القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

قراءة في كتاب الاحتجاج والمقاومة : في مغرب ما قبل الاستعمار (1860-1912) .. إدموند بورك ـ


قراءة في كتاب الاحتجاج والمقاومة : في مغرب ما قبل الاستعمار (1860-1912) .. إدموند بورك 

ذ.إبــراهيم أيت إزي

توحدت أفكار الأوربيين مطلع القرن 19م، خاصة بعيد مؤتمر فيينا 1815، حول السياسة إزاء باقي العالم. اتفقوا ضمنيا على التدخل، أينما دعت الضرورة باسم الحرية. فرفعوا شعار تحرير العبيد، منع تجارة الرقيق، ووضع حد للقرصنة وحماية الجارة والتجار. ولئن فضلت أوربا التأني، قبل تطبيق سياستها في آسيا وإفريقيا الاستوائية، فإنها تدخلت مبكرا في الشمال الإفريقي المجاور لها باحتلال الجزائر سنة 1830، تدخل خلف ضغطا قويا على المغرب، بلد استفحل ضعفه الذاتي الناتج عن قرون من الاستقرار في ظل الانحطاط، ضغط بلغ ذروته سنتي 1844 و 1860. بيد أنه لم يتوقف يوما واحدا، حيث تواصلت التهديدات لكي يفتح المخزن باب البلاد على مصراعيه في وجه التجار الأوربيين.

تأخرت لحظة الحسم وطالت مأساة المغرب حد تعبير المؤرخ عبد الله العروي، بدى عبد الرحمان وبعده محمد الرابع في دور بطل المآساة الذي يخونه القدر فيخيب مسعاه رغم علو همته، ويظهر الحسن الأول في صورة بطل المبكية يتنقل بين أطراف المملكة يرمم هذا الجانب قبل أن يهدم ذاك، ثم يأتي ع العزيز وبعده ع الحفيظ ليشخصا مسرحية مضحكة مخزية حيث ينزلق المجتمع المغربي كله في هاوية لا حد لها[1]. مرحلة عصيبة أسالت الكثير من المداد وتشعبت حولها التأويلات، ومنها هذه المحاولة التي قام بها المؤرخ الأمريكي إدموند بورك III EDMUND BURKE في دراسته المعنونة بـ " الاحتجاج والمقاومة : في مغرب ما قبل الاستعمار (1860-1912) "، والتي سنحاول ملامسة بعض أفكارها وتفكيك قضايا عبر ثنايا هذه القراءة[2].

نشر كتاب " الإحتجاج والمقاومة " لأول سنة 1976 بالإنجليزية عن جامعة شيكاكو، وهو في الأصل رسالة دكتوراه تقدم بها بورك إلى جامعة برنستون، وجرى البحث الأصلي بين المغرب وفرنسا فيما بين 1965 و 1967. لتصدر مؤخرا النسخة المترجمة باللغة العربية للاستاذ محمد أعفيف، وهي من منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط- جامعة محمد الخامس أكدال، سلسلة نصوص وأعمال مترجمة،ر قم 17، سنة 2013، وتقع هذه النسخة في 383 صفحة، من تسعة فصول ولائحة البيبليوغرافيا. 

ينتمي الكتاب على مستوى جنس الكتابة لخانة الكتابات الهادئة البعيدة عن التحامل و الإيديولوجية الاستعمارية. هو كتاب تصححي في غايته وطرقه كما صرح بذلك صاحبه منذ البداية، ولمسناه في ثناياه، حيث يبدو وضحا مدى احترم الثقافة المغربية و في الوقت ذاته، رفض أخذ أقوال أفراد البيروقراطية المغربية والدبلوماسيين ورجال الأبناك الفرنسيين على وجهها الظاهر. هي قراءة بتوجه مغاير للأوربيين الذين ظلوا يرون " المسألة المغربية" من منطلق المراسلات الديبلوماسية المتبادلة بين الدول العظمى والبرقيات المتبادلة بين ممثليها، وكانوا يعتبرون الاحتجاج والمقاومة في مغرب ما قبل الاستعمار مجرد حركات خالية من أي مغزى سياسي أو مجرد فوضى ومظهر من مظاهر التعصب. إذ كانت المقاربة من زاوية المؤرخ الاجتماعي، ومن قناعة تفسير المقاومة في مرحلة ما قبل الاستعمار للمرحلة السياسية المضطربة من تاريخ المغرب. و من منطلق كذلك كون الفعل الإجتماعي، كما قعد لذلك ماكس فيبر، هو صورة للسلوك الإنساني الذي يشتمل على الإتجاه الداخلي أو الخارجي الذي يكون معبراً عنه بواسطة الفعل أو الإحجام عن الفعل.   
 
كان اختيار المجال المغربي في هذه الدراسة، نابعا من كونه أنموذج متميز يتيح إمكانية ملاحظة آثار الإدماج في النسق العالمي الحديث، سيما وقصر المدة الزمنية وتأخر مراحل التعدي الاوربي عليه. وقد شكلت المصادر الأوربية المنشورة منها وغير المنشورة قاعدة هذا العمل، والتي بحكم كثرتها يقول الباحث تخفف من حدة وطأة طابعها الأصلي، علاوة على المصادر المغربية المنشورة، على اعتبار أن أرشيف المغرب لم يكن مفتوحا أمام الباحثين أثناء شروعه في كتابة الموضوع ( سنة 1965)، علاوة على استجواب ضباط الشؤون الأهلية والمجاهدين المغاربة. لذلك فهي محاولة من بورك لكتابة التاريخ المغربي من وجهة نظر مغربية اعتماد على المصادر الأوربية، دراسة للطرق التي تعامل بها المغاربة حينئذ مع التغيرات السريعة وما واكبها من تفكك اجتماعي. متوسلا بمنهجية الشمولية في دراسة الظاهرة، أي المقاومة والاحتجاج في المغرب ككل، على صعيد النخبة وعلى الصعيد الشعبي. وليس بمنطق الميكروتاريخ و الاقتصار فقط على جماعة بعينها أو منطقة دون أخرى، بالانطلاق من أطروحة فرضيتها وجود حركة مقاومة وطنية قروية في فترة ما قبل الحماية، من غير تلك التي تزعمتها النخبة، والتي تستمد جذورها من الاسلام.  ومقاربتها في إطار الاقتصاد العالمي،كما نادى بذلك ع الله العروي قائلا " أن تاريخ عهد الاستعمار لا يمكن أن يكتب موضوعيا إلا في إطار الاقتصاد العالمي. بمعنى أن المؤثر الأول والأساس في حياة المستعمر والمستعمر معا هو منطق السوق الدولية"[3].

   كان المنطلق في هاته القراءة في هو المجال من قناعة لدى الباحث مفادها أن كل الأقاليم كانت محكومة بالإيكولوجيا والدين ومسالك التجارة في إطار عضويتها في الكيان المغربي [4]، ومؤكدا " أنه بسبب التضاريس نادرا ما تشكلت في المغرب حكومة مركزية قوية، وأن معظم البلاد ظل جل الأوقت حرا من التبعية المباشرة للحكومة المركزية"[5].

تميز هذا المجال فيما قبل الحماية بالحضور الدائم لثورات القبائل، حضور أثر سلبا على حضارة المدن، حيث كان التجار لا يتجرؤن على استثمار الفائض من رساميلهم في الأراضي. بيد أن الروابط بين الحواضر والبوادي ظلت قوية عبر وشائج التجارة والدين، فهذا الاخير ظل ضابط التواصل والتجارة بصيغ عدة ( العار/ إكرامن / الزوايا/ الشرفاء) . وفيما يخص إدراة الدولة فكانت مخولة لأسر من قبائل الجيش النافذة، وكان المخزن نهاية القرن 19م قد التفت للأسر الأندلسية لثقافتها ومواهبها، الملائمة للمخزن في التغيير وتحديث الدولة. هذا في وقت ظلت مظاهر بدائية النظام أكثر وضوحا بالبوادي ، " وعلى هذا فإن ظهور القياد الكبار لم يكن سوى مثال درامي عن الطريقة التي تأثرت بها التركيبة السياسية في المناطق الفروية جراء التدخل المخزني"[6]. لذلك من المفيد يقول بورك وصف المجتمع المغربي فيما قبل الحماية بأنه صيغة من صيغ الأنظمة الأبوية، حيث تقوم بيروقراطية حكومية غير مكتملة بحكم الشعب، وحيث يمتلك السلطان جل أراضي مملكته ويمنح رعاياه من المخلصين حق الانتفاع من تلك الأراضي جزاء ولائهم. واقتصاديا لم تكن له معاملات تحارية مهمة مع الغرب، وظل منكبا على تلبية الحاجيات البسيطة لساكنة زراعية في غالبيتها، وصناعة تقليدية محدودة. وبما أن المغرب لم ينجح أبدا في خلق مدن حرة أو توليد بورجوازية مستقلة كما نجحت أوربا الغربية، فإن السياسة أضحت فيه عبارة عن سلسلة من المتغيرات في إطار شبكة من العلاقات الزبونية أو علاقات السادة والأتباع[7]، هي صورة مجتمع إذن في مأزق .

يذهب الباحث إلا أن معالم هذا الضعف ستتبدى بقوة مع حدث تطوان 1860، الذي شكل صدمة قوية على المغاربة، بعد انتصار قوة أوربية صغيرة أجبرتهم لأول مرة علىى مواجهة الحقيقة المرة والاعتراف بتأخر المغرب. ولعل في وصف الناصري لها دلالة قوية بقوله " الشيء يقاوم بمثله فالتنافي إنما يحصل بين الضدين أو المثلين وحربنا وحرب الإسبنيول كانا من باب الخلافين"[8]. فقد اهتز الاستقرار الاقتصادي النسبي عبر عدة مظاهر : تزايد تداول العملات الأجنبية/ إفلاس الدرهم الفضي/ فرض ضرائب جديدة/ ارتفاع الاسعار ...تغيير مفاجئ نجم عنه اضطراب اجماعي انطلق من السواحل ليعم تدريجيا المناطق الداخلية للبلاد.

ولإن نجحت حنكة الحسن الأول ومهارته السياسية في ترويض معظم محاولات التمرد والابقاء على حالة الخضوع والتبعية. إلا بدأ ميزان القوى بين المخزن والقبائل، بعد وفاته، سيرجح باضطهاد الأخيرة. كما أن احتياجات المخزن الجبائية المتسارعة حملت الإدارة على العدوانية والخشونة في تحصيلها، فتواترت بذلك حركات الاحتجاج بالبوادي وبدأ الأمن يضعف. ينتقل بنا بورك بعد ذلك لرصد جوانب الضعف كذلك في النظام التعليمي الذي ظل تقليديا يركز على التكوين الديني الاسلامي عبر حفظ النصوص المقدسة واستظهارها. وظلت الأفكار السائدة لدى النخبة المغربية، اسثتناء اليهود، هي تلك التي تسربت من المشرق[9].

إجمالا فالمغرب الذي تأخر عن باقي دول المشرق الأوسط في مطلع القرن التاسع عشر، ظل متلكئا ومتخلفا عنها حتى نهاية القرن ، على الرغم من أنه لامس وخبر خلال تلك الفترة تغيرات بعيدة المدى، إلا أنها ظلت حكرا على السواحل. فالسنوات الأربعون التي تلت حرب تطوان ذهبت سدى، وهكذا تخطى المغرب عتبة القرن العشرين وهو لا يتوفر إلا على ثلة قليلة داخل النخبة تستحسن سياسة الاصلاحات، التي أظهرت أول شرخ في البناء الهش الذي عمل باحماد على صيانته بعناية. فتنزيل إصلاحات جبائية (إصلاح مارس 1901 الترتيب) وإدارية ( تعيين أمناء بالبوادي لجانب القياد)، وعدم شرح حيثياتها للقبائل وطلب رأي العلماء عجل بإجهاض المحاولة، في حين يورد الباحث أنه "لو جرى تنفيذ إجراءات الاصلاح بنجاح، فإن ذلك كان سينتهي إلى ثورة جتماعية جذرية، تؤدي إلى تقويض امتيازات المجموعات ذات النفوذ والقوى شبه الفيودالية، وإلى تحجيم الكثير من نفوذ النخبة الدينية وتغيير النظام الإداري، من نظام قائم رسميا على الطمع إلى بيروقراطية مسؤولة تقوم على أساس المعايير الغربية وعلى أساس الفعالية والاستقامة"[10].

بدا التبذير جليا في حمأة تحديث البلاد في مجالات عدة، تساوقه أرباح طائلة يجنيها الوسطاء الأوربيون ممن احتلوا المواقع الملائمة. وفي هذا السياق يصل الباحث إلى تبرئة السلطان المولى عبد العزيز من تحمل سياسته لإفلاس الخزينة " فحماسة السلطان للمخترعات الأوربية، التي كانت مكلفة ولاشك غير كافية لتفسير التفريغ السريع الذي عرفته الخزينة الشريفة. فالمبالغ المالية الكبيرة، التي كانت ضرورية لتمويل برنامج التحسينات الداخلية هي المصدر الرئيس للعقوبات"[11]، إذ لعب المغاربة كذلك دورا محوريا في خطط الغربيين من أمثال المنبهي / ابنسليمان وغيرهم. 

وفي نظرة استعادية للأحداث يتوقف الباحث عند صعود بوحمارة من تازة، المجال الذي تضرر من قرارات المخزن نهاية القرن 19 القاضية بمنع تصدير الأبقار إلى الجزائر. فخلال سبع سنوات حيث كان السلطان بمراكش كانت قبائله في شبه استقلال عن الحكم المركزي، ليجد بوحمارة بذلك آذانا صاغية واستجابة من قبائل المنطقة خاصة غياثة. استاجبة كانت مستهلا لسلسلة من حركات الاحتجاج الراديكالية التي عمت البوادي المغربية في الفترة الفاصة بين سنتي 1900 و 1912، واتجاه مناطق عدة إلى تقليل خضوعها للمخزن حيث ظهرت توالت نزعات الاستقلال وبرزت شخصيات إقليمية قوية [12]. 

تكمن العوامل الرئيسية المحفزة لتنامي معارضة القبائل في تعاظم الطلبات الجبائية للمخزن المقرونة بالابتزاز، وفي ضعف المخزن أمام التدخل الأوربي. وحتى إن اختلفت الأشكال التي اتخذتها هذه الحركات إلا أنها ظلت اختلافات ضئيلة، فكلها كانت تهدف إلى بناء تحالف واسع النطاق بين المجموعات الحضرية والقروية وكلها كانت تتمحور حول العرش.

من جهة أخرى سيحسم مآل المغرب الذي ظل غير محدد بحكم الصراع البريطاني الفرنسي، فثورة بوحمارة وإبرام قرض 1903 مع فرنسا، كانا بمثابة الإعلان عن فشل الاصلاحات التي أوحت بها بريطانيا. فشل ترك الباب مفتوحا أمام الهجمة الديبلوماسية الفرنسية على المغرب، حيث بدأ التدخل الفرنسي مع سياسية ديلكاسي أو ما اصطلح عليه بـ" التدخل السلمي" خريف 1903، عبر إبعاد القوى الغربية من جهة[13]، وتعزيز الوجود الفرنسي بالمغرب من خلال إبرام قروض كبرى مع المخزن و إدخال إصلاحات بتعاون معه من جهة ثانية.

سارت الأمور في البداية بشكل جيد فالحرب ضد بوحمارة استنزفت خزينة السلطان، ومع تراجع بريطانيا تم إقصاء المنبهي ليخلفه وزراء جدد استحسنوا آخذ القرض من فرنسا[14]، " ومن ثم أصبحت لعبة المخزن القديمة التي كان يقارع فيها المقرضين بعضهم ببعض غير مجدية، بينم تقلصت على نحو كبير الأرباح والرشاوى والعمولات التي شكلت ثروات اكثير من المسؤولين." [15]. لتبدأ بذلك المقاومة.
كانت قيمة الدين 625 مليون فرنك بفائدة 5% يؤدى خلال 35 سنة، وتوضع 60% من عائدات الجمارك المغربية كضمان للقرض. ما أدى لاشتداد الاحتجاج خاصة مع زيارة العالم المهيب محمد بن الكبير الكتاني[16] ، وبعثة من العلماء لدار السلطان، حيث قدموا له جملة من المطالب عكست حدة التطرف الذي وصلت له نخبة فاس. 

كما ولد تزايد الغطرسة الفرنسية في ادعاءاتها حول المغرب، لدى الدوائر الصناعية والكولونيالية الألمانية رغبة قوية للدخول على الخط في القضية المغربية. ما أدي للرفض النهائي لمقترحات الاصلاح الفرنسي، وإصدار المغرب دعوة لعقد مؤتمر دولي يحضره كل الموقعين على مؤتمر مدريد 1880. كانت فكرة المؤتمر قد انبثقت عن اقتراح تقدم به ع الله بن سعيد أحد أعضاء مجلس الأعيان، وتلقفتها ألمانيا وكستها بدعاية واسعة، اعترضت عليها فرنسا في البداية، غير أن سقوط حكومة ديلكاسي سيؤدي لعقد مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906. شكلت نتائجه صدمة قوية للمخزن، وكانت المصادقة على مقرراته بمثابة إعلان عن قطيعة تامة بين السلطان وأولئك المغاربة الذين يؤيدون الاستمرار في مقاومة فرنسا. 

قراءة في كتاب الاحتجاج والمقاومة : في مغرب ما قبل الاستعمار (1860-1912) .. إدموند بورك ـ
مؤتمر الجزيرة الخضراء

استمرت السياسة الفرنسية بعد ذلك على نفس نهج ديلكاسي " التدخل السلمي" وإرساء إصلاحات بتعاون مع المخزن، التي تم تنزيلها عبر :
-  إقامة شرطة دولية في المراسي.
-  وضع وكلاء أوربيين للإشراف على عمل الأمناء.
-  إقامة مستوصفات طبية في مدن عدة.

في وقت عمل فيه التراجع الاقتصادي الذي ساد ما بين 1905 و 1907 على مفاقمة خطورة المناخ السياسي المعكر أصلا، فمع نقصان المحاصيل وارتفاع نفوق الماشية، انتشرت المجاعة والأوبئة وانعدم الأمن، وتزايد بذلك الإعتداء على الفرنسيين (الاعتداء على شاربونييCharbonnier بطنجة واغتيال موشان Mauchampsبمراكش)[17]. ليتحول الموقف الفرنسي نحو منطق القوة للدفاع عن مصالحه بالمغرب، فكان حدث احتلال وجدة. " فأذاع السلطان م ع العزيز عقب ذلك رسالة لام فيها المغاربة على سلسلة الأحداث الأخيرة التي شملت هجومات متكررة على الفرنسيين، ما أثار تعليقات غاضبة عندما قرأت على منابر المساجد .."[18]. ليزداد معارضوا السلطان الشاب. 

كانت ساكنة البوادي في ظل هذه التحولات غير منخرطة كليا في تحديد مصير المغرب، بيد أن وضعها تغير وأضحت منخرطة على نحو متنام منذ ذلك التاريخ. ومرد ذلك لارتفاع قيمة الجبايات كنتيجة لسعي المخزن لتقوية ذاته. لذلك نجد أنه مع استدعاء المخزن قياد الشاوية بمعية فرق النايبة العسكرية لمواجهة بوحمارة، انطلقت ثورات الفلاحين، نموذج قبيلتي أولاد بوزيري وأولاد سعيد بالشاوية، وكانت موجهة ضد وكلاء المخزن. ما فتح الباب أمام الحركة الحفيظية، سيما وأن المولى عبد الحفيظ (1876-1934) بثقافته العالية ومهاراته في الإدارة وشبهه القوي بأبيه، سرعان ما لقي استجابة شعبية قوية لحركته. 

اعتمد بورك في تفكيك خيوط هذه الحركة على الضابط مارتان Martin [19]، الذي أورد أن انبثاقها كان من تآمر جمع عبد الحفيظ بالمدني الكلاوي خلال لقاءات بدأت منذ خريف 1904. لكن لم يحدث تقدم مهم في الحركة إلا أواسط 1906 بعد مصادقة المولى عبد العزيز على ميثاق الجزيرة الخضراء. حيث أضحى معلوما لدى الجميع أن عبد الحفيظ يهيئ لإعلان نفسه سلطانا على البلاد. غير أن حدث اغتيال موشان في 19 مارس 1906 أدى لاستفحال التوتر بمراكش، ليجد بذلك عبد الحفيظ نفسه في وضع محرج، فكل حركة متسرعة ستحمل معها علامات انتقام فرنسية، والمفاوضات الرامية لتعاون القواد مع مشروع الثورة لم تنته بعد. 
لكن تقدم القوت الفرنسية بالشاوية أعطى دفعة قوية للحركة، حيث عمدت قبائل المنطقة إلى مبايعة المولى عبد الحفيظ من أجل الجهاد، ووصلت الرسالة لمراكش في 16 غشت 1907. فكانت سندا لعقد اجتماع تمت فيه مبايعة م ع الحفيظ، وهكذا جرى تعيين المدني الكلاوي في منصب العلاف الكبير/ وزير الحرب، وعين عيسى بن عمر العبدي وزيرا للبحر/ وزير الخارجية، وعين المتوكي وزيرا للشكايات/ العدل، وكانت المالية للطيب التازي. وقد " شكل هذا التمرد الذي حدث في غشت 1907 حدثا غير مسبوق في تاريخ المغرب، لما مثله من تعاون وثيق غير معهود بين أمير من الدولة العلوية وزعماء أمازيغ من الأطلس الكبير الغربي"[20].كان هذا تغييرا جذريا في تركيبة المخزن يورد بورك، فالسلطان عوض طبقة الفقهاء الواهنة بزعامات قبلية شبه فيودالية، كما أنشأ نظاما يمثل المصالح الحقيقية والفعالة للبلاد، وليس بيروقراطية معزولة من ساكنة المدن، وخلال أسبايع قليلة تواصلت بيعته من طرف قبائل ومدن الجنوب. 

لم تنجح محاولات المولى عبد العزيز، إصدار فتوى من علماء فاس تؤكد شرعيته وإقناع قبائل الشاوية بالصلح، لتدارك الأزمة، ليرحل نحو الرباط حيث يمكن أن يكون أكثر أمانا، في وقت أعلنت فيه فرنسا الحياد. برحيل السلطان عن فاس تأزمت أوضاعها أكثر وشاع النهب وتعرض لغارات القبائل المجاورة التي تضررت من المكوس. وتحت ضغط الجماهير التي تجاوز عددها 000 40، أعلن علماء المدينة على لسان القاضي أن السلطان عبد العزيز يجب أن يخلع. لتعلن بعذ ذلك وتحديدا في 3 من يناير 1908 بيعة عبد الحفيظ التي نصت على إلغاء شروط الجزيرة الخضراء وكل الامتيازات الأوربية وتوثيق الصلات مع الدولة العثمانية. وبهذا التوقيع ضمن النجاح الفعلي للحركة الحفيظية.

بيد أنه سرعان ما سيساوق وصول السلطان عبد الحفيظ للشمال حدوث انشقاق هام داخل الحركة، حيث غادر المتوكي معسكر السلطان الجديد قاصدا الجنوب، هذا في وقت بدأت تتضايق فيه بورجوازية مراكش من حكم الكلاوي الذي كان ملحا في أداء الضرائب. سيستغل السلطان المخلوع الوضع ليتوجه صوب مراكش على رأس محلة قوامها 4000 رجل، لكن ورغم نجاحها في عبور واد أم الربيع ستشل على يد قوات علال الكلاوي قائد دمنات في موقعة بوعشيبة يوم 19 غشت.

ليفر المولى عبد العزيز نحو البيضاء حيث أعلن تنحيه عن العرش، غير أن ذلك كان في سياق تصدع الحركة الحفيظية فقواد الجنوب الكبار (الكلاوي / المتوكي/ العبدي) قرروا الابتعاد عن عبد الحفيظ وحكومته وعدم التدخل في شؤونه. والكتاني أعلن عدم رضاه عن السلطان الجديد لجنوحه نحو الاعتدال ورفضه البيعة المشروطة والمطالبة بصياغة بيعة أخرى دون شروط. أضيف لهذا عودة السلطان الجديد لإقرار المكوس ومصادرة ممتلكات الأسر المخزنية الكبرى التي عمل أفراده في مخزن المولى عبد العزيز، لعجزه عن أداء رواتب فرقه العسكرية، ما خلف استياء عارم وسط تجار فاس. سيما وتعيين كل من أحمد الجاي محتسبا للمدينة والطيب المقري وزيرا المالية وهما المعروفان بسمعتهما السيئة، إذ كانا من أنصار السلطان المخلوع، لتأخذ بذلك الحركة مسار التشتت، لتوالي عراقيل عدة :
- توقعات مالية قاتمة غير مشجعة.
- استمرار القوات الفرنسية في احتلال مناطق شاعسة.
- غياب جيش قوي يمكن الاعتماد عليه.
- رفض السلطان قبول شروط الجزيرة الخضراء يعني الحرمان من الوصول لمداخيل الجمارك التي كانت توضع حينئذ في بنك الدولة.

لذا أضحى التفاوض مع فرنسا أمرا حتميا لا مفر منه غير أن الشروط التي سيفرضها ذلك ستكون قاتلة للحركة الحفيظية. إذ اعترف السلطان في مراسلة بتاريخ 09 يناير 1909 إلى ممثلي القوى العظمى بطنجة، بالديون التي أخذها سلفه ودفع استحقاقتها، وقبل ميثاق / شروط الجزيرة الخضراء وتأدية كل التعويضات، إضافة لتعويض تكلفة حملتي الشاوية ووجدة. ما قاد نحو انجراف خطير في الحركة (وصل حد مهاجمة السلطان عبد الحفيظ من طرف بدوي)، و عجل بترك السلطان لفاس والعودة لمراكش الأكثر أمنا بالنسبة له. 

تأزم الوضع أكثر مع توقيع قرض في ماي، كانت قيمته الظاهرة 90 مليون فرنك مقابل شروط قاسية، منها تعهد المخزن بوضع ضمان 40 % المتبقية بيده من مداخل الجمارك والضرائب وعائدات التبغ ومداخيل أراضي الدولة. وأجيز كذلك للجنة مراقبة الدين ولأول مرة تحصيل واجبات الجمارك وليس مجرد مراقبة الأمناء[21]. هذا في ظرف كان فيه الخنق واضحا، بدءا برفض السلطان البيعة المشروطة ثم قتل العالم الكتاني وإحياء العمل بالقصاص الشرعي(بتر الأطرف) ، الذي نفذ في العديد من أتباع بوحمارة. وصولا لقضية بن عيسى (باشا مكناس وأحد أعمدة الحركة الحفيظية) الذي اختفى ولم يعرف خبره.

لينزوي الجهاد إلى ركن اللامفكر فيه ويكسر أفق المراهنين على الهبة الحفيظية لمواجهة المحتل، وتنقلب العلاقة من ترحيب واحتضان إلى نفور واستهجان، بعد أن عاد السلطان خطوتين للوراء مفضلا " النهج الاسماعيلي"[22]. ويتأكد ما كان يروج من صورة نمطية عن السلطان أنه طاغية متعطش للدماء. ويتقوى التيار الفرنسي الداعي إلى التدخل السريع في المغرب، بعد أن ساهمت عوامل عدة في تقويض دعائمه. 

في الوقت الذي لعب فيه الجيش دورا أساسيا بالمشرق العربي في الإطاحة بالأنظمة التقليدية، لم يقم مثيله بالمغرب بأي دور على الإطلاق. لذلك اطلع أعيان القبائل بدور التغيير ، ولم يكن مفاجئا ألا يستصيغ هؤلاء الاصلاح بسبب انقسامهم والتنافس. نفس الأمر ينطبق أيضا على طبقة العلماء، رغم اتصالهم ومعرفتهم بالتيارات الفكرية السائدة بالمشرق، نظرا لعبئ المعتقدات والممارسات الدينية الشعبية. علاوة على أن هؤلاء لم تكن لهم مواقع في السلطة الرسمية، إذ عملت إصلاحات المولى عبد الحفيظ على تهميش فريق مهم منهم. وعكس بيروقراطية المشرق،الدولة العثمانية تحديدا، التي انضمت للجيش العصري، وأطاحت بالنظام القديم، فإن مثيلتها المغربية، ورغم التجربة والمعرفة بأحوال العالم نموذج المقري، لم تتلق تعليما عصريا على النهج الغربي.

مجال آخر عكس الضعف البنيوي للمغرب مقارنة بالمشرق كان هو التعليم، فعبر ترجمة الكتب العامة والمدرسية الغربية وإنشاء مدارس لتكوين نخبة على النمط الغربي، تمكن كل من مصر وإيران والدولة العثمانية من الانتقال السريع للانخراط في سلسلة من الاصلاحات الواسعة. فكان بذلك فشل الحركة الحفيظية في إحداث تغيير دم أمرا حتميا إلى حد ما. 

تبقى هذه الحركة يقول بورك "حدثا وطنيا حقيقيا ذو أهمية كبرى، لعله الأول في تاريخ المغرب الذي أثر في عدد كبير من سكان المغرب. ففي هذه الفترة الزمنية كانت خطوط الانقسام مرسومة وموسومة بصراع الأخ ضد أخيه. فبعد مرور سنوات طوال لا يزال كبار السن يتذكرون بخفقان عاطفي من كان من الناس عزيزيا ومن كان حفيظيا وهكذا شكلت الحركة الحفيظية ظاهر جديدة في تاريخ المغرب" [23]. إذ لم تكن إعادة تمثيل لمقاومة القرن 15م، ولم تكن في مجملها حركة جهادية، ولم تصل لمستوى الثورة الشعبية. حركة أخذت جذورها من تآمر دبره أعيان الأقاليم والقبائل معية أمير من الأسرة الحاكمة، وتغذت من معارضة قوية من طرف العلماء، وحيف اقتصادي عميق، وارتوت من مشاعر قوية تدعو للجهاد. هذا التحالف رغم هشاشته حقق هدفه الرئيس الإطاحة بسلطان وتعيين آخر، ومنذ ذلك الحين تحول المغرب جذريا ولم يعد أبدا إلى سالف عهده.

سيطرت أسر كل من الكلاوي والمقري نهاية 1910، على أهم المناصب والوزارات المخزنية الأساسية[24]، ما خول لهم امتيازات مادية مهمة. فآل المقري كانت لهم رشاوي مهمة من مفاوضات حول اتفاقيات 1910 ومن القروض وشراء الأسلحة، وآل الكلاوي تمتعوا بنصيب من الضرائب المستخلصة من القبائل. إلا أنها سيطرة كانت حبلى بالعديد من المشاكل والعواقب الوخيمة، فالأساليب التي اعتمدها وكلاء الكلاوي بالشمال سرعان ما أنذرت بإفساد حسابات السلطان. وهنا استحضر الباحث انتفاضة 1911 التي ظهرت وسط حوز فاس ومكناس، بزعامة بني مطير، نتيجة التظلمات التي لحقتهم بعد التفافهم حول الكتاني. 

انطلقت الثورة بعقد لقاء بأكوراي جنوب مكناس، جمع قبائل بني مطير وزمور وبني ملكيد وكروان وبعض الشرفاء. حيث تبلور مخطط كان يقضي بالذهاب لفاس قصد تخليد ذكرى المولد انبوي، وهي المناسبة التي اعتاد فيها السلطان وحاشيته استقبال وفود القبائل رسميا. غير أنه اندلعت قبيل إتمام المخطط، في متم فبراير، ثورة بين قبائل الشراردة بسبب إقدام عملاء الكلاوي على استخلاص الضرائب منها، رغم كونها قبيل جيش مصفاة. أرسل السلطان محلة لإخماد التمرد على رأسها العلاف الكبير محمد الكلاوي ورئيس البعثة العسكرية الفرنسية الكولونيل إميل مانجان. ومع انشغال المخزن بثورة الشراردة كان المسرح قد هيئ لينتقل المتآمرون للتنفيذ مخططهم، فتم حصار فاس ومبايعة مرشح جديد للعرش، كان هو مولاي زين العابدين أخ السلطان، وفي نفس الوقت جرى تعيين مخزن جديد اتخذ من مكناس مقرا للقيادة. 


توصل المولى عبد الحفيظ في ظل هذه المتغيرات لخلاصة مفادها أن المساعدة العسكرية الفرنسية أمست ضرورية. لتتم بذلك صياغة ملتمس رسمي في 27 أبريل، يطلب فيه المخزن إرسال قوات فرنسية لتخفيف الحصار. لتصل في 21 ماي فرقة عسكرية مكونة من 25000 رجل إلى فاس، قادمة من الساحل بقيادة إميل مانجان لتخلص فاس من محاصريها. بيد أنها خلفت غضبا عارما وسط أهل فاس لأنهم ظنوا أن الحملة كانت بقيادة الأمراني لكن اكتشف العكس. 

احتلت انتفاضة 1911 مكانة راسخة في تاريخ المغرب، وذلك راجع للدور الذي قامت به في تسريع فرض الحماية الفرنسية على المغرب حيث أبعدت نهائيا الأطماع الألمانية بعد تسوية الأزمة الفرنسية الألمانية الثانية التي أعقبت الحملة، جاعلة بذلك "الطريق سالكا أمام تحقيق حلم إفريقيا الشمالية الموحدة الذي طالما داعب مخيلة جيل من الفرنسيين ذوي النزعة الكولونيالية"[25]. تسوية أدرك من خلالها السلطان أنها ستكون آخر مسمار في نعش استقلال المغرب، فبادر هو لاقتراح صيغة لتنظيم الوجود الفرنسي بالمغرب في شكل مذكرة في 01 أكتوبر 1911. اعتبرها علال الخديمي الأصل في معاهدة الحماية الموقعة يوم 30 مارس 1912[26].

تزامن التوقيع على معاهدة فاس وما ساوقه من تدهور المناخ السياسي بفاس مع القرار الفرنسي القاضي بالسير قدما في إدخال إصلاحات داخل الجيش. وهو ما حمل في طياته جملة من الترتيبات المعقدة (تقليص الرواتب/ إصدار الأوامر بالفرنسية بدل العربية...). فكان ذلك منطلق لتمرد وسط طابورين من عسكر السلطان ليشمل كافة الجنود ضد تعسفات الضباط الفرنسيين،وسرعان ما التحق سكان المدينة بهذه الحركة. استمر التمرد إلى غاية 19 أبريل، ما جعل بوصلة الحماية الفرنسية تميل لتعيين جنرال من الجيش لمنصب المقيم العام، بدلا من تعين مدني. فاختير ليوطي في 27 أبريل، ليصل إلى فاس في 24 ماي، حيث جرى استقباله يورد بورك تحت نظرات زائغة ووجوه كئيبة لساكنتها، ولم تكد تمر 24 ساعة على وصوله حتى تعرضت المدينة لهجوم قوي، " أظهر أن قبائل المنطقة لها رغبة في إهمال انشقاقتها في سبيل قضية موحدة تعمل من أجلها"[27]. ما جعل ليوطي وخبراء وزارة الحربية يتبنون الحذر الشديد والاقتصار على إدارة المناطق التي جرى احتلالها سابقا، أي الشاوية و الغرب وشريط ضيق يمتد من الساحل إلى فاس، أما باقي المناطق فيمكن أن تخضع لنفوذ فرنسي غير مباشر.

حاول ليوطي تدارك الأخطاء السابقة عبر تضميد جراح البورجوازية الفاسية، وربط الصلة بعدد من الشرفاء والأعيان النافذين، وإخراج القوات الفرنسية من فاس، ومنح امتيازات لطلبة القرويين والمقيمين بالمدارس و فتح الزاوية الكتانية التي أغلقها عبد الحفيظ سنة 1909، علاوة على مراسلته لقياد الجنوب الكبار. وبخصوص السلطان الذي ظل يرفض التوقيع على الظهائر التي تعرض عليه، في انتظار حصوله على امتيازات، فقد رتب ليوطي لنقل البلاط إلى الرباط في 06 يونيو1912. قبل أن يصل ليوطي لموقف يقضي باستبعاد ع الحفيظ لأنه يعرض الحماية للخطر.

وافق عبد الحفيظ، بعد مفاوضات عدة ومساومات اتسمت بتشنج شديد، على التنازل عن العرش مقابل معاش سنوي قدر بـ 15.000 جنيه استرليني، وضمان الإقامة بطنجة وقائمة طويلة من الممتلكات. ومقابل ذلك تنقل السلطة ليوسف، وهو تم فعليا يوم 12 غشت 1912، "فدخل المغرب في عهد جديد من تاريخه، عهد يقوم فيه الفرنسيون باختيار سلطانه ويقترحون على العلماء مبايعته..."[28].
ليبدأ مسلسل آخر من المقاومة برزت فيه بقوة حركة أحمد الهيبة، التي وصفها بورك بالاسلامية الراديكالية، و ربط وانتشارها السريع من جهة بـهيبة والده الشيخ ماء العينين الذي غذا شخصا أسطوريا في كل أرجاء المغرب بعد وفاته في 10 أكتوبر 1910، ومن جهة ثانية بالظرفية الاقتصادية الحادة بسوس وابتزاز القياد الكبار لساكنة المنطقة. وكان الحدث المحرك هو شيوع وفاة ع الحفيظ.


على إثر حملة بارعة تمكن الهيبة من جمع الدعم لحركته من القبائل المجاورة معلنا نفسه " إماما للمجاهدين" في تزنيت يوم 03 ماي1912 ،[29] لتلتحق به أعداد كبيرة سيما وشيوع ظهور كرامات على يديه يصدقها الناس. وتواصله مع عدد من القياد الكبار معه مثل المتوكي وادريس المنيوي باشا مراكش. وعدد من زعماء المقامة بالشمال أمثال الحجامي وسيدي رحو وموحا أحمو الزياني، بل وتؤكد تقارير بريطانية أنه تراسل والمدني الكلاوي، وأكثر من ذلك مع عبد الحفيظ[30]. ومع نهاية الصيف أمسى هذا الخطر أكثر من مجرد افتراض نظري لدى القيادة الفرنسية.

تقدمت قوات الهيبة، الرجال الزرق، شمالا لتدخل مدينة مراكش، دون طلقة نار واحدة. لتتم مبايعة الهيبة رسميا من طرف علماء المدينة في 18 من غشت 1912، ما زاد من تأكيد شرعيته. كما أن وجود تسعة رهائن فرنسيين لديه، منحه مصداقية مؤقتة تحميه من هجوم الفرنسيين عليه. في غضون ذلك ركز ليوطي على الرفع من القدرة العسكرية لقوات مانجان عبر مدها بتجريدات عسكرية من مختلف أنحاء المغرب، وعبر وساطة من طرف الشخصية اليهودية المرموقة، جوشوا قرقوز Corcos Joshua.

المثير في هذه الظرفية أنه ما أن هدأت الأوضاع بمراكش حتى بدأ وضع الهيبة يتدهور. فالتشدد الديني له وطهرانية طرقه في تطبيق الشريعة، علاوة على التطرفات الهوجاء لرجاله الزرق عمل على تهميش بورجوازية المدينة. وسياسته في اختيار رجال القبائل لعمالهم، والاقتصار على أداء الزكوات والأعشار، سرعان دفع بالقياد نحو المعارضة لما لهذه الإجراءات من تقويض لسلطاتهم. فحاول تصريف الأزمة بالقيام بحركة نحو موقع مانجان في صخور الرحامنة، يقودها ابن أخيه مربيه ربه. في زقت حصل فيه ليوطي على ضمانات من كبار القياد يتعهدون فيها بتأمين سلامة الرهائن. 

التقت قوات مانجان ل( حوالي 500 رجل) بقوات الهيبة (10.000 رجل) في سيدي بوعثمان. وهناك في صبيحة 6 شتنبر حققت القوات الفرنسية نصرا كبيرا، وكانت مجزرة كبيرة حيث قتل أزيد من 2000 مغربي، بينما لم تلحق بقوات مانجان سوى خسائر طفيفة لم تتعد 4 قتلى و 23 جريح، فكانت بذلك هزيمة ساحقة قوضت نهائيا حماسة حركة المقاومة.

عود على بدء يجزم الباحث في نهاية المطاف أن المغرب لم يعرف ثورة حقيقية ولم يعرف حركة مقاومة وطنية موحدة. رغم توسع نطاق الأزمة الاقتصادية و الانغماس طويلا في أزمة شرعية الدولة. وفي تفسيره ركز بورك على عاملين اثنين يفسران تمزق المجتمع المغربي بعد 1860 :
-   أولا : التأثير الذي أحدثه إدماج المغرب في النسق الرأسمالي العالمي.
- ثانيا : تعاظم التدخل الأوربي (الفرنسي خاصة) في شؤون المغرب.

ومسألة الحفاظ على الاستقلال ارتبط بالصراع الديبلوماسي ( الفرنسي/ الانجليزي/ الألماني) من جهة، والمشاكل الداخلية لفرنسا بعد 1906، والصراع بين وزارتي الخارجية والحربية حول سياسة احتلال المغرب، من جهة ثانية .

هي إذن انتفاضات ومقاومة إن كانت قد عرقلة على المدى القصير الانطلاق الفعلي للحماية الفرنسية، فإنها مقابل ذلك نسجت على المدى البعيد دعامات سياسة ليوطي التي انطلق منها لمقاومة الثورة. "السياسة الثقافية الناعمة" التي صرفت انتباه المغاربة عن استيلاء الفرنسيين عن البلاد،في وقت أصبح كل مغربي يخشى جاره ويرى فيه عميلا للأجنبي. أتعلق الأمر بالإصلاح المخزني أو بمطالب التجار أو بالدعوة للجهاد أو بغليان الأرياف، كل مبادرة، مهما كانت دواعيها، أصبحت تخدم في نهاية المطاف أهداف العدو. لا يهم كثيرا أن يكون هذا الشخص أو ذاك قد خان عن قصد، إذ كانت الخيانة كامنة في كل حركة. وهذا ما ألمح إليه محمد الحجوي عندما قال إن المغرب "انتحر على يد أبنائه".

بيبليوغرافيا :

أرنو لويس ، زمن المحلات السلطانية: الجيش المغربي وأحداث قبائل المغرب ما بين 1860 و1912م، ترجمة: محمد ناجي بن عمر، افريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2002.
بورك إدموند، الاحتجاج والمقاومة: في مغرب ماقبل الاستعمار 1860-1912، ترجمة محمد أعفيف، منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانيةالرباط أكدال، سلسلة نصوص وأعمال مترجمة،ر قم 17، 2013.
بياض الطيب ، من بيعة البديل إلى حماية المستقيل، قراءة في كتاب الخديمي، علال، الحركة الحفيظية أو المغرب قبيل فرض الحماية الفرنسية، الوضعية الداخلية وتحديات العلاقات الخارجية 1894-1912، دار أبي رقراق، الرباط، 2009، ضمن مجلة رباط الكتب، العدد العاشر، ربيع 2011.
 بياض الطيب، المخزن والضريبة والاستعمار، ضريبة الترتيب 1880-1915، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2011.
الخديمي علال، الحركة الحفيظية أو المغرب قبيل فرض الحماية الفرنسية، الوضعية الداخلية وتحديات العلاقات الخارجية 1894-1912، دار أبي رقراق، الرباط، 2009.
 الخديمي علال، التدخل الأجنبي والمقاومة بالمغرب 1894-1910، حادثة الدار البيضاء واحتلال الشاوية، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1994.
العروي عبد الله ، مجمل تاريخ المغرب، المركز الثقافي العربي، ج3،2007.
 عياش جرمان، أصول حرب الريف، ترجمة محمد الأمين البزاز وعبد العزيز التمسماني خلوق، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1992.
الناصري أحمد ، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، أشرف على النشر محمد حجي، إبراهيم بوطالب وأحمد التوفيق، منشورات وزراة الثقافة والاتصال،2001، ج 9.
 فيير كابرييل، في صحبة السلطان، ترجمة عبد الرحيم حزل، جذور،2003.
 كليين بيير، الاقتراضات المغربية، 1902-1904، تعريب المصطفى برنوسي، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، الرباط، الطبعة الأولى، 2007.
 Laroui Abdallah, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain (1830-1912), Centre culturel Arabe, Casablanca, 1993.
 Rivet Daniel, Lyautey et l’institution du Protectorat français au Maroc 1912 – 1925, L’harmattan, Paris, 1988.


[1] عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، المركز الثقافي العربي، ج3،2007، ص153.
[2] إدموند بورك III EDMUND BURKE أستاذ فخري بجامعة كاليفورنيا سانتا كروز. حاصل عى شهادة الدكتوراه من جامعة برنستون مختص في التاريخ المعاصر للشرق الأوسط وإفريقيا الشمالية وعموم البحر الأبيض المتوسط. له اهتمام عام بتاريخ فرنسا وبالاستشراق والإمبريالية الأوربية. ترأس كذلك مركز تاريخ العالم بين سنتي 2003-2007. ومن أبرز مؤلفاته:

·    Genealogies of Orientalism: History, Theory, Politics, ed. with D. Prochaska. University of Nebraska Press, 2008.
·    Struggle and Survival in the Modern Middle East
·    "The Deep History of the Middle Eastern Environment, 1500 BCE–1500 CE", UC World History Workshop. Essays and Positions from the World History Workshop. Paper 3, April 27, 2005.
·    "Theorizing the Histories of Colonialism and Nationalism in North Africa: Beyond Colonialism and Nationalism in North Africa", Arab Studies Quarterly, Spring 1998, 24 Hour Scholar.
·    "Collective Action and Discursive Shifts: A Comparative Historical Perspective" UC eScholarship Repository.
·    "Orientalism and World History: Representing Middle Eastern Nationalism and Islamism in the Twentieth Century" UC eScholarship Repository.

[3] عبد الله العروي، المرجع السابق، ص112.
[4] إدموند بورك، الاحتجاج والمقاومة: في مغرب ماقبل الاستعمار 1860-1912، ترجمة محمد أعفيف، منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانيةالرباط أكدال، سلسلة نصوص وأعمال مترجمة،ر قم 17، 2013، ص 24.
[5] نفسه،ص 25
[6] نفسه،ص 42
     [7] نفسه،ص 43
      [8] أحمد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، أشرف على النشر محمد حجي، إبراهيم بوطالب وأحمد التوفيق، منشورات وزراة الثقافة والاتصال،2001، ج 9، ص97.
[9] مكنت النخبة اليهودية من ولوج مدارس "الرابطة الاسرائيلية العالمية" وبذلك كانت عملة مهمة للغرب سيما مع التسرب الاقتصادي.
[10] إدموند بورك، المرجع السابق،ص 100.
[11] نفسه،ص 102.
[12] نموذج أحمد الريسوني بطنجة وبني عروس.
[13] من خلال اتفاقية مع إيطاليا سنة 1901، ثم اتفاق مع إسبانيا 1902 التي بموجبها حصلت علة أراضي تمتد من سوسو إلى الساقية الحمراء جنوبا وشمالا من فاس إلى ملوية والمتوسط، وهي الاتفاقية التي أعيد توقيعها في 03 من أكتوبر 1904 ومنحت إسبانيا المنطقة الواقعة شمال مدينة العرائش ونهر ورغة. وأخيرا اتفاقية مع بريطانيا بتاريخ 8 أبريل 1904 عرفت بـ " اتفاق كامبون-لانسداون Cambon lansdowne".
     [14]  نموذج عمر التازي.
[15] إدموند بورك، المرجع السابق،ص131.
[16] وقع بورك هنا في خلط ولم ينتبه المترجم كذلك للأمر إذ ذكر محمد بن جعفر الكتاني، في حين أن المقصود هو محمد بن الكبير الكتاني المشهور ب أبو الفيض الكتاني ( 1290 هـ 1873م، -ت 13 ربيع الثاني 1327 هـ 1909م، ) يمكن العودة للويس أرنو الذي أورد : " «كان في فاس شريف محبوب محترم من سلالة مولاي إدريس يسمى سيدي محمد بن الكبير الكتاني، وكان وراء موافقة علماء فاس على مبايعة مولاي عبد الحفيظ (منذ 4 يناير 1908)، لكن بشروط لابد من الالتزام بها، وكان يؤكد دائما على عدم وجوب دخول الأوربيين إلى فاس، ولم يقبل مقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء التي قبلها السلطان. ولاحظ أن الأوربيين قد رجعوا إلى فاس وأن السلطان يستشيرهم في تسيير الأمور، وكان لابد من إعادة كل شيء من البداية، فتصاعدت وتيرة انتقادية إلى أن قرر معارضة السلطان بشكل مباشر، وذهب عند بين مطير ليحرضهم. ويشير باندلاع الحرب المقدسة.. » لويس أرنو، زمن المحلات السلطانية: الجيش المغربي وأحداث قبائل المغرب ما بين 1860 و1912م، ترجمة: محمد ناجي بن عمر، افريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2002.
[17] حدث يذهب فيه المؤرخ إلى أن كل المصادر ترجعه لمؤامرة من تدبير باشا المدينة ع السلام لورزازي المعادي لفرنسا.
[18] إدموند بورك، المرجع السابق،ص159.
[19] Martin ; Quatre siècles, d'histoire marocaine, Ernest Leroux, Paris, 1924.
[20] إدموند بورك، المرجع السابق،ص 186.
[21] لم يبق للمخزن من مداخيل سوى الترتيب وهدايا السلطان.
[22] الطيب بياض، من بيعة البديل إلى حماية المستقيل، قراءة في كتاب الخديمي، علال، الحركة الحفيظية أو المغرب قبيل فرض الحماية الفرنسية، الوضعية الداخلية وتحديات العلاقات الخارجية 1894-1912، دار أبي رقراق، الرباط، 2009، ضمن مجلة رباط الكتب، العدد العاشر، ربيع 2011.
[23] إدموند بورك، المرجع السابق،ص211.

[24] أسندت الحربية والصدر الأعظم للكلاوي، إضافة لباشوية مراكش. بينما سيطر المقري على الخارجية والمالية، علاوة على مالة فاس البالي.
[25] إدموند بورك، المرجع السابق،284.
[26]  المذكرة عبارة عن تقييد من 27 فصلا عدلها المقري. وقد وزعت الفصول كالتالي : 13 فصلاحول حكم السلطان واختصاصاته وصلاحياته. وتسعة حول أملاك المخزن، وخمسة فصول حول مصالح البلاد. وهمت النقط الخلافية بين الطرفين مصالح السلطان خاصة. أنظر علال الخديمي، الحركة الحفيظية أو المغرب قبيل فرض الحماية الفرنسية، الوضعية الداخلية وتحديات العلاقات الخارجية 1894-1912، دار أبي رقراق، الرباط، 2009، ص 535.
[27] إدموند بورك، المرجع السابق،ص 316
[28]  إدموند بورك، المرجع السابق،ص 325
[29] في معالجته للموضوع اعتمد المؤلف بالدرجة الأولى على مؤلف التعارجي: الإعلام.
[30] إدموند بورك، المرجع السابق،ص 331
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات