القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

التنافس الإستعماري على المغرب في عهد المولى عبد العزيز

عهد المولى عبد العزيز
المولى عبد العزيز بالجابدور (لباس مغربي)

التنافس الإستعماري في عهد المولى عبد العزيز
المولى عبد العزيز بلباس غربي

التنافس الإستعماري على المغرب في عهد المولى عبد العزيز

اعتبر المغرب مجالا للتنافس الاستعماري بين فرنسا، إسپانيا،إنجلترا، ألمانيا وإيطاليا لتوفير سوق لمنتجاتها والسيطرة على ثروات المغرب، ومبررين ذلك بعجز المغرب عن تسديد الديون ولمساعدته لإنجاز الإصلاحات، وسينتهي هذا التنافس بانفراد فرنسا وإسپانيا بالمغرب بعد عقد عدد من الاتفاقيات.

1- الضغوطات الألمانية، التراجع البريطاني، الاجتياح الفرنسي

التنافس الإستعماري على المغرب في عهد المولى عبد العزيز
لمن المغرب؟ بطاقة بريدية

جمعت المغرب منذ سنة 1885 ″صداقة″ مع ألمانيا التي جاءت متأخرة في السباق نحو المستعمرات ، بحكم انشغالها بتحويل أنظار فرنسا عن ″الخط الأزرق لجبال الفوج″ . لكن تبين أن ذلك غير كاف لتعويض الفراغ الذي مهد له ″التحرر من الإلتزام″ لبريطانيا العظمى إزاء المغرب ، حيث تميزت سنة 1894 بأزمة قوية في العلاقات المغربية الألمانية . تجسدت في استعراض عسكري بحري منظم من طرف الألمان للإسراع بتسوية 200.000 فرنك المفروضة على المخزن كتعويض عن مقتل اثنين من تجارهم . فأفادت هذه الوضعية فرنسا للتقدم نحو توات وواحات كورارة وتديكلت، مثلما شرعت في التخطيط لغزو القصور الواقعة في الشمال .

لقد ظل المخزن أمام هذه الأطماع عاجزا عن الحركة ، خصوصا وأن الانهيار الداخلي تزايدت حدته بسبب استفحال نظام الحمايات . فبدا ″ ضياع الإمبراطورية″ المصير محتوم على حد تعبير دي مونبيل (De Monbel) وزير فرنسا بطنجة، خصوصا وأن المحميين والمخالطين الزراعيين كانوا يسارعون في تسهيل التسرب التجاري الأوربي ، الذي تولدت عنه آثار وخِيمة على الاقتصاد المغربي، فالميزان التجاري أصبح غير متوازن.

2 - الترتيب العزيزي

كان المولى عبد العزيز مبعدا عن الحياة السياسية بفعل النفوذ الفعلي الذي كان لوالدته للا رقية. وعند وفاة الرجل القوي باحماد ( 13 ماي 1900) وجد نفسه في مواجهة حقائق الحكم . ورغم أنه كان عديم الخبرة بتدبير شؤون الدولة فقد كان يتميز بفكر متفتح ، حيث أسرع السلطان الشاب ( كان عمره آنذاك لايتجاوز 22 سنة ) إلى تعيين صدر أعظم جديد هو المختار بن عبد الله ( الذي عوض فضول غرنيط )، ووضع عدة مشاريع إصلاحية والتخطيط لأخرى بدعم أو بإيعاز من العلاف الكبير المهدي المنبهي .

فأظهر السلطان بسرعة رغبته في إعادة بناء المخزن عبر تحديد مهام مختلف الوزراء ، وجعل استشارة الأعيان تتم بشكل منتظم ( استدعاء المجلس في الرباط منذ 1901 )، فضلا عن تحديث الجيش والشروع في إصلاح العملة وإعادة تطبيق مشروع تعميم الضرائب الذي أحدثه المولى الحسن .

وهكذا أصبح تعديل النظام الجبائي قابلا للتنفيذ بفعل قرارات مؤتمر مدريد ، وبضمانة من الدول الأوربية . وبالتالي كان هدف هذا المشروع الجديد - عكس تجربة 1884 هو توحيد النظام الجبائي وتعميمه على الجميع بمن فيهم الأجانب والمحميون . غير أن المفوضيات الأوربية لم ترضخ لهذا المبدأ إلا بعد عدة مماطلات قبل أن يصدر هذا القانون في 2 أبريل 1902 والذي أكد على« التسوية بين الأجانب والمحميين ورعايا السلطان أمام الضريبة على المزروعات و الماشية وأراضي الحرث» (المادة الأولى ) .

لكن الدول الأوربية ربطت تطبيق الضرائب الجديدة على مواطنيها ومحمييها بتطبيقها أولا على رعايا السلطان بشكل عام في كل بلاد المخزن . وبذلك كانت في المقابل تشجع على نمو معارضة للإصلاح لدى بعض الفئات الاجتماعية التي ألفت الامتيازات الجبائية. فتعبأت هذه الفئات لإفشاله عندما اعتبرته مخالفا لتعاليم الإسلام، خصوصا وأنها كانت تتوفر على ظهائر تعفيها من أداء الضرائب ،حصلت عليها عندما كانت زواياها تقدم خدماتها للسلطة المركزية، فكانت الحماية الممنوحة بداية لشريف وزان مولاي عبد السلام قد دفعت شرفاء وزان إلى اعتبار الترتيب غير شرعي.

3 - اللجوء إلى القروض الخارجية

أدى فشل كل من الترتيب و إصلاح العملة المغربية والعجز المتفاقم للميزان التجاري (52 مليون فرنك فقط في سنوات 1901-1902، مقابل 83 مليون فرنك بالنسبة لكل الفترة الممتدة بين 1889-1899) إلى الإنذار بإفلاس الدولة. أضيفت إليها المصاريف الناتجة عن إعادة تشغيل إنتاج البنادق والخراطيش في ماكينة السلاح بمدينة فاس، واستيراد كميات هامة من الأسلحة الأوربية والأمريكية. فضلا عن الاقتناء بوفرة وإسراف لبعض المخترعات الأوربية التي ينقلها وكلاء تجاريون إلى المشور (دراجات هوائية، سيارات، زوارق بمحركات، بلغت قيمتها 30 مليون فرنك بين سنتي 1900و 1903) ، كل ذلك أدى إلى استنفاذ موارد الخزينة.

للخروج من هذا المأزق، اضطر المولى عبد العزيز إلى الالتجاء إلى سياسة الاقتراض من الخارج بنسب فائدة عالية، توسط له فيها صيرفيون أوربيون . لكن أمام اتساع حاجياته ومصاريفه الناتجة عن تنظيم حركات ضد القبائل الثائرة، وجد نفسه بسرعة مجبرا على الإلحاح أكثر في طلب المزيد من القروض الأجنبية. وهكذا سلمت مجموعة من البنوك يتقدمها ″بنك باريس والأراض المنخفضة″ أول قرض للمخزن في سنة 1902 دون ضمانات، بلغت قيمته 7.5 مليون فرنك (الذي أصبح وسيلة لانطلاق الدورة الجهنمية للاقتراض) خاصة وأن هم هذه المجموعة كان هو آجال سداد الدين .

ونظرا لعجز المخزن عن تسديد أصل الدين وفوائده ، اضطر في سنة 1903 إلى الحصول على قرض آخر تقدمت به بنوك إنجليزية وإسبانية (ساهمت الأبناك الفرنسية فيه دون إشعار حكوماتها). أما القرض الثالث فتم في سنة 1904 وبلغ 62.5 مليون فرنك قدمه كونسورتيوم الأبناك الفرنسية.وشكل مثالا لمدى خطورة سياسة الإقتراض (ذلك أن الخزينة لم تتسلم منه سوى مبلغ محدود لم يتجاوز العشر) ، مثلما ساهم هذا القرض والشروط التي قدم فيها في فرض فعلي ″للحماية المالية″ على البلاد.

4 - انتفاضات في القبائل وفتن في المدن

تظافرت مجموعة من العوامل في تعميم القلاقل والتمردات في عدة أنحاء من البلاد، عبرت عنها انتفاضات الفلاحين واستياء السكان الحضريين . تزامن ذلك مع استمرار اغتصاب الأراضي المغربية من طرف القوات الأوربية (احتلال الفرنسيين لكوراي في مايو سنة 1900 وتوات في يناير فبراير 1901 ) والمس بسيادة البلاد في شتى المجالات والآثار الكارثية لمحاولات الإصلاح النقدي ( سك مفرط للنقود البرونزية 500 طن في سنة 1902، عجل بانهيار قيمة العملة) . رافقتها أزمة في الإنتاج الاقتصادي (إنتاج ضعيف من الحبوب) كانت إيذانا بميلاد الإنتفاضات التي شملت جميع البوادي المغربية تقريبا ، إلى جانب الفتن في المدن (مراكش في يناير سنة 1904) .
وفي منطقة الشمال الغربي وجد المخزن نفسه في مواجهة تمرد أحمد الريسوني. فانطلاقا من مركزه في الزينات ضاعف ″ملك الجبال″ حسب تعبير روزيتا فوربيس، من ابتزازه لقبائل جبالة وغاراته على المدن بمنطقة الفحص. مثلما نظم عمليات اختطاف للأجانب (اختطاف الأمريكي بيرديكاريس (Perdicaris) والصحفي الإنجليزي والتر هاريس (Walter Harris) ومواطنه المدرب العسكري هاري ماكلين (Harry Maclean) .

أما في شرق فاس فقد ظهرت حركة أكثر خطورة. قام بها "روكي" غريب الأطوار هو الجيلالي الزرهوني الملقب ببوحمارة، ينتمي إلى دوار أولاد يوسف (زرهون). كان طوبوغرافيا في الجيش المخزني، تعرض للطرد من خدمته ككاتب لدى مولاي عمر- أخ السلطان مولاي عبد العزيز- لأسباب غير معروفة. وبعد مقام قصير بالجزائر عاد في شهري نونبر دجنبر سنة 1902 لإثارة قبائل المنطقة الشرقية وخاصة غياثة (ناحية تازة) مدعيا أنه المولى امحمد الابن الأكبر للمولى الحسن، وأنه أحق بالعرش من أخيه المولى عبد العزيز.
وقد استغل بوحمارة الإستياء العام ضد التوجه الأوربي للسلطان الشاب، كما استفاد من الأزمة النفسية التي كانت تعم البلاد في انتظار ″ رجل الساعة ″ مصلح الأحوال، فانضم إليه أنصار كثر. فتمكن منذ المواجهات الأولى من تحقيق انتصار على المحلة السلطانية بالقرب من مدينة فاس (دجنبر 1902)، نجح على إثره في احتلال تازة التي اتخذها عاصمة مؤقتة. وفي أعقاب طرده منها (سنة 1903) استقر في سلوان وهي مركز في الريف قريب من مدينة مليلية.

5 - من الإتفاق الودي إلى مؤتمر الجزيرة الخضراء 1904-1906

5 - 1: الإخلال بالإلتزامات البريطانية

كانت ″ الصفقة ″ الموقعة في 8 أبريل سنة 1904 بين الفرنسيين والبريطانيين على حساب المغرب ومصر قد أكدت بوضوح، اقتراب نهاية استقلال المغرب. خاصة بعد الإعلان عن إرسال سفارة فرنسية إلى مدينة فاس- بقيادة سان روني طاياندي (Saint-René Taillandier) (بداية ربيع سنة 1905) -الهادفة إلى الزيادة من النفوذ الفرنسي، عبر اقتراحه إنشاء بنك مخزني وإتمام قرض جديد يتراوح بين 150 و200 مليون فرنك، مرهون بمجموع مداخيل بيت المال فضلا عن الإعلان عن برنامج للأشغال العمومية والإصلاحات العسكرية والإدارية. وكل ذلك تحت إشراف فرنسا.

لقد رفض وفد من الأعيان والعلماء برئاسة جعفر بن إدريس الكتاني، قدِم للحضرة الشريفة في يوم 22 دجنبر سنة 1904هذه الاقتراحات. وأصدر فتوى تضمنت إقصاء الوزراء المعروفين بميلهم وتعاونهم مع الفرنسيين، وإعادة التوازن للدبلوماسية المغربية عبر توجيهها نحو العالم الإسلامي وخاصة الإمبراطورية العثمانية.

5-2: زيارة غليوم الثاني لطنجة ( 1905)

شكلت زيارة الإمبراطور الألماني (31 مارس 1905) حدثا مفاجئا على الساحة الدولية، وأنعشت في المغرب آمال معارضة الأطماع الفرنسية. فقد كان هدف الزيارة هو تجاوز تحييد ألمانيا دبلوماسيا، وفرضها طرفا أساسيا في توزيع ″الكعكة المغربية″، وتأمين الامتيازات والمصالح الإقتصادية والتجارية الألمانية في المغرب. فخاطب الإمبراطور الألماني الجالية الألمانية مؤكدا معارضته لأي محاولة فرنسية لفرض حمايتها على المغرب والإستفراد به. ونجم عن الموقف الألماني توتر في العلاقات بين باريس وبرلين.

5-3: مؤتمر الجزيرة الخضراء: المغرب تحت الحماية الدولية

كان المؤتمر الدولي المنعقد في الجزيرة الخضراء من 16 يناير إلى 7 أبريل سنة 1906، والهادف إلى إيجاد حل للأزمة المغربية الأولى قد نجح في تجاوز إشعال نزاع مسلح بين فرنسا وألمانيا ) وبين حلفائهم على التوالي . (ولم يتم الوصول إلى هذه النتيجة إلا عبر فرض بنود جديدة قاسية وتطاولات إضافية ، نقصت بشكل شبه تام من الاستقلال المغربي رغم أن الموقعين على الاتفاق النهائي أكدوا جميعا « سيادة جلالة السلطان الشريفة ووحدة أراضيه» .

ومن أهم الإجراءات التي أقرها مؤتمر الجزيرة الخضراء الإعتراف بالحقوق الخاصة لفرنسا وإسبانيا والتأكيد على مبدأ المساواة الاقتصادية للدول الكبرى ، وإقرار مبدأ الباب المفتوح في المجال التجاري ، ومنع إجراء أي إصلاح جبائي أو مالي دون موافقة مسبقة من الممثليات الأوربية . فضلا عن تنظيم بوليس في الموانئ بتأطير فرنسي وإسباني ، وإنشاء ″لجنة مكلفة بالأشغال العمومية″ ، وتأسيس بنك مخزني مغربي براساميل أجنبية.

5-4: احتلال الفرنسيين لوجدة والدار البيضاء والشاوية في سنة 1907

تهيأت عدة ظروف منحت لفرنسا الفرصة للتدخل عسكريا في المغرب، وإحكام قبضتها على البلاد، تمثلت أولا في مقتل الدكتور إميل موشان رئيس مستوصف أنشأ ه في سنة 1905 ، كان سكان المدينة  قد رأوا فيه تحديا لهم على اعتبار أنه ″كان يروم أهدافا تبشيرية ماكرة″ (19 مارس 1907). و تلت هذا الحادث هجوم قبائل الشاوية (في يوليوز 1907 ) على تجهيزات وعمال الشركة ذات امتياز إنجاز الأشغال العمومية لميناء الدار البيضاء، وقد جاء هجوم هذه القبائل نتيجة حالة الغليان التي عاشتها منذ تعيين موظف فرنسي لمراقبة المداخيل الجمركية .

لقد وضعت الضربة العسكرية المزدوجة لفرنسا المغربَ - أكثر من أي وقت مضى - بين كماشتين : احتلال وجدة في الشرق ( 29 مارس 1907 ) و الإنزال العسكري يوم 5 أبريل 1907 في الدار البيضاء، بمساهمة الإسبان بحوالي 600 رجل .

 انضافت إلى هذه التوسعات ديون أصبحت ثقيلة نتيجة فشل الإقتطاعات الجبائية ديون تجاوزت 200 مليون فرنك .ثم إن الهزائم أمام الروكي وتحديات الريسوني انتهاءً بفرض قرارات الجزيرة الخضراء كل ذلك أعلن نهاية أمل حكم المولى عبد العزيز.

6 - عهد مولاي عبد الحفيظ 1907 - 1912

6 -1: بيعة مولاي عبد الحفيظ

شكل احتلال عدة مناطق من التراب المغربي مسًّا بهيبة السلطان وتأكيدا لعجزه وقصور سياسته . و قد لاحظ المولى عبد العزيز ذلك على كل الجبهات في أعين رعاياه ، باستثناء الدعم المقدم للشيخ ماء العينين ، الذي استقبله السلطان بحفاوة في المشور سنة 1906 ، ومنحه الأسلحة والمؤن والمال من أجل النهوض بالمقاومة انطلاقا من زاويته بالسمارة في الساقية الحمراء وفي كل الصحراء المغربية .
ففي منطقة الجنوب الشرقي و بفعل غياب الدعم رغم نداءات خليفة تافيلالت المولى رشيد ، بادرت قبائل آيت عطا وبني كيل وآيت خباش بدعم من متطوعين من آيت نظير و آيت يوسي وبني مكيلد لنجدة الأطلس المتوسط . ثم قاومت هذه الفبائل التقدم الفرنسي على طول وادي زوزفانا وواد كير ، كما حاولت كذلك تخريب المراكز العسكرية المقامة في جنوب عين الصفراء ( هجوم في غشت 1904 من طرف حوالي 4000 من المجاهدين ضد مركز طاغيت) .

أما في الشمال فكانت المفاجأة عندما تمكنت القوات الفرنسية من الدخول دون حرب إلى مدينة وجدة. فشكل كل من غياب الحماس الوطني وفكرة الجهاد والفوران القوي الذي أججه وصول أصداء حركات الجماهير في الشرق العربي ( النهضة، الجامعة الإسلامية، القومية العربية)، حركة تركيا الفتاة والنجاح الباهر لليابانيين على الروس ، مجمل الشروط التي عجلت بنهاية حكم المولى عبد العزيز .

6 -2 الحركة الحفيظية

كان يبدو أن هناك إجماعا على المولى عبد الحفيظ لخلافة أخيه المولى عبد العزيز . فقد كان مكلفا بفرض سلطة المخزن بمنطقة سوس، انطلاقا من مقره في تيزنيت ( 1877-1901 ) . ثم أصبح خليفة للسلطان بمراكش . كان ملما بعلوم الدين وحاصلا على إجازة من الشيخ ماء العينين ( 1904 ) . كما كان قارضا للشعر ومؤلفا لعدة كتب ومتأثرا بالفكر السلفي . انحاز إلى صفِّه القوادُ الكبار بالجنوب : المدني لكلاوي وعبد المالك المتوكي وعيسى بن عمر العبدي الذين كانوا متخوفين من ضياع امتيازاتهم أما م اتساع الانتفاضات الشعبية. فتم إعلان توليته بدعم منهم بمراكش يوم 16 غشت سنة 1907، ثم شرع المولى عبد حفيظ في تشكيل حكومة جديدة منحت فيها للمدني لكلاوي وزارة الدفاع ولعيسى بن عمر العبدي وزارة الخارجية، وللمتوكي وزارة الشكايات وللطيب التازي وزارة المالية.

تولد عن الإعلان عن سلطان جديد أمل كبير في تخليص وإنقاذ البلاد، لما حمله من فكرة المقاومة . علما أن المفوضيات الأوربية كانت تخشى منذ زمن بعيد من نداء رسمي للجهاد وما يتلوه من تعبئة للمغاربة بحماس ديني. وهذا ما فسر تخوفها من الشروط التي وضعها سكان مدينة فاس في عقد بيعتهم للسلطان المولى عبد الحفيظ : رفض مقررات الجزيرة الخضراء وتحرير وجدة والشاوية وعدم الاعتراف بديون المولى عبد العزيز وإلغاء الامتيازات والحمايات واستشارة الأمة في أي اتفاقية مع القوى الكبرى وربط العلاقات مع العالم العربي والإسلامي.

وفي هذا الاتجاه أضافت - في فترة لاحقة - لسان المغرب، وهي جريدة في طنجة نشطها سوريون ولبنانيون، مشروع دستور وتشكيل مجلس للنواب قدمته للسلطان المولى عبد الحفيظ في عدد 11 أكتوبر سنة 1908، والذي يمكن أن يمنح- حسب الجريدة- حرية الحركة والفكر الضروريين لإنجاز الإصلاحات. وتولدت عن هذه الاقتراحات مطالب كانت تهدف إلى « وضع تعليم ابتدائي إجباري ومجاني، وطرد العملاء والجواسيس، وتعيين رجال أكفاء مؤهلين وشرفاء في مناصب المسؤولية».

6 - 3- تناقضات وحدود الحركة والنظام الحفيظيين

بعد عزل المولى عبد العزيز ( في 21 غشت سنة 1908 ) وجدَ المولى عبد الحفيظ نفسه بسرعة بيد قوة المطالب الراديكالية للبعض من أنصاره . ورهَنت الدول الأوربية اعترافها به، بقبوله لمقررات الجزيرة الخضراء. كما كانت فرنسا تبحث وضع شروط إضافية قاسية ، تتمثل في إعلان صريح من السلطان يقرأ على منابر جميع المساجد يعلن فيه تخليه عن الجهاد .

وأمام اضطرار السلطان الإقرار بديون أخيه المولى عبد العزيز وتجميد مداخيل الجمارك غير المرهونة والمحولة لبنك الدولة، وجد نفسه في مواجهة نفاذ موارده المالية والحاجة لاسترجاع جزء من المداخيل الجمركية، وتحريك جهاز الدولة والقضاء على تمرد بوحمارة. فلم يكن له من حل سوى التفاوض مع الممثليات الأوربية على قبوله لقرارات مؤتمر الجزيرة الخضراء ( سنة 1909 ) .

وإزاء مواقف السلطان قام الشريف محمد الكتاني بإثارة القبائل ضد المولى عبد الحفيظ خاصة أمام استمرار تعسفات وجوْر ″القواد الكبار″ في الجنوب الذين أصبحوا وزراء، ضد أولاد جامع، آيت نظير والشراردة ( وهم من قبائل الكيش، كانت تستفيد من الإعفاء الضريبي ) وبني احسن... إلخ . خلق استياء عارما تمثلت أهمُّ أبعاده في حصار فاس سنة 1911.

6- 4- المولى عبدالحفيظ وتكرار السابقة العزيزية

بجانب استمرار الابتزاز وبيع مختلف أنواع الوظائف من طرف القواد الباحثين عن سبل الاغتناء، مما شكل عوامل إضافية في تفكيك أسس المجتمع المغربي والتشكيك من جديد في شرعية ″سلطان الجهاد″، سارع هذا الأخير إلى توقيع قرض بـ90 مليون فرنك بباريس رهَن به مداخيل الأملاك المخزنية المحيطة بالمراسي وما تبقى من مداخيل هذه المراسي واحتكار التبغ والكيف .

في هذه الأجواء، وكرد فعل على ما آلت إليه الأمور، اجتمع مندوبو القبائل في أكوراي ( جنوب مدينة مكناس ) وقرروا محاصرة العاصمة وإجبار السلطان على الوفاء بالتزاماته المُضَّمَّنة في بيعة فاس. لكن هذا المشروع  ووجه بتدخل من قوات الجنرال موانيي ( 21 مايو سنة 1911 )، والتي كانت موجهة في البداية ضد محلة الشريف العمراني القادمة من الشاوية لمحاصرة العاصمة.

استغلت فرنسا وجود قواتها العسكرية في مدينة فاس لدفع المولى عبد الحفيظ في اتجاه قبول فكرة الحماية.كما أن الاتفاق الموقع في برلين في 4 نوفمبر سنة 1911 غدا ة الحضور القوي لألمانيا في الساحة المغربية، وإرسال بارجة حربية تسمى ″ بانطير ″ إلى ساحل أكادير سهَّل من مناوراتها.
محمد كنبيب
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات