القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

الإسلام السياسي -عوامل صعود الاتجاهات الاسلامية 

سعيد الوجاني
ماهي عوامل صعود الاتجاهات الاسلامية منذ السبعينات والى الان : نظرا لان المجتمع المغربي هو جزء من الوطن العربي ، ويتاثر بما يجري داخله وخارجه ، فان عوامل صعود التيار الاسلامي فيه ، كانت هي نفسها عوامل صعود نفس التيار في البلاد العربية مع بعض الاختلافات الطفيفة التي لاتؤثر على القاعدة العامة لتشكل تيارات الاتجاه الاسلامي . لذا يمكن ان نحصر بعضا من هذه العوامل كما يلي :

-1 استمرار بقايا العلاقات الاقطاعية في عدد من المناطق بالمغرب ، حيث تلعب مثل تلك العلاقات الأركييكية دورا مساعدا لنمو جميع التيارات المنغلقة والمتشددة التي تجد التربة سانحة لتمرير خطابها الغارق في الرجعية والتطرف ،بل انها لاتتردد في استعمال سلاح التكفير للنيل من المجتمع او من اولي الامر او ممن له رؤية ايديولوجية تعتمد المنطق والعقل في التفكير .



-2 وجود الانماط الحرفية المولدة لفئات ذات وعي اجتماعي يرفض الانفتاح على الاخر بمسميات كثيرة ،كالزندقة ، الكفار و المرتدون . وهذه كلها دعاوى مبطنة لاعضاء التنظيم للنيل من الخصم ، مستعملين جميع الوسائل ومنها العنف الايديولوجي والسياسي والمادي .

-3 ازمة التطور الراسمال الوطني الهش التابع للسوق الراسمالية الاحتكارية .

4-ازمة التناقض بين قاعدة راسمالية هشة وتابعة للغرب الراسمالي ، وبين غطائها الفكري التقليدي والحرفي مع مخلفاته الصوفية

5-ضعف تبلور البنية الطبقية الراسمالية التي جاوز عمرها الخمسين سنة ،وعجزها عن القيام بما حققته البرجوازية الاروبية في عصر شبابها من تكريس للعقلانية والمنطق والتفتح في اطار الخصوصية المحلية لكل دولة اروبية على حدا

6-تراجع اقسام واسعة من البرجوازية الصغيرة عن مواقفها السابقة ، وعجزها في حسم مسالة الحكم بالقوة ، فاجهضت الجمهورية ، وانهزمت الاحزاب ، فانتصرت الملكية والقصر، وانتهت المسرحية بالانبطاح التام امام الاخر الذي نظرت لقلبه ،حيث هزمها وحولها الى مجموعة من المهرولين وراء المصالح الخاصة وضدا على شعاراتها الثورية ، الامر الذي دفع ببعض شرائحها وهم الاكثرية الى تغيير مواقفها ليس فقط الاقتصادية والسياسية ، بل والفكرية ايضا باتجاه التقوقع والابتعاد عما يصطلح عليه في علم السياسة بالمشكلات الوطنية الكبرى . لقد جرت في صفوف العديد من شرائح البرجوازية الصغيرة عملية انتقال سريعة ، احيانا من اليسار باتجاه اليمين ، ومن العلمانية الى نقيضها ، ومن العقلانية والفكر المتفتح الى فكر مملوكي عثماني من نوع يتلائم مع التقنية المستوردة ومن الجمهورية الى الملكية.

-7الهجمة الصهيونية الامبريالية على فلسطين والعراق وافغانستان ، والهجوم الممنهج الذي يقوده الاعلام الغربي الصهيوني ضد الاسلام وحضارته . ان افلاس التيارات والاحزاب الاشتراكية الممثلة في السلطة والتي قادت جميع الحروب التي هزم فيها العرب ، قد اعطت لهذه الجماعات الاسلامية المتطرفة صورة معكوسة عن طبيعة الطبقة السياسية الحاكمة في الوطن العربي ، حيث اعتبروا، ان عدم تمسكها بالدين في طهارته وصفائه، كان السبب الرئيسي في جميع الكوارث والهزائم التي حلت بالامة ، ومن ثم فان البديل للخروج من النفق المظلم يبقى ويتجسد في الاسلام لا غير ، أي اختزال البديل في الاسلام . يقول حسن البنا مؤسسة حركة الاخوان المسلمين في سنة 1928 "... هذا الاسلام هو الذي يهمنا في اطار هذه الاطروحات : الاسلام المرفوع الى مرتبة المبدا المطلق الذي يخضع له كل مطلب او نضال اواصلاح . اسلام ( الاخوان المسلمون ) و ( جماعة الاسلام ) " .

-8 الازمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المغرب كغيره من البلاد العربية ، مع انتشار الظلم والفقر والفساد بشكله العام ، كما لعب التناقض بين الغرب والعالم العربي الاسلامي دورا في دفع النخبة المفكرة في استغلال الدين كعامل مهيج للجماهير في مواجهتها للاخر وللطبقة السياسية المرتبطة به ، وهو ما يعني بطلان النظرية التي ترجع ظهور الاسلام السياسي العنيف فقط الى الفقر ، بل يلعب الاختلاف الحضاري دورا في تغدية هذا النوع من الظواهر السياسية المغدية لصراع الحضارات التي بداها الغرب المسيحي اليهودي لمواجهة العالم الاسلامي والعربي بعد افول" المعسكر الاشتراكي" بقيادة الاتحاد السوفياتي السابق .

-9 لايجب ان ننسى كذلك العنصرية التي يعاني منها الشباب العربي المسلم في اروبة ، فتدفعه هذه الحالة غير الطبيعية الى الشعور بالظلم والتهميش ، والارتماء في احضان الاسلام السياسي معتدلا كان ام متطرفا حفاظا على التمييز والاختلاف في مجتمع يبني كل قواعده على رفض الاجنبي والتخويف منه.

-10 مراهنة الحركة الاسلامية واخص بالذكر منها( حركة الشبيبة الاسلامية) في مرحلة تمردها على الحكم ، على بعض الهزات التي عرفتها المملكة مثل محاولتي الانقلاب العسكري في سنة1971 وفي سنة 1972 ( الصخيرات والطائرة )، والاضطرابات التي عمت قطاع التعليم والتي وصلت الى سنة بيضاء في الجامعات والثانويات ، المواجهات الجماهيرية المشحونة التي عرفها المغرب مثل مواجهة 1981 بالدارالبيضاء ، مظاهرات الشمال وبمراكش في سنة 1984، فشل احزاب البرجوازية الصغرى وعلى راسها( الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) ، و(اليسار الجديد السبعيني) ، وتفشي الاختلافات السياسية والايديولوجية في صفوفها ، ثم تدني المستوى الثقافي والوعي ، وسيادة التعليم التغييبي ... كل هذه العوامل اعطت ثقة ونفسا للتيارات الاسلامية وعلى راسها ( حركة الشبيبة الاسلامية) لتقدم نفسها كبديل اساسي لحسم مسالة السلطة التي عجزعنها اليسار، وبالتالي اقامة نظام الخلافة الاسلامية .

وعموما ،لإن كانت التحولات الظرفية التي عرفتها المملكة والعالم بعد 11 شتنبر ، قد افرزت تيارات من افراد محدودي العدد ،فان ما يجب فهمه ان هذه الظاهرة ستتنامى في المستقبل ، لان المسالة تتعلق بمكون نفساني لدى الفرد يصعب ضبطه من طرف الدولة ، مادام لم يعبر عن نفسه في اشكال تعبيرية تلزم تدخل الدولة لمعالجتها في الوقت المناسب . ان الدولة لا يمكن ان تحاكم الناس على النوايا ، كما لا يمكنها ان تعلم ما يدور في عقولهم . لذا فانه مهما اتخذت من الاحتياطات والاجراءات الاحترازية ، فان هذا لا يمكن ان يمنع تكرار مثل هذه الافعال ، وعليه تبقى مثل هكذا خرجات ظاهرة انسانية ستتكرر كلما كانت ظروفها ساتحة ومواتية . ان مثل هذه الاحداث الانسانية ، أي من فعل الانسان تعتبر دليلا على ان المجتمع يتحرك ويتفاعل ،وليس جامدا . فكلما كانت هناك دولة ، اوتوماتيكيا ستكون هناك معارضة بشقيها السلمي والعنيف ، وهذا يعطي للاجهزة الامنية فرصا لتطوير اساليب العمل وتحيينه لاستباق الاحداث والتحكم فيها ، بدل تركها للظروف والمناسبات . أي الذي يستفيد من مثل هذه الخرجات، الدولة والاجهزة الامنية المختلفة التي تكتشف اساليب وظواهر تعطيها امكانيات كبيرة في مجال التنظير والاستشراف ووضع القواعد العلمية الضابطة للنظام العام .

عوامل قوة وضعف منظمات الاسلام السياسي : هناك عدة محطات تسجل مواجهة الاسلام السياسي المتطرف والدولة . وللاشارة فان المقصود بهذا النوع من الحركات ،ذاك الذي مثلته ( حركة الشبيبة الاسلامية( ،) منظمة المجاهدين) ،( الحركة الاسلامية الثورية) ، ومجموعة( بلعيرج) الاخيرة . وهي الحركات التي وجهت او حاولت توجيه سهامها الى الحكم والى المرتبطين به من احزاب وسياسيين دوي ميولات مختلفة . بمعنى ، وحسب بعض التحليلات ، لايصدق عليها وصف" الارهاب" بمفهومه الدقيق ،فهي لم تكن تخطط لتفجير ملاهي او مراقص اوحانات او فنادق ، كما لم تكن تهدف تفجير الابرياء او ضرب الاماكن العامة ، ان هذه المنظمات كانت تستهدف الحكم لقلبه ، وبالرغم من ان الواقع يفند نجاح تلك المنظمات في تغيير النظام ، لان الامر ليس بالسهولة التي قد يتصورها بعضهم .

تتميز الجماعات الاسلامية المغربية ، او تلك التي تتحرك باسم الاسلام ،بمجموعة من العوامل اوالخصائص التي تحدد قوتها كما تحدد ضعفها . ومن خلال الرجوع الى مختلف الادبيات السياسية التي روجت لها ، ومن خلال تحليل مختلف المراحل التي مرت بها منذ نشاتها الاولى ، والى مرحلة تواطئها مع السلطة في السبعينات لمواجهة اليسار ،ثم انقلابها عليها عندما تغيرت مجموعة من العوامل التي راهنت عليها في مشروعها العام ، ومن خلال المقارنة بين ظروف سبعينات القرن الماضي وظروف بداية الالفية الثالثة خاصة بعد 11 شتنبر ، يمكن ان نحدد ما هي عوامل قوة وضعف هذه الجماعات التي اثرت بشكل او باخر في الاوضاع العامة داخل وخارج المغرب .

-1عوامل قوة منظمات الاسلام السياسي :

تتمثل ابرز جوانب القوة لدا منظمات الاسلام السياسي بالمغرب في اتخاذها رسالة السماء شعارا لها مما يضعف امكانية التصادم معها ، وبما ان التدين خاصة وميزة اساسية لدا الشعب المغربي المسلم ، فانه يتعذر مناقشة من يقول انه يريد تطبيق شريعة الله ، لكن بالمقابل يمكن مناقشة اية نظرية اخرى تعادلية ، اشتراكية ، ماركسية او بربرية . من هذا المنطلق فاذا طلبنا الداعي او الفقيه السياسي الى تطبيق حكم الله بنظام اقتصادي ، اجتماعي دستوري او قضائي ، فانه لايملك الا ان يقول " القران دستورنا " ، " ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون ...الخ" رغم ان الله سبحانه وتعالى ترك مجالا واسعا امام العقل لاستنباط الحلول المناسبة .

من اهم نقاط القوة عند هذه الجماعات نجد التعميم في الاحكام وعدم الدقة في طروحاتهم ، حيث انهم يتمسكون بعموميات الشريعة والسنة دون تشجيع العقل على افراز ما يصلح لمقتضيات المسلمين التي تتبدل بتبدل الازمنة والعصور ، كما تكمن قوة الاسلام السياسي في انتشاره السريع بين النخبة المثقفة وطلاب المدارس العليا خاصة كليات العلوم وكليات الاداب ، ثم سيطرته على معاقل كانت من قبل ساحة لتفريخ العناصر اليسارية ك (الاتحاد الوطني لطلبة المغرب) . وفضلا عن كل ذلك فان اعضاء تلك الجماعات يتميزون بامتلاكهم قدرات عالية تمنحهم الاستعداد لاقتحام الصعاب والمحن والشدائد التي قد يتعرضون اليها في مسيرتهم النضالية سواء عندما يكونون يواجهون الحكم ، او عندما يكونون يخوضون حرب المواقع مع الاتجاهات السياسية الاخرى التي تنافسهم العمل السياسي ، كما انهم معروفون بايمانهم الشديد بمشروعية اطروحاتهم ، واستعدادهم في كل وقت للتضحية في سبيل الله وفي سبيل الاسلام . Des fanatiques .

-2 عوامل ضعف منظمات الاسلام السياسي : يمكن ان نحدد اعم هذه العوامل كما يلي :

ا ـ التفتت والتشردم حيث ان هناك جماعات كثيرة يجمعها التناحر في ما بينها ، خاصة بين الاتجاهات الاسلامية التي تعمل ضمن قوانين الدولة ، وتلك التي تعمل خارج تلك القوانين . مثال الاختلافات الجذرية التي وصلت حد السب والقذف وتبادل الاتهامات بين حركة) الشبيبة الاسلامية) وبين( حزب العدالة والتنمية( ، ثم الاختلافات وتبادل التهم بين هذا الاخير و(جماعة العدل والاحسان) التي تعتبره الحزب " المخزني " بامتياز . عندما اعلن الاستاذ عبد الاله بن كيران انشقاقه عن( حركة الشبيبة الاسلامية(، وتكوينه مع مجموعة من المنسحبين( الجماعة الاسلامية) التي تحولت الى( حركة الاصلاح والتجديد) التي توحدت مع( رابطة المستقبل الاسلامي) في اطار( حركة التوحيد والاصلاح(الاطار الايديولوجي الدعوي( لحزب العدالة والتنمية )، كتب الاستاذ عبد الكريم مطيع عاكسا وجهة( لجنة التنسيق الاسلامي بالمغرب( ما يلي : " يبدو ان عصابة الجواسيس ( بنكيران وبرادعه ) قد فقدت التوازن نظرا لما انكشف من امرهم لدا الخاص والعام للطلاق الرجعي الذي اصدرته وزارة الداخلية في حقهم بعد ان فقدوا فاعليتهم واضطربت شطحاتهم واخذوا يخبطون خبط عشواء ذات اليمين وذات اليسار كالارنب المدعورة .

فبعد البراءات المتعددة التي اصدروها في الصحف الشيوعية والحكومية والمشبوهة من المجاهدين المعتقلين والمحكومين بالاعدام و المنتظرين تنفيذ حكم الاعدام والمهاجرين ومن اسرهم وابنائهم وادبياتهم وصحفهم ، وبعد تحريضاتهم المتوالية للدولة في صحيفتهم "الافساد " ( الاصلاح)سابقا على مراقبة المساجد وتطهيرها من الدعاة الصادقين الذين سموهم المتطرفين ، وبعد الحملة الشرسة على التنظيمات الشيوعية ) ماركسية صريحة او ماركسية معممة ) في اطار الخطة الطاغوتية لضرب فئة باخرى ، ومع محاولة التملق والتزلف ل( حزب الاستقلال) الذي يعرف كيف يسخر امثالهم دون ان يسخروه نظرا لخبرة اعضاءه ودهائهم ... وبعد ... وبعد هاهم الان يحاولون التزلف للشيوعية المعممة ممثلة في( الاتحاد الاشتراكي(الذي طالما طالب بالغاء قوانين الشريعة الاسلامية للاحوال الشخصية وبتدريس الفكر الماركسي المادي الملحد ابتداء من فصول رياض الاطفال والذي الف احد الملاحدة من اتباعه ( عابد الجابري ) كتابا مدرسيا زعم فيه ان المسيح عليه السلام ولد من الفاحشة ليوسف النجار كما تزعم اليهود.

هذه المسيرة التملقية للشيوعية المعممة بدات بلقاء نشروه في مجلتهم "الخرفان عدد 20 " أي (الفرقان) لاحد الماركسيين المعممين بدون حياء او خجل ... وهل بعد هذه المذلة للملاحدة والمنحرفين واعداء الامة والتآمر على المؤمنين والتنكر لهم وخذلانهم والغدر بهم ، هل بعد هذا كله بقي لنا ان نتساءل عن هويتهم وعقيدتهم ورجولتهم ؟.

لقد صدق رسول الله وهو الصادق الامين دائما حيث قال : " مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين ، تعير الى هذه مرة والى هذه مرة " رواه مسلم .

والشاة العائرة هي الطالبة للفحل ، أي تتجه الى هذا الغنم للبحث عن فحل ، فان لم تجده او لم تستوف شهوتها عارت الى غنم اخر لفحل اخر ...

وهاهي الشاة ( .... ) تطلب الفحل مرة عند الاستقلاليين ومرة عند الشيوعيين ومرة عند وزارة الاوقاف ومرة عند المجلس العلمي ... محتفظة بالفحل البوليسي في كل الاوقات ولله في خلقه شؤون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " ، كما كتب عندما اسس الاستاذ عبد الاله بنكيران( الجماعة الاسلامية) بعد التطورات التي عرفتها المملكة على اثر احداث 1984 وتحت عنوان " القوة في الاسلام " : " ... وعندما قامت الدعوة الاسلامية في المغرب وتآمر عليها الطاغوت وابتلاها الله بالمحن والشدائد .. انفصلت عنها شردمة من الجبناء والمرتزقة الذين اشربوا في قلوبهم العجل ) عجل الذهب ) ، واستحبوا العمى عن الهدى وتعلقت انفسهم بعفن المستنقعات ( مستنقعات المال والعبودية ) واستشرى فيهم حب الالتواء والهروب من منافع القوة والجد والصرامة ، وابوا الا ان يسيروا سير القطيع الذي لا يسلك الا المسالك السهلة تجنبا للمشقة والعنت ومحبة اللذة والرخاوة والرخاء .. لقد فعلوا فعل بني اسرائيل واخذوا دينهم لهوا ولعبا وتزلفا .. وقالوا لقيادتهم الجهادية سمعنا وعصينا .. وهاهم الان عاكفون على عبادة العجل .. لكن الله سبحانه وتعالى قيض لهذه الدعوة شبابا اخرين اخذوا دينهم بقوة وحزم وقالوا سمعنا واطعنا ، فعودوا انفسهم على الجدية والصرامة والحسم ، ولم يدعوا في سلوكهم للرخاوة مجالا ولا للتمييع سبيلا ، وطرحوا باب الالتواء والاحتيال على النصوص جانبا ، وادركوا ان تكاليف هذا الدين لا يطيقها من طبيعته الرخاوة والتمييع والهزل .. وتسلحوا بقوة الايمان وقوة الارادة غير مغفلين قوة العمل وقوة الاعداد ليوم الفصل ، فهم المنصورون باذن الله " ( ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز ). وفي ركن اخر كتب السيد ععبد الكريم مطيع وتحت عنوان " القلب والعقل بين الغيب والشهود " ما يلي : " .. وهو ما فات ايضا بعض شباب الحركة الاسلامية الذين استعجلهم حب الظهور والزعامة ، فحاولوا شق الصف وفتنة الجماعة بتاويل الاقوال والتصرفات ، وتبرير الاعمال والتوجهات مدججين بكل ما يخطر ولا يخطر على بال من منكر غير متورعين عن استعمال اخس اساليب الكيد والشيطنة ، فكان عاقبة امرهم ان سقطوا في احضان الطاغوت وارتكنوا في الفتن ، او قبعوا في احدى مزابل الخزي والنسيان ، او شغلوا عن فتنة الدعوة واهلها بما اقتضته حكمة العلي القدير ، نسال الله العفو والعافية .." . كما ان مثل هذه الاتهامات غير المبنية على الحجج الدامغة قد تم تبادلها بين الاستاذ عبد الاله بنكيران وبين الاستاذ ادريس لشكر ، وبين( حزب العدالة والتنمية( و(حزب التقدم والاشتراكية ( وهي كانت ولا تزال - رغم انها في الظروف الحالية قد فقدت الكثير من بريقها بسبب مشاركة العديد من الاحزاب التي كانت تمارس المعارضة في الحكومة - ، وسيلة تستعمل في الصراع اما لتشويه الخصم ، واما لاثارة الشكوك حوله ، الامر الذي قد يجعل منه عرضة للقيل والقال .

ان مصدر هذا التشتت والتشرذم الذي يستفيد منه اعداء تلك الحركات بالدرجة الاولى ، حكم واحزاب مناوئة يرجع الى ايمانهم بحديث للرسول غير مؤكد يقول " ستنتهي امتي في اخر الزمان الى ثلاثة وسبعين فرقة . اثنتا وسبعون منها في النار ، وواحدة فقط في الجنة " ، وبهذا تتصور كل فرقة انها الناجية وان الباقي في النار ، وهذا هو سبب انتشار ظاهرة التكفير بين تلك الجماعات ، وبينها وبين انظمة الحكم الحاكمة ، بل بعضها وصل الى حد تكفير حتى المجتمع، مما يبرر قتل الابرياء بدعوى مساندتهم للانظمة من خلال تادية الضرائب والمشاركة في الاستحقاقات، أي الانتخابات التي تزكي "الديمقراطية الغربية الكافرة "اصلا. . يلاحظ ان هذا التشتت يبقى ظاهرة طبيعية لانهم يتفقون علىالعموميات ويختلفون اختلافا شديدا عند الدخول في التفاصيل ، وفي " التفاصيل يسكن الشيطان " كما يقول المثل الالماني .

ويصل تشتت هذه الجماعات الى حد سيادة النزعة التعصبية في مواقفهم وفي احكامهم وارائهم ، وتصنيف الناس وفق التزاماتهم او عدم التزاماتهم بهذه الطروحات ، وهذا يعني ان تلك الجماعات وعلى غرار مثيلاتها الاروبية عنصرية بامتياز .

ب ـ الغياب الكامل للبعد القومي في طروحاتهم الفكرية والتنظيمية ، ويرجع هذا الموقف بدرجة اولى لعدائهم الشديد للاحزاب القومية من ناصرية او بعثية . ان هذه الجماعات تعتبر العالم كله بدار الاسلام ، أي يؤمنون باممية الاسلام وعدم حصره فقط في الاقطار التي ظهر فيها ، لذا نفهم لماذا تعتبر العديد من التنظيمات الاسلامية في اروبة ، انها تمارس جهادها في بلاد الكفار رغم استفادتها من مختلف التسهيلات التي تنص عليها القوانين الاروبية.

ج ـ غياب البعد الاجتماعي والاقتصادي في برامجهم التي ينوون بها تسيير الدولة ، وهو ما يجعل العديد من المحللين الاقتصاديين والسياسين يبشرون بالأسوء ،فيما اذا طبق برنامج غارق حتى النخاع في الجاهلية والقرون الوسطى. فهل يعقل وفي الالفية الثالثة مع تشابك العلاقات الدولية ان نطبق نظام الخلافة الاسلامية الراشدة ، او الخلافة العثمانتية المملوكية ؟. انه شيء مستحيل ، لانه في غياب الدولة العصرية التي تجمع بين الاصالة والمعاصرة ، بين الاصول والتجديد ، الدولة المتوازنة سياسيا ، اجتماعيا ،اقتصاديا ،فلسفيا وفي اطار الخصوصية التي تحفظ التمايز والحق في الاختلاف ، يستحيل على العالم العربي وضمنه المغرب ان يحقق القفزة النوعية في التنمية الاجتماعية التي تهم الشعب والدولة في ان واحد .

د ـ معاداتهم للاحزاب السياسية التي لاتؤمن بما يؤمنون ، واعتبارها طابور خامس للغرب الراسمالي في المغرب وفي مجموع البلاد العربية ،لذلك فالعديد من الحركات الاسلامية تعتبر الاحزاب السياسية عدوا رئيسيا وليس ثانويا شان النظام السايسي ، الذي تدعو( جماعة العدل والاحسان) الى التخلص منه . ان الهدف التي ترمي بعض الجماعات من بلوغه ليس اكثر من اقامة دولة ثيوقراطية توتاليتارية يحكم فيها الفقيه ، او اهل الحل والعقد ، او مجلس الارشاد ، او مجالس النصيحة ، أي تغييب الشعب الذي سيخضع لديكتاتورية هذه الهيئات التي ستفرض عليه وصايتها ، وهذا شيء خطير لانه يرفض حتى الاستفتاءات في القضايا الاستراتيجية التي تهم الأمة.


الأجزاء السابقة
الإسلام السياسي الجزء الأول
الإسلام السياسي الجزء الثاني
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات