القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

وصیة المھدي بنبركة للمحافظة على الملكیة المغربیة

وصیة المھدي بنبركة للمحافظة على الملكیة المغربیة

بقلم: مصطفى العلوي

بعد أیام قلیلة، یسعد المغرب في احتفالات، قرر الملك محمد السادس، وأعلن أنھا لن تكتسي طابع الاحتفالات الكبرى، بالذكرى المطلة على السنة العشرین، لتنصیب محمد السادس ملكا على المغرب، لیكون الاحتفال الحقیقي ھو بذلك الھدوء، الذي رافق موت القطب الحسن الثاني لیلة 25 یولیوز 1999 ،وھذا تاریخ المغرب منذ مئات السنین یربط موت كل ملك وخلافتھ، بأحداث، قل ما تكون ھادئة.. باستثناء موت محمد الخامس، الذي كان معبود الجماھیر ولم یجرؤ مغربي واحد على اعتبار موتھ نھایة لعھد وبدایة لعھد آخر(...). وھذا التاریخ المقارب لموت أب محمد الخامس المولى یوسف، الذي كتب عنھ المؤرخ الفرنسي ”ج ھاردي“ بأن ((الحمایة كانت تقدم مولاي یوسف كمجرد ھیكل.. ”مانكان“، تظھره للناس لتقنعھم بأنھ سلطان)) (تاریخ المستعمرات الفرنسیة. المغرب 1931.(

وصیة المھدي بنبركة للمحافظة على الملكیة المغربیة


السلطان، وھو یعترف: ((عندما حاولت إقناع القطب الصحراوي الھبة، بالمشاركة في بیعة مولاي یوسفولیكتب الحاكم الفرنسي المارشال لیوطي في مذكراتھ عن معاناتھ تجاه المشاكل التي طرحت قبل تنصیب ھذاسلطانا على منطقة الساقیة الحمراء، التابعة للعرش العلوي یفاجئني بأنھ ھو الذي یرید أن یكون سلطانا علىھذه المنطقة، ولم یقبل تقدیم بیعتھ إلا بعد أن وعدتھ بأنھ ھو الذي سیكون حاكما لھذه المنطقة، في إطار بیعةمولاي یوسف)) (لیوطي والمؤسسات. دنییل ریفي).

وبعد موت مولاي یوسف، یحكي لیوطي: ((أسرعت إلى تشكیل حكومة جدیدة بقیادة المقري الذي اشترطعلي مزیدا من نفوذ رئیس الحكومة، وعینت الشیخ بوشعیب الدكالي وزیرا للعدل، وأحمد الجامعي وزیراللأوقاف، وعمر التازي وزیرا للأملاك قبل الإعلان عن مبایعة مولاي یوسف)) (نفس المصدر).فقد كان موت السلطان، مقترنا في المغرب حتى أیام مولاي یوسف، أب محمد الخامس، بالأحداث والشروط،التي تكون مواكبة لموت كل سلطان، لیسھم العھد الجدید، المنطلق مع الحسن الثاني في تكریس دور الاستقلال،وابتعاد النفوذ الفرنسي بدایة لعھد جدید، لتبقى المشاكل المواكبة لموت الملك الحسن الثاني، ھادئة شیئا ما،وربما مطبوعة بما أسمیناه سابقا، الخوف من الملك الحسن، خوفا لازمھ وھو میتا، كما كان یلازمھ وھو حي.وقد كان الحدث الذي كرس التخوفات الغیر مرئیة، وغیر المعلنة، وجثمان الملك العظیم مسجى في المستشفىولحظات الإعلان عن وفاتھ، تنتظر القرار.والحادث الوحید الذي حصل في تلك اللحظات الحرجة ھو ما حكاه الأمیر مولاي ھشام في مذكراتھ، وھویحكي بعد رجوعھ بالطائرة إلى المغرب، بعد سماع خبر وفاة عمھ، لیكتب عن أول ما رآه في القصر:((لفت انتباھي حادث غریب، رأیت اثنین من عناصر الدرك في فرقة حراس الملك المقربین، یمسكون إدریسالبصري في أحد المكاتب ویھددونھ على بعد أمتار قلیلة من الجنرالین عروب وبنسلیمان، والبصري یصیح:أوقفوا ھذا الاستفزاز، إني وزیر الداخلیة، فاستفسرت الجنرال عروب، فأجابني بأنھ إجراء وقائي(...) فأشرت إلى أن ھذه الطریقة سیئة للغایة، وأن وسائل الإعلام العالمیة في حالة ترقب، وإن علمت بالخبرستعطي صورة سیئة عن الملكیة، لقد مات الملك الذي كان یحمي البصري، وھا ھو وزیر الداخلیة یتلقىالضربات بعدما أسرف في تسدیدھا، فسبحان مبدل الأحوال)) (سیرة أمیر مبعد. مولاي ھشام). 

دقائق في مستشفى ابن سینا، محیطا بجثمان الحسن الثاني رفقة ولي العھد والأمیر مولاي رشید،حین اقترب فما ھي الخلفیات الكامنة وراء ھذا الإجراء الوقائي(...) رغم أن إدریس البصري الوزیر القوي، شوھد قبلمنھ ضابط حاملا للتلفون ویقدمھ لإدریس البصري الذي كان یتلقى مكالمة من عند الرئیس الجزائري عبدالعزیز بوتفلیقة، الذي كان یسألھ: ھل حقا أن الملك الحسن الثاني توفي؟ ویقدم البصري جھاز التلفون لسیديمحمد الذي أكد للرئیس الجزائري خبر وفاة الملك.ویبقى التساؤل مھیمنا على أسباب احتجاز الوزیر القوي بعد إبعاده عن المھام الحكومیة، سنوات ثلاث بعدالوفاة، لتشاء الظروف الصحفیة أن تجرني وأنا في شارع الشانزیلیزي بباریس، عندما فاجأني إدریس البصريبالاتصال معي تلفونیا، واسألوا عمن أخبره بتواجدي في باریس، أم أنھ بقي یحكم المغرب وھو لاجئ فيباریس(...)؟ لیقول لي مازحا: مراسلك یتتبع أنشطتي في باریس، عندما نشرت في الأسبوع الماضي أنياشتریت جریدتك في الكشك المجاور لمقھى ”دروكستور“ وانشغلت بموضوعك وأنا أكاد اركب سیارتي لأسقطعلى الأرض، وھا أنا بدوري اصطادك وأنت في باریس، لیدعوني إلى دفن صراعاتي معھ بمشاركتھ فيالغذاء معھ في البیت الذي كان یسكنھ بباریس، بیت رئیس الحكومة الفرنسیة السابق ”ماندیس فرانس“.

وكان سؤالي الأول معھ: ما ھي حكایة اعتقالك یوم جنازة الحسن الثاني؟ لیؤكد لي حكایة تلفون بوتفلیقة وأنھالسرعة، فوجئ بالظروف تتغیر، لیبدأ في تزویدي بمعلومات كثیرة(...) ناشدني بأن تبقى سرا التزمترافق الجثمان الملكي إلى القصر، وأنھ عندما قال بصوت مرتفع: یجب تحضیر الجنازة الملكیة بمنتھىبالاحتفاظ بھ، وربما كانت تلك الجزئیات الغیر معلنة ھي الكامنة مع القرار النھائي(...)، وإلا فما معنى اعتقال وزیر الداخلیة، واحتجازه غیر بعید من جثمان الملك المرحوم، وإدراج ھذا الاعتقال في سیاق الوقایة، أم أنالأمر تعلق بوصیة معینة(...) أو برفض معین(...) خصوصا وأن احتجاز إدریس البصري انتھى ساعةالمبایعة، إذ یذكر الحاضرون، أنھم دبروا للوزیر المحتجز(...) على زي مناسب أعطاه لھ أحد المخازنیةلحظة تقدیم البیعة للملك الجدید، وكأن شیئا لم یكن، بل إن مھمة إدریس البصري جددت لھ كوزیر للداخلیة مدةطویلة بعد ھذا الاحتجاز.دھاء الأمیر مولاي ھشام، كامن في سرده في إطار مذكراتھ، وفي الفقرة الموالیة لخبر اعتقال إدریسالبصري، لحادثة سابقة مرتبطة بوفاة الأب محمد الخامس، وقد كتب: ((بعد وفاة محمد الخامس المفاجئة، وفيانتظار الكشف عن ملابساتھا، وقع والدي (مولاي عبد الله) عقد البیعة ولكنھ رفض حضور المراسیم التيأعقبتھا، ومع ذلك فإن المعلومات التي استقیتھا(...) تؤكد أن محمد السادس لم تكن لدیھ أیة نیة مضمرة،للانتقام من التاریخ)) (نفس المصدر).

الرئیس الجزائري السابق بوتفلیقة، وھو معروف بتخصصھ في الاطلاع على الخبایا المغربیة، سأل بدوره صدیقھ الرئیس الفرنسي شیراك عن الخبایا(...) فأجابھ شیراك: ((إن محمد السادس كإنسان رجل طیب..ولكن محیطھ ھو الذي یطرح المشاكل)) (كتاب جان بییر توكوا).

ومن قبیل الجزئیات التي واكبت إمضاء البیعة، عدم تحضیر قلم لإمضائھا، لیكتب مولاي ھشام: ((لا أحد یحمل معھ قلما للتوقیع(...) حتى البروتوكول أغفل الأمر، وبعد برھة.. وفي خضم الشعور العام بالحرج(...)اقترحت قلمي، وھكذا سطر بمدادي التوقیع على نص البیعة الذي یجدد الولاء بین المحكومین والحاكمین))(مذكرات مولاي ھشام). 

الأمیر الأمریكي الطباع(...) استغرب غیاب النساء عن البیعة لأنھن غائبات عنھا باستثناء الوزیرات، بل إنھ العلماء قدیما بإتمام الملك المرشح لدینھ، عبر احترام حتمیة الزواج لیلة النصر، الشيء الذي تجاوزتھ الأحداث وھو ینصح ابن عمھ بعدم مغادرة القصر بعد انتھاء البیعة، وقضاء لیلتھ في القصر الملكي، ذكر بما اتفق علیھ لیصدر في تلك الظروف الجنائزیة، بلاغ نشرتھ جریدة ”الفیغارو“ الفرنسیة في عدد 27 یولیوز 1999 یكذب الأخبار التي صدرت بتلك المناسبة عن زواج الملك محمد السادس، تبین أنھ أول بیان صدر عن الدیوان الملكي في عھد الملك الجدید. أما الحسن الثاني وقد بقي یومین كاملین مسجى في القاعة التي تسمى غرفة القباط، المتواجدة في قاعة تسمى قاعة الإمام البخاري، فقد أبكى الأمیر مولاي ھشام، كما كتب في مذكراتھ، عندما شاھد: ((لقد ظھرت وسط تلك القبة إنسانیة محمد السادس حیث سجى جثمان والده، وأخذ الابن یلامس رأس والده برفق في حركة لم یكن لیتجرأ علیھا أبدا في حیاتھ، وقد تأثرت بھذا المشھد وسالت دموعي)) (مذكرات الأمیر مولاي ھشام). 

لیلتزم ھذا الأمیر، الذي تراوده ھذه الأیام فكرة التنازل عن لقب أمیر، بتسجیل التزام شرف للتاریخ، أصر على إدراجھ في نھایة مذكراتھ، ھو یقول فیھ: ((أنا مستعد الیوم أن أوقع دون تحفظ وثیقة الاختیار الثوري التي طرحھا سنة 1962 المھدي بنبركة، وھي وثیقة معتدلة تنادي بإقامة ملكیة دستوریة، حیث الملك ھو رمزاستمراریة المؤسسات، والحكومة تنبثق من الشعب الذي یمارس السلطة)). ولعلھا أثمن وصیة تكتب لتاریخ الملكیة المغربیة، التي ستحتفل بالذكرى العشرین لتنصیب محمد السادس ملكاعلى المغرب.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات