القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

«دار السلاح» بفاس أقدم متحف في العالم العربي

«دار السلاح» بفاس أقدم متحف في العالم العربي

يضم زهاء 8000 قطعة سلاح وإدارته تأمل بأن يتحول إلى معلم سياحي

فاس: فاطمة شكيب 
في البرج الشمالي بمدينة فاس (العاصمة العلمية للمغرب)، وبالتحديد في منطقة المرينيين، في أعلى نقطة صخرية بالمدينة، ينتصب أهم متحف أسلحة بالمغرب، بأسواره الشاهقة ومساحته التي تبلغ 2250 مترا مربعا، ومخزونه من القطع التي تصل إلى 8000 قطعة. متحف يسكن بين ممراته التاريخ في صمت.. «دار السلاح» كما يسميها المغاربة، أو «متحف الأسلحة» أو «برج النار» كما تقول الروايات التاريخية، هو بمثابة متحف مغربي متخصص في الأسلحة، تشرف عليه «لجنة التاريخ العسكري» التابعة للقوات المسلحة العسكرية المغربية. يزخر المتحف بعدد كبير من التحف، ما يناهز 3000 تحفة صالحة للعرض والبقية توجد قيد الترميم.
عدد السياح الوافدين على «دار السلاح» يبلغ في حدود 3 آلاف زائر سنويا، بينما يقدر عدد الزوار المغاربة في حدود 30 ألف زائر في السنة، علما بأن بطاقة الزيارة في حدود 10 دراهم للكبار (دولار وربع الدولار)، و3 دراهم للصغار والطلاب (أقل من نصف دولار)، ويعرف المتحف إقبالا مكثفا أيام الجمعة من كل أسبوع، حيث الدخول مجانا.

«دار السلاح» بفاس أقدم متحف في العالم العربي


يوجد المتحف بالبرج الشمالي الذي شيد عام 1582، وبالتالي يعد أقدم متحف في العالم العربي، وهو أهم الأبراج التي شيدت في تلك الفترة لتشكل طوقا دفاعيا حول مدينة فاس بغرض حمايتها من التهديدات الأجنبية، خاصة منها العثمانية، ويؤكد الطابع الأوروبي لتصميم هذه المعلمة العسكرية مساهمة أسرى برتغاليين في عملية البناء.

ويبلغ عدد الحصون بفاس، طبقا لبعض المصادر التاريخية، 11 حصنا، أهمها البرج الشمالي والبرج الجنوبي، وهما يشرفان على مدينة فاس العتيقة، أما المدينة الحديثة فكان حزامها الدفاعي يتكون من عدة أبراج صغيرة أهمها برج «سيدي أحمد الشيخ» و«برج بونافع» و«برج بوطويل».

ويشهد البرج على تطور بارز في الهندسة العسكرية، إذ صمم ليصمد أمام طلقات المدفعية، ولكي توضع بداخله أسلحة نارية ثقيلة.

وتفيد المصادر التاريخية بأن البرج الشمالي سمي «برج النار» لكونه كان يضم «جند النار»، وهي أول فرقة مدفعية في تاريخ المغرب، واستعمل البرج كذلك لإطلاق طلقات المدفعية إعلانا لمواعيد الإفطار والصوم في شهر رمضان منذ فترة الدولة السعدية.

تم ترميم البرج لأول مرة عام 1963 ليحتضن متحفا متخصصا في مجال الأسلحة، وكانت تحفه كلها مخزونة في متحف البطحاء، وفي عام 2003 تسلمت «لجنة التاريخ العسكري» مسؤولية تدبير هذه المعلمة، ليعرف البرج بعد ذلك أشغال ترميم وتجهيز واسعة، شملت ترميم البناية حسب المعايير الفنية والقوانين السارية، وتجهيز البناية بمختلف التجهيزات الأساسية والمتخصصة لإعادة توظيف المعلمة في أحسن الظروف، وتجهيز وإعادة تهيئة المتحف وفق توزيع إثنوغرافي حديث، وتهيئة المحيط الخارجي للبرج وترميم التحف.

يتفاوت علو البرج ما بين 8 و17 مترا، وهو يتكون من طابقين بالإضافة إلى القبو والسطح، ويتشكل من نواة مربعة تضم 3 قاعات وسطى كبيرة و12 جانبية تستعمل كلها كمخازن للأسلحة، وتمتد هذه النواة على مستوى الزوايا الأربعة على شكل أجنحة، وهي مصممة بحيث توفر للجنود مرامي لتصويب طلقاتهم النارية تغطي كل المساحات الممكنة للبرج.

وقبل 5 سنوات من الآن أشرفت «لجنة التاريخ العسكري» على ترميم الطابق العلوي للبرج الذي يتكون من 18 حجرة صغيرة كانت تستعمل لتخزين الذخيرة، والقبو الذي يتكون من قاعتين في الجهة الشمالية من البرج، وصهريج يتكون من 3 قاعات كان يستعمل لتجميع وتخزين الماء.

بني البرج بتصميم هندسي إيطالي أساسا من الطابية، في حين اقتصر استعمال الآجر الطيني والحجر المنحوت على أجزاء محددة من البناية، ويصل سمك الجدران إلى 3.40 متر، واستعمل الحجر المنحوت على مستوى الزوايا، في حين شيدت الأسس الجانبية بالحجر غير المقطع.

واستفاد المتحف من بعض الهبات من بعثات أجنبية قدرت بما يقارب 10 تحف، من بينها هبة أهداها أحد حاكمي جاكرتا، وهي عبارة عن سيف يسمى «كريس»، بينما تكفلت إدارة المتحف بشراء بعض التحف الثمينة من أسلحة وسيوف وغيرها من مالكين استغنوا عنها.

أغلب التحف المحفوظة بـ«دار السلاح» تم جلبها من مصنع السلاح الذي يعرف باسم «الماكينة» في فاس، وكان يضم متحفا صغيرا، كما سبق للملك الحسن الثاني أن أهدى المتحف عدة أسلحة قديمة من ممتلكات الحرس الملكي، هذا إلى جانب مجموعة التحف والهدايا التي قدمت إليه.

وتعتبر هذه التحف بالغة الأهمية من الناحية التاريخية والأثرية والإثنوغرافية والتقنية، وكذا الجمالية، وهي تغطي نسبيا حقبا تاريخية مهمة، بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى بداية القرن العشرين. هذا وتمثل تحف «دار السلاح» 35 دولة بالإضافة إلى المغرب، وهي ميزة ينفرد بها «متحف الأسلحة» بفاس. تختزل أركان المتحف ضمن أسوارها تاريخ الأسلحة في المغرب خاصة، وفي العالم عامة، بمختلف أشكالها من أسلحة بيضاء وأسلحة نارية، وبمختلف استعمالاتها من أسلحة دفاعية وهجومية وأسلحة قنص. وشرع في استعمال الأسلحة إلى ما قبل 5000 سنة، حيث تم اكتشاف فأس بضواحي الرباط وسيف بنواحي العرائش (شمال المغرب) يعودان إلى هذه الحقبة، تعرض الأولى بمتحف الآثار بالرباط، ويعرض الثاني بالمتحف الأثري ببرلين.

ومن بين معروضات المتحف «الدراكة»، وهي عبارة عن درع جلدي سميك يحمل رسومات بسيطة وملونة، وتدل على ذلك بعض النقوش الصخرية التي تعود إلى نحو 5000 سنة، وهو السلاح الدفاعي الأهم بالنسبة إلى المغربي، حيث استعمل المغاربة «الدراكة» منذ العصر البرونزي إلى نهاية القرن الـ19، وكانت هي سلاحهم الدفاعي الوحيد لقرون كثيرة. ويحتل «المسدس» مكانة مهمة ضمن المعروضات، نظرا للدور الذي لعبه في الميادين الحربية، حيث كان لتداول هذا السلاح الخفيف دور أساسي في الجيوش الأوروبية، وكذا في التقنيات والخطط الهجومية، حيث حلت البندقية بالنسبة إلى المشاة محل النبال، وحل المسدس بالنسبة إلى الخيالة محل السيف والسهام. وسبق أن شرعت «لجنة التاريخ العسكري» المغربية منذ سنة في تنفيذ برنامج شمولي لترميم التحف التي تسلمتها في حالة متردية، والتي يتجاوز عددها 4000 تحفة. يقوم بالترميم حرفي متخصص في مجال البنادق المغربية تحت إشراف إدارة المتحف. وتمكن المتحف إلى الآن من ترميم 400 بندقية مغربية تعود إلى القرن الـ18 و19، إضافة إلى أكثر من 100 حربة فرنسية. وهذه العملية لها أبعاد ثقافية وتراثية تتمثل في الحفاظ على تحف كانت عرضة للضياع، وهي ذات قيمة تاريخية وإثنوغرافية بالغة الأهمية، وفي إحياء حرف وصناعات يدوية، إلى جانب بعد اجتماعي وإنساني يتمثل في إنعاش الصناعة التقليدية.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات