القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

سلالات يهودية وجدت نفسها في قلب بلاط المملكة الشريفة


سلالات يهودية وجدت نفسها في قلب بلاط المملكة الشريفة

آل بَّلاش، سومبال، بن يدَّر، روتي، بلاشا، ميمران، طوليدانو، أبناء عطار، روزاليس، بوزاكلو، آل مقنين، آل قرقوز، آل كدالة، وآل بَنْ عَلِّيل.. هم غيض من فيض سلالات يهودية وجدت نفسها في قلب بلاط المملكة الشريفة، خدام أوفياء للقصر الملكي يحتلون مناصب سامية في قلب نسيج الدولة المغربية بما يشكل الاستثناء في العالم الإسلامي، لقد تحمل بعضهم مسؤوليات جسيمة في الداخل كما في الخارج، في زمن الحرب كما في زمن السلم، بعضهم لعب دور الوسيط بين السلطان ورعيته، وآخرون كانوا سفراء للمملكة الشريفة في ملفات جد حساسة، وتبوأ اليهود المغاربة مكانة بارزة في البلاط السلطاني، الذين شكلوا جزءاً أساسيا من مكوناته.

« اليهود المغاربة » من زاوية مغايرة، اعتاد القارئ على مواضيع تقليدية مثل موقع اليهود في النسيج الاجتماعي المغربي، أو علاقة الملك الراحل الحسن الثاني بهجرة اليهود إلى إسرائيل، أو بالتعايش الذي شكل من خلاله المغرب الاستثناء الإسلامي بين الأقلية اليهودية والأغلبية المسلمة، أو بوفاء الجالية اليهودية لأصولها الوطنية… وينقلكم بشكل غير مسبوق إلى « يهود البلاط » أي إلى مغاربة يهود كانوا على اتصال قوي بالسلاطين المغاربة منذ قرون، أفراد قاموا بدور طلائعي كتجار وكوسطاء بين المخزن والرعية، وبين المخزن والدول الأجنبية.. ما هي أسباب لجوء السلاطين المغاربة إلى خدمة اليهود؟ ما هي السلط التي كان يتمتع بها « يهود البلاط »؟ وما هي الوظائف والمهام التي كانوا يشغلونها؟

يقول الباحث الأمريكي دانييل شروتر: « لا يوجد في العالم الإسلامي بلد احتل فيه الوسطاء اليهود مكانة جد مهمة كما هو الشأن في المغرب »، ويؤكد كل من جيرمان عياش وحاييم زعفراني أن اليهود المغاربة كانوا دوماً متعلقين بالعرش في المملكة الشريفة.. هل لأنهم كانوا أقلية في حاجة إلى حماية السلطان؟ أم لأنهم توفروا على قدرات استثنائية وعبرها كانوا ينالون الحظوة في المملكة الشريفة؟

أسئلة وغيرها تجدونها في هذا الملف الذي تنفرد من خلاله « المشعل » في رصد عالم « يهود السلطان ». عبر نماذج من الأعلام اليهود النافذين في حظيرة القصر الملكي وبالتركيز على شخصية مقنين كما تتبع خيوطها الباحث الأمريكي دانييل شروتر المهتم بتاريخ الأقليات اليهودية في العالم الإسلامي، في كتابه الموسوم بـ « اليهود السلطان: المغرب وعالم اليهود السفرد » الذي قام بتعريبه الباحث المغربي خالد الصغير.

سلالات يهودية وجدت نفسها في قلب بلاط المملكة الشريفة



يهود السلطان: رعايا وذميون بامتيازات خاصة  

في منتصب الأربعينيات، وبمناسبة عيد العرش استقبل السلطان محمد الخامس وفدا عن اليهود، وحسب ما ورد في تقرير سري للاستخبارات الاستعمارية المرسلة إلى باريس، أكدت الإقامة العامة أن السلطان قال لمجالسيه من اليهود المغاربة: « أنتم من رعيتنا كالمسلمين ولهذا أحميكم وأحبكم، فكونوا على يقين من أنكم تجدون عندي دائما ما تحتاجون إليه من المساعدة، اسألوا المسنين منكم، سيخبرونكم أن جدي المجيد مولاي الحسن، كان صديقا مخلصا لليهود وأنه أظهر لهم غير ما مرة عنايته.

إن أجدادكم عرفوه بهذه الصفة وكانوا يحبونه محبة مخلصة، إنني أؤكد لكم أنني عازم على الإبقاء لكم ولإخوانكم، على نفس التقدير ونفس العناية، هذا العيد عيدنا وعيدكم ».

مباشرة بعد توليه عرش المملكة، التقى الملك محمد السادس مع ممثلي اليهود المغاربة وخاطبهم قائلا: « ليس لدى اليهود ما يثير قلقهم.. إنني عاقد العزم على مواصلة السير على طريق جدي الملك محمد الخامس ووالدي الحسن الثاني، فاليهود هم مواطنون مغاربة كاملو المواطنة وعليهم أن يشعروا بأنهم يعيشون في دولتهم ».

بين ما قاله السلطان الجد والملك الحفيد أكثر من سبعة عقود، تغير المغرب وانتقلت المملكة الشريفة من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وعمت الكون أحداث عظام غيرت من خريطة العالم، لكن موقف الملكية بالمغرب من اليهود ظل ثابتا: « اليهود مواطنون مغاربة يعيشون في دولتهم المغرب ».

عائلات يهودية في خدمة السلاطين المغاربة

إنهم تجار السلطان.. عائلات يهودية بارزة كان لها موقع تجاري متميز، واستمدت نفوذها من ثروتها وذكائها وخبرتها وتنوع مجالات نشاطها وأيضا من الحماية الشخصية التي كان يوفرها لها السلطان، فاعتبروا وكلاء رسميين لدى البلاط السلطاني، كما هو الحال مع التاجر شلومو قرقوز على عهد الخليفة محمد بن عبد الرحمان، وإلياهو ليفي الذي كان أحد أكبر الوسطاء اليهود في البلاط العلوي، تقوت مكانته بعد وفاة صاموئيل سومبال، لكن انقلاب أحوال المملكة على عهد المولى اليزيد، سيدفع السلطان لإلقاء القبض على ليفي الذي رمي به في السجن، لكنه سيعلن إسلامه ويعود من جديد كوكيل للأعمال التجارية باسم السلطان، ويورد حاييم زعفراني في كتابه « يهود الأندلس والمغرب » قائمة كبيرة ممن أسماهم بـ « الأوليغارشية » اليهودية التي ينحدر أغلب عناصرها من عائلات أرستوقراطية عريقة، أغلبهم رقي إلى مراتب سامية كبرى، وبعضهم أصبح متحكما في رؤوس الأموال وفي الأعمال التجارية الكبرى للدولة..

بعض هذه العائلات كان يتوارث المناصب والمهام والمسؤوليات داخل البلاط الملكي عبر أجيال، وشغلوا أساساً مناصب في الدبلوماسية والتجارة أمثال: عائلة روتي، بلاشا، ميمران، طوليدانو، أبناء عطار، روزاليس، سانانيس، كوركوس وليفي يلي وبن دنان وسرفاتي وبن زمير وكانسينو وإلمليح..

منذ الدولة المرابطية كان لنجباء اليهود وتجارهم الكبار موقع الحظوة في البلاط السلطاني، ويورد بن خلدون في كتابه « تاريخ العبر وديوان المبتدأ والخبر » أسماء الكثير من العائلات التي وصلت إلى مراكز متقدمة في مراكز القرار في الإمبراطورية الشريفة، أمثال آل وقاصة، التي نجح بعض أفرادها في أن يصبح حاجبا للسلطان، مثل خليفة بن وقاصة الذي عظم نفوذه وتقوت شوكته على السلطان أبي يوسف يعقوب، وعين أفراد من عائلته في هرم الجهاز الإداري السلطاني، بينهم الوزراء والعمال، ولم يكن خليفة بن وقاصة في البداية سوى عاصر لخمر السلطان وساق له، قبل أن يتحول إلى نديم، ويصبح وعائلته آمراً ناهيا.

موسى أفلالو: خادم السلطانين المولى الحسن والمولى عبد العزيز

أحد أبرز النخبة اليهودية التي كانت مقربة من البلاط السلطاني، قدم خدمات جليلة لكل من السلطانين المولى الحسن الأول والمولى عبد العزيز، فبرغم إقامته في قلب العاصمة البريطانية نجح موسى أفلالو في إقامة علاقة قوية مع النافذين في قلب مملكة التاج البريطاني، ستسمح له بأن يصبح مفاوضا باسم السلطان على المستوى الدبلوماسي والتجاري، وكان وسيطا بارعاً بين الإمبراطور المغربي والحكومة البريطانية، التي حصل منها على ذخائر وأسلحة للحرب ومؤن تسد حاجة السوق الداخلية للمملكة الشريفة، وكان موسى أفلالو بحكم سعة إطلاعه يقوم أيضا بدور السفير المغربي والوكيل الإعلامي الذي ينقل للسلطان كل ما يقال وينشر عن المغرب والعالم الإسلامي في بلاد الفرنجة..

ويعتبر موسى أفلالو أحد مشاهير اليهود المغاربة الذين نالوا الحظوة لدى البلاط المخزني، وتكلف بمهمات جسيمة خاصة مع الإنجليز.

صاموئيل سومبال: الوكيل الدبلوماسي وكاتب السلطان سيدي محمد بن عبد الله

بزغ نجم صاموئيل سومبال في أواسط القرن 18، وقد قربه السلطان سيدي محمد بن عبد الله، لثقافته وإطلاعه الواسع، وبحكم موقعه التجاري، حتى أصبح الوكيل الدبلوماسي للسلطان المكلف بالعلاقات الخارجية، ووسيطا بين البلاط الشريف وتجارة المراسي، بل سيصبح الكاتب اليهودي الرئيسي لسيدي محمد بن عبد الله الذي اعتمد على موقع سومبال لإنشاء مدينة الصويرة عام 1764 التي نجح في تحويلها إلى أكبر مركز تجاري بالمملكة الشريفة.

قام صاموئيل سومبال باختيار عشرة من أكابر التجار اليهود منح لهم امتيازات خاصة باسم السلطان لإعمار المدينة الجديدة، تجار نافذون في الدول الأوربية ولهم شبكة من العلاقات كان يعتمد عليها السلطان في شؤون التجارة أو في علاقاته الدبلوماسية بالدول الأجنبية.

كان صاموئيل سومبال متعدد المواهب، فقد تلقى تربية فرنسية في مرسيليا بفرنسا التي أتقن لغتها وثقافتها، وكان يتميز بشخصية قوية جعلت منه مفاوضا بارعاً، كانت له اليد الطولى في بلاط السلطان عبد الله وخلفه سيدي محمد.. الذي استفاد من خدمات سومبال وقدم له الحماية اللازمة، فجمع بين مهام الوسيط التجاري والوكيل الدبلوماسي، والمترجم والكاتب الخاص في البلاط المخزني، لكن طمعه الزائد أوقعه في المحظور، بعد أن تقوى نفوذه وأصبح يفرض على الممثلين الأجانب الذين يريدون لقاء الملك، إتاوات، بل تلقى صاموئيل سومبال رشاوى من الدول الأجنبية، وهو ما وصل إلى علم السلطان سيدي محمد بن عبد الله الذي استشاط غضبا، فحاول سومبال الفرار في زي إسلامي إلى غينيا، لكن أعين السلطان أدركته فألقي عليه القبض ونقل إلى سجن سلا، قبل أن يعفو عنه السلطان بفضل وساطات يهودية وأيضا بسبب عدم وجود شخص يماثله في الذكاء والخبرة، فأعاد تعيينه كاتبا أول. كتب المؤرخ هوشت عن هذه الواقعة قائلا: « كثيراً ما وضعت وفاة صاموئيل سومبال السلطان في حالة من الحيرة والارتباك، لأنه افتقده كثيراً، ولم يستطع العثور على الشخص المناسب القادر على العناية بشؤونه، بالقدر نفسه من المثابرة والذكاء اللذين كان يتحلى بهما هذا اليهودي » (عن كتاب تاريخ الإمبراطور »).

وقد توفي سومبال مسموما بمدينة طنجة عام 1782.

هارون بن مشعل اليهودي المستبد الذي حول تازة إلى مملكة خاصة وانتهى بشكل مأساوي

عائلة مشعل، عائلة يهودية عريقة، اشتهرت بثرائها ونفوذها التجاري واعتمد عليها الملوك المغاربة لعقود طويلة.. ولد هرون بن مشعل بوجدة وارثا عن أسرته المجد والثروة والمكانة الاجتماعية في قلب البلاط السلطاني، كان يسكن القصور الفخمة ويتمثل بحياة السلاطين في مدينة تازة التي حول قصبته داخلها إلى حصون منيعة.. في رحلات صيده وخروجه في الساحات العامة، أحاط هرون بن مشعل نفسه بالخدم والحشم، وأدى به غروره إلى الطغيان والجبروت.. كان في البداية يعمل لفائدة السلطان لكن مع نشوء الدولة العلوية سيصبح هرون بن مشعل حاكما على منطقة تازة، كانت له ابنة اسمها زليخة.. شابة مثقفة كانت تقوم بدور المترجم في لقاء أبيها مع القناصل والدبلوماسيين الأوربيين، وكان هرون يتشبه بحياة الملوك يفرض الجزية والأتاوات، ينزع النساء من حضن أسرهن، يحضر الغواني والحسان إلى قصره، يجلس جلسة الأمراء يحتسي الماحيا في لهو وطرب، وفي الصباح يتحول إلى مستبد يجلد هذا وينتزع أرض هذا، ويخطف بنت هذه العائلة ممن لم تقو على تأدية الضرائب التي لم يعد يصل منها إلى خزينة الدولة سوى النزر القليل، وقد كانت نهايته على يد المولى رشيد الذي يقال إنه دخل متخفيا إلى قصر هرون بن مشعل وفصل رأسه عن جسده.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات