرب ككل لأسباب متعددة، فقد خطب الجنرال فرانكو في 4 شباط ـ فبراير ـ 1953، أثناء زيارة وفد رسمي ممثل للمنطقة الشمالية، خطاباً أكد فيه: ((إن إسبانيا ستظل وفيه للمعاهدات، مخلصة لإخواننا المغاربة)) وأن ((إسبانيا ستدافع بحزم عن وحدة المغرب وعن روح المعاهدات ونصها، ولن تقبل وضعاً يتناقض مع مشاعرنا الخاصة))، وختم حديثه مؤكداً: ((إن المنطقة المغربية التي أؤتمنا على حمايتها ستظل تحت سيادة صاحب السمو مولاي الحسن بن المهدي مع محافظتنا على وجود الحماية وإخلاصنا لوحدة المملكة ولمشاعر الشعب المغربي….)). وقد احتجت فرنسا على خطاب الجنرال فرانكو، إلا أن حكومة مدريد رفضت الاحتجاج في 12 شباط ـ فبراير ـ وذكرت وزارة الخارجية الإسبانية، أن مدريد لم تستشر في خلع الملك محمد الخامس كما يقتضي ذلك البند 25 من المعاهدة الفرنسية ـ الإسبانية لعام 1912‏

(32). وقد كسبت إسبانيا نتيجة هذا الموقف تعاطفاً عربياً ومن خلال جامعة الدول العربية، كما جاء ذلك تعبيراً عن امتنان الجنرال فرانكو لوقفة المغاربة تجاهه أثناء الصراع في الحرب الأهلية، ويعكس ذلك أيضاً الخوف من قيام فرنسا بضم المغرب إلى دائرة الاتحاد الفرنسي، ومن هنا أيضاً سمحت لحزب الإصلاح الوطني بدعم المقاومة المسلحة، وجعل منطقة نفوذهم ساحة لنشاط المقاومة المسلحة المغربية ضد النفوذ الفرنسي، وقام رجال الحركة الوطنية بنقل السلاح القادم من مصر عبر السواحل إلى مدينة الناظور ثم تسليمه إلى جيش التحرير.‏

إن تصاعد نشاط الكفاح المسلح في تونس منذ عام 1952، والمغرب منذ عام 1953، وانطلاق الثورة الجزائرية في 1 تشرين الثاني ـ نوفمبر 1954، أجبرت فرنسا على تغيير سياستها تجاه تونس والمغرب، وخاصة بعد أن أخذ الكفاح المسلح وضعه المنظم من خلال ((جيش التحرير التونسي))، و((جيش التحرير المغربي)). فقد أيقنت فرنسا أن الوصول ِإلى تفاهم مع القوى الراديكالية أصبح من المستحيل، وبات عليها الالتفات إلى القوى السياسية التي تعودت العمل السياسي السلمي في انتزاع الحقوق الوطنية، فكان عام 1955، بداية للمفاوضات المغربية الفرنسية، حيث بدأ حزب الاستقلال يفاوض فرنسا في (اكس ليبيان)، ثم في (سان كلو) الذي جاءت مقرراته الأربعة لتشكل بداية الاعتراف باستقلال المغرب في 2 آذار ـ مارس ـ 1956، بعد الاحتفاظ بامتيازات اقتصادية وعسكرية.‏

أما في الشمال المغربي الخاضع للحماية الإسبانية، فقد سارع الجنرال فرانكو رئيس الحكومة الإسبانية إلى دعوة الملك المغربي محمد الخامس لزيارة مدريد، وتمت الزيارة في 4 نيسان ـ إبريل ـ 1956، وتم الاتفاق في 7 منه على إنهاء الحماية الإسبانية في الشمال المغربي (33)، لكن إسبانيا ظلت محتفظة ـ وإلى الآن ـ بمدينتي مليلة وسبتة وبعض الجزر الساحلية.‏

أما طنجة، فقد عادت للسيادة المغربية بالاتفاق الذي تم في 24 تشرين أول ـ أكتوبر ـ 1956. وبذلك انتهت الحماية الثنائية والدولية، وحقق المغرب بجهود الحركة الوطنية المغربية في الشمال والجنوب، مع جهود الملك محمد الخامس، الاستقلال والوحدة الوطنية.‏

هوامش البحث:‏

(1) ـ للمزيد من التفاصيل عن بدايات السياسة الفرنسية في هذا المجال حتى إصدار الظهير البربري عام 1930، انظر:‏

علال الفاسي: الحركات الاستقلالية، ص 161ـ169،‏

محمد حسن الوزاني: مذكرات حياة وجهاد، مؤسسة الوزاني، (بلا، بلا)، ص353 ـ 371،‏

حسن بو عياد: الحركة الوطنية والظهير البربري، (الدار البيضاء 1979)، ص35ـ 48،‏

صلاح العقاد: المغرب العربي، مكتبة الأنجلو المصرية، (القاهرة 1980، ص 358 ـ 359.‏

(2) ـ للتفاصيل، انظر:‏

عبد الكريم غلاب: تاريخ الحركة الوطنية في المغرب، (الدار البيضاء1976)، ج1 ص 35 فما بعدها،‏

دوجلاس أشفورد: التطورات السياسية في المملكة المغربية(الدار البيضاء 1964)، ص 53 ـ 63،‏

قاسم الزهيري: محمد الخامس، الملك البطل، دار النشر التقنية للشمال الإفريقي، (الرباط، بلا)،‏

ص33.‏

(3) ـ للتفاصيل، انظر:‏

علال الفاسي: محاضرات في المغرب العربي منذ الحرب العالمية الأولى، مطبعة نهضة مصر، (القاهرة 1955)، ص 215 ـ 217،‏

الفاسي: الحركات الاستقلالية، ص 185 ـ 195،‏

جلال يحيى: العالم العربي الحديث، دار المعارف، (القاهرة 1966)، ص 709 ـ 714،‏

زاهية قدورة: تاريخ العرب الحديث، دار النهضة للطباعة والنشر، (بيروت 1975)، ص 553.‏

العقاد، المصدر السابق، ص 364،‏

(4) ـ محمد محمد سلام أمزيان: عبد الكريم الخطابي ودوره في لجنة تحرير المغرب العربي 1947 ـ 1956، رسالة ماجستير غير منشورة مقدمة إلى كلية الآداب ـ جامعة بغداد، (بغداد 1988)، ص 13.‏

(5) ـ الفاسي: الحركات الاستقلالية، ص207.‏

(6) ـ اشفورد، المصدر السابق، ص 67، الفاسي: الحركات… ص 210 ـ 211، عسة، المصدر السابق، ص 212 ـ 214.‏

(7) ـ أمزيان، المصدر السابق، ص 14.‏

(8) ـ مجلة الثقافة الجديدة (المغربية)، العدد (18) السنة (5)، (الرباط 1980)، ص 50 ـ 54).‏

اشفورد، المصدر السابق، ص 69، أمزيان، المصدر السابق، ص 15.‏

(9) ـ كفاح كاظم الخزعلي: حزب الاستقلال ودوره السياسي في المغرب 1944 ـ 1956، أطروحة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، (البصرة 1983)، ص 124.‏

(10) ـ هشام القروي: هل يتوحد المغرب العربي، مجلة آفاق عربية، العدد (12)، السنة (13)، كانون أول ـ ديسمبر ـ 1988، ص57،‏

الفاسي: الحركات الاستقلالية، ص 263 ـ 264.‏

(11) ـ اشفورد، المصدر السابق، ص 68.‏

(12) ـ اشفورد، المصدر نفسه، ص 70.‏

(*)ـ منذ عام 1944، أصبح سلطان المغرب يسمى ملك المغرب.‏

(13) ـ محمد العربي الشاوش: أضواء على الحركة الوطنية في شمال المغرب، مطبعة الشويخ، (تطوان 1980)، ص 30 ـ 31،‏

الفاسي: الحركات الاستقلالية، ص259،‏

الخزعلي، المصدر السابق، ص 124 ـ 126.‏

(14) ـ الفاسي: الحركات الاستقلالية، ص 313 ـ 319.‏

الخزعلي، المصدر السابق، ص 74 ـ 75، 173.‏

(15) ـ الفاسي: الحركات الاستقلالية، ص 371 ـ 372.‏

الخزعلي، المصدر السابق، ص 75.‏

(16) ـ الفاسي: الحركات الاستقلالية، ص 371 ـ 372.‏

(17) ـ انظر تفاصيل الزيارة:‏

عبد الله الجراري: من أعلام الفكر المعاصر، مطبعة الأمنية، (الرباط 1971)، ص 128 ـ 129.‏

الفاسي: الحركات الاستقلالية، ص 349ـ369.‏

(18) ـ الفاسي: الحركات الاستقلالية، ص373.‏

(19) ـ الفاسي: حماية إسبانيا، ص 57 ـ 59، أشفور، المصدر السابق، ص 72 ـ 73، الخزعلي، المصدر السابق، ص 127 ـ 129.‏

(20) ـ انظر بالتفصيل:‏

الفضيل الورتلاني: الجزائر الثائرة، منشورات عباد الرحمن، (بيروت 1956)، ص 283 ـ 287،‏

عبد الغفار محمد حسين: صفحات من تاريخ العرب المعاصر، مكتبة سماح، (طنطا 1978)، ص 147 ـ 151.‏

(21) ـ للتفاصيل، عن نشأة مكتب المغرب العربي وقراراته وعلاقته بجامعة الدول العربية، انظر:‏

محمد عابد الجابري: فكرة المغرب العربي أثناء الكفاح من أجل الاستقلال (مجلد)، وحدة المغرب العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، (بيروت 1987)، ص 20،‏

خيرية عبد الصاحب وادي: الفكر القومي العربي في المغرب العربي، دار الرشيد للنشر، (بغداد 1982)، ص 177،‏

محمد حربي: الوطنيون الجزائريون والمغرب العربي 1928 ـ 1954، (مجلد)، وحدة المغرب العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، (بيروت 1987)، ص 75.‏

الطاهر عبد الله: الحركة الوطنية التونسية، رؤية شعبية قومية جديدة، 1830 ـ 1956، (بلا)، (بلا 1978)، ص 268 ـ 269،‏

جميل الشقيري: الأهداف القومية والدولية لجامعة الدول العربية، بلا، (دمشق 1955)، ص 217 ـ 218،‏

الفاسي: الحركات الاستقلالية، ص 320 ـ 325،‏

حسين، المصدر السابق، ص 151 ـ 152،‏

الخزعلي: المصدر السابق، ص 135 ـ 140.‏

(22) ـ أمزيان، المصدر السابق، ص 55، 71، وادي، المصدر السابق، ص 181، الخزعلي، المصدر السابق، 145 ـ 146، حسين، المصدر السابق، ص 156، الجابري، المصدر السابق، ص 20 ـ 21، عبد الله، المصدر السابق، ص 267، جلال يحيى: المغرب العربي والاستعمار، الدار المصرية للتأليف والترجمة، (القاهرة 1966)، ص 97 ـ 98،‏

محمد زنيبر: دور عبد الكريم في حركة التحرر الوطني في المغرب، كتاب (الخطابي وجمهورية الريف)، ترجمة: صالح بشير، دار ابن رشد، (بيروت 1980)، ص 403 ـ 407، 417.‏

(23) ـ أمزيان، المصدر السابق، ص 77 ـ 78.‏

(24) ـ أمزيان، المصدر نفسه، ص 79.‏

(25) ـ جون واتر بوري: الملكية و النخبة السياسية في المغرب، ترجمة: ماجد نعمة، دار الوحدة، (بيروت 1982)، ص 51.‏

(26) ـ رفض الموقعون على ميثاق طنجة وقيام الجبهة الوطنية المغربية، إشراك الحزب الشيوعي المغربي لموقفه السابق من وثيقة الاستقلال لعام 1944، إضافة للخلاف العقائدي، انظر:‏

الفاسي: حماية إسبانيا، ص 60.‏

الخزعلي، المصدر السابق، ص 171 ـ 174،‏

الزهيري، المصدر السابق، ص90.‏

(27) ـ الخزعلي، المصدر السابق، ص 174.‏

(28) ـ الزهيري، المصدر السابق، ص 104، 109 ـ 110.‏

(29) ـ دبلوماسي، بريطاني: المغرب من الحماية إلى الاستقلال، ترجمة: نجدة فتحي صفوت، مجلة الباحث العربي، مركز الدراسات العربية، العدد (17)، (لندن 1988)، ص 120.‏

(30) ـ العلمي، المصدر السابق، ص 87 ـ 91.‏

(31) ـ الزهيري، المصدر السابق، ص 169 ـ 170.‏

(32) ـ الزهيري، المصدر نفسه، ص 170 ـ 171.‏

(33) ـ وزارة الخارجية المغربية: الدبلوماسية المغربية في عشر سنوات 1956 ـ 1966، بلا ، (بلا، بلا)، ص 21 ـ 23.‏

مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق – تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك – العدد 16 ربيع -صيف 2002
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات