أخر الاخبار

الإسلام السياسي في المغرب -1-



إشكالية المصطلح: قراءة نقدية في تسميات "الحركات الأصولية" و"السلفية" ومشروع "الثورة الإسلامية"

بداية، لابد من توضيح بعض الغموض الذي يكتنف التسميات التي يطلقها الغرب على جماعات الإسلام السياسي، مثل "الحركات الأصولية" و"السلفية"، وكذلك الأهداف المنسوبة إليها كالاستيلاء على الحكم سواء عبر الانقلابات أو ما يسمى بـ"الثورة الإسلامية". تبقى هذه التسميات والأوصاف في معظمها إما وصفية أو في أحيان كثيرة قدحية، حيث أن الهدف منها في التحليل الغربي "المخدوم" هو إبراز التمايز والاختلافات المجتمعية العميقة بين المعسكرين الغربي والإسلامي. وهذا ما ذهب إليه مفكرو الغرب بعد أفول الاتحاد السوفيتي سابقًا، عندما نظروا ومن منطلقات صهيونية-مسيحية إلى ما أسموه "صراع الحضارات". إن رفض هذه التسميات التي دأب الغرب على إطلاقها على تلك الحركات نرجعه إلى أن ظروف تكوين هذه الجماعات وأيديولوجياتها النصية، والمشروع المجتمعي العام الذي تجتهد في تحقيقه، لا يسمح بتسميتها بالحركات "الأصولية" أو "السلفية" أو "حركة النهضة"، ولا يسمح لنا بأن نسمي مشروعها بـ"الثورة الإسلامية".

أولاً: حركة النهضة: جدلية الدين والسلطة في مسار التطور التاريخي

يرتبط التاريخ العربي الإسلامي بالدور العظيم للإسلام والأثر البليغ الذي تركه في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية. ويأتي في مقدمة هذا الأثر النضال ضد الغزو الأجنبي؛ فتحت راية الإسلام تم صد الغزوات الصليبية الأوروبية، وفي ظله تصاعدت المقاومة المغربية ضد الاحتلال الكولونيالي الفرنسي، كما نهض الوهابيون باسم الإسلام وبخلفية عربية عشائرية للنضال ضد الاستبداد العثماني الذي استخدم الإسلام أيضًا للسيطرة على الشعوب واستثمار الجماهير لمصلحة أقلية إقطاعية حاكمة. وباسم الإسلام اندفعت جموع المهديين في السودان للنضال ضد المستعمر البريطاني، كما تحرك عمر المختار ضد جحافل الطليان في ليبيا. وقبل هذا التاريخ بزمن، تنادت الجماهير المضطهدة والمستغلة للنضال الاجتماعي تحت راية الإسلام ضد الأقلية الحاكمة التي كانت تتسمى باسم الإسلام أيضًا، لكنها فسرت نصوصه بما يخدم طبيعتها الطبقية الاستبدادية ويتلاءم مع مشاريعها الاستغلالية.

في ذلك الزمن، كان لابد لزعماء الحركات الاجتماعية في العالم العربي والشرق المسلم، كما هو الحال في الغرب المسيحي، من الالتجاء إلى الدين والاحتماء به من أجل الهجوم على السلطة الإقطاعية الاستبدادية المتسترة برداء الدين أيضًا. فقد كانت سيطرة الأيديولوجية الدينية في حياة المجتمع الفكرية في الشرق وفي أوروبا العصر الوسيط لا تتجلى في تكريس الأوضاع القائمة فحسب، بل في حقيقة أن الهجوم على الإقطاعية أو على مؤسساتها كان يتخذ شكلاً دينيًا، فكان الدين شرطًا أيديولوجيًا ضروريًا لعملية التطور التاريخي. وانطلاقًا من ذلك، سعت الفئات الدينية المعارضة والمضطهدة إلى تضييق نفوذ الطبقة الحاكمة الروحي عن طريق الدين أيضًا. وهكذا، تم في مجرى التطور التاريخي وفي خضم احتدام التناقضات بين الحاكمين والمحكومين، استخدام الدين من كلا طرفي الصراع الاجتماعي إما لحشد الجماهير في طريق الثورة ضد الاستغلال والاضطهاد، أو في سبيل تخدير الجماهير وتحويلها إلى كتل منتجة للخيرات لمصلحة الفئات الحاكمة.

استمر الوضع على هذا المنوال حتى مجيء عصر النهضة وحركة التجديد والتنوير الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر. ففي ظل تأثير الانتشار النسبي للعلاقات الرأسمالية في معظم الأقطار العربية، المتزامن مع ضغط الرأسمالية الأوروبية والغزو الكولونيالي ومن ثم الإمبريالي لمغرب ومشرق الوطن العربي، ومع الإرهاصات الأولى لظهور الأفكار البرجوازية المبكرة، بدأت تظهر تدريجيًا في مصر والعديد من الأقطار العربية اتجاهات أيديولوجية جديدة عُرفت بحركات "التجديد الإسلامي" و"حركة الجامعة الإسلامية" بتعريف جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. ولا يخفى أن "حركة التجديد الإسلامي" شأنها شأن "حركة النهضة العربية" كانت ثمرة البدايات الأولى لنمو علاقات إنتاج جديدة رأسمالية، وقد عبرت أفكار "التجديد الإسلامي" و"حركة النهضة العربية" عن تطلعات الطبقة البرجوازية الجديدة السائرة في طريق التكوين.

معنى ذلك أن "حركة النهضة العربية" و"حركة التجديد الإسلامي" في عصر النهضة العربية كانتا حركة ثورية حضارية تسير مع مجرى التطور التاريخي في أواخر القرن التاسع عشر، المتسم بعملية الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية من جهة، وتحول الرأسمالية إلى إمبريالية تستثمر وتستغل الشعوب وتستعبدها من جهة أخرى. وقد وقفت "حركة التجديد" في عصر النهضة ضد الإمبريالية في عدوانها على الشعوب الإسلامية، ووقفت ضد الاستبداد المتمثل في الإقطاعية الشرقية والعثمانية. وهذا الموقف يتعارض طبعًا مع المشروع العام الذي تريد منظمات الإسلام السياسي تحقيقه في المجتمع، والذي ليس في الحقيقة أكثر من محاولة بائسة لبعث السلطة العثمانية الاستبدادية خلف أقنعة مختلفة، وقتل المشروع العربي المعاصر الذي يخوض النضال ضد كل المخزون الثقافي السلبي المتراكم في البنية العربية، والملتمس لنفسه البراءة في نصوص تاريخية استهدفت قتل روح المبادرة في العقل العربي خدمة للأنظمة الاستبدادية، وهي أيضًا محاولات الرجعية لاستغلال الدين ضد طبيعته لعرقلة التقدم بتفسيرات تتصادم مع حكمته الإلهية السامية.

ثانيًا: الحركة السلفية: من نهضوية نقدية إلى رجعية منكفئة

يعد مفهوم السلفية من أهم المفاهيم المتداولة اليوم في الساحة السياسية والثقافية عربية أو غربية، غير أن استعماله يتم عبر منظورات متفاوتة حيث ينزاح من معنى إلى آخر، ويتضمن مقاصد مختلفة ومتناقضة في كثير من الحالات. الأمر الذي يدفع إلى التساؤل: هل تعتبر السلفية حركة تجديد ديني وسياسي، أم هي التعبير الصحيح عن الدين الإلهي في معناه الشمولي؟ بمعنى آخر، هل ينبغي النظر إلى السلفية كرؤية استشرافية للمستقبل، أم كتراث ديني يجب الحفاظ عليه في مواجهة التهديد الخارجي؟ ثم هل يصح فعلاً نعت منظمات الإسلام السياسي بالحركات السلفية كما درج على ذلك الكتاب الأوروبيون والغربيون بوجه عام؟

بالرجوع إلى بعض المفكرين المغاربة الذين اهتموا بهذه الإشكالية، نجد أن مدلول السلفية هو تعبير عن فترة النهضة العربية في مواجهة تقدم العالم الحر بنمطيه الشرقي والغربي. فبعد اندثار الإمبراطورية العثمانية، وشعور العالم العربي والإسلامي بتراجعه أمام الآخر الذي بدأ يعد عدته لتبشيره المسيحي الكولونيالي، ظهرت مجموعة من الرواد المسلمين الذين تحملوا هم محاولات الكشف عن الذات ونواقصها، والبحث في سبل الانعتاق لاستعادة عظمة ومجد التاريخ العربي الإسلامي. هذه المجموعة التي مثلها الأفغاني وعبده والكواكبي، هي ما أطلق عليه الأستاذ محمد عزيز لحبابي اسم "السلفية". وإذ نتفق مع وجهة النظر هذه، فإننا نختلف مع كل من يصف الفترة التي استغرقت تجربة حسن البنا مع حسن الهضيبي والسيد قطب بفترة السلفية. الفرق بين الفترتين هو أن الفترة الأولى، فترة عصر النهضة، أراد المصلحون منها تطوير العالم العربي والإسلامي بما يحقق التقارب مع العالم المتقدم. أما الفترة الثانية فهي بخلاف الأولى، تعتبر ارتدادًا ونكوصًا ورجوعًا إلى الخلف نحو خلق قيم غارقة في الأساطير والرجعية. من هنا يمكن فهم أسباب تراجع محمد رشيد رضا عن أفكار الأفغاني وعبده، وكانت أفكار حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين نقلة إلى الخلف بالقياس إلى رشيد رضا، وجاء السيد قطب ليدفن ما تبقى من معالم التجديد الإسلامي عندما اعتبر في كتابه "معالم الطريق" أن الحضارة الحديثة شكل آخر من أشكال العصر الجاهلي.

فإذا كان لحبابي قد اعتبر السلفية أيديولوجية دالة على الفكر الإسلامي النقدي، كما مثله السلف في عصور الازدهار حين مارسوا الاجتهاد وحرية التأويل، فحاربوا كل الإسرائيليات والشعوذات الضارة بالدين، فإن الأستاذ علال الفاسي اعتبرها بدوره الفكر الإصلاحي المناهض للطرقية، حيث قال إن "سلفيتنا كانت تمردًا على الاستعمار" وإنها "سلفية متحررة من الجمود والجحود، ثائرة ضد الواقع وعاملة على تغييره لبناء وحدة وطنية سليمة" منبثقة عن "الفكر الإسلامي المؤمن بالدين والمتحرر من أثقال عصور الانحطاط".

يتضح من هذا أنه في مرحلة النضال ضد النظام الكولونيالي، تبلور وعي البرجوازية الوطنية والميركانتيلية فيما جرت الكتابات على نعته بـ"الحركة السلفية"، وهي الحركة التي كان لجامعة القرويين فضل كبير في بلورتها على يد علال الفاسي وبلعربي العلوي. فكانت السلفية آنذاك "دفاعًا عن الدين بعد تطهيره"، وحافزًا وطنيًا اعتمدته البرجوازية الوطنية في تعبئة الجماهير ضد المحتل الفرنسي. لكن منذ النصف الثاني من السبعينات، بدأت الظروف تنضج لنشوء حركات إسلامية رجعية، لا يمكن نعتها بالحركات السلفية بالمعنى الذي عرفه به لحبابي والفاسي، نظرًا للخلط في المشاريع العامة. فالسلفية في المغرب كانت إشارة إلى أيديولوجية البرجوازية الوطنية في مواجهتها للاستعمارين الفرنسي والإسباني والطرقية. أما في الشرق العربي، فالسلفية تعني تلك الحركة التي حاولت تطوير العالم العربي والإسلامي للدفع به إلى مصاف الدول المتقدمة عن طريق التصنيع والتحديث ومحاربة الإقطاع والاستبداد والفساد، وهذا يختلف جذريًا عن مشاريع الجماعات الراهنة.

ثالثًا: الحركة الأصولية: مصطلح مغاير لمحتوى منظمات الإسلام السياسي

لفظ "الأصولية" بالرغم من أصله العربي من الناحية الاشتقاقية، إلا أنه ترجمة للفظ الأجنبي " fondamentalisme"، ويشير به الدارسون الغربيون المحدثون إلى النهضة الإسلامية أو الصحوة الإسلامية كما مثلتها الحركات الإصلاحية في عصر النهضة أيام الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. هذا يعني أن نعت "الأصولية" لا يجب إطلاقه على الحركات الدينية التي من الأفضل تسميتها بـ"منظمات الإسلام السياسي"، وذلك لأن هذه المنظمات أثارت وما زالت تثير من المشاكل ما أرهق الجهد العربي، ودفع الحكومات إلى التركيز على الاعتبارات الأمنية الضيقة أكثر من التركيز على المجالات الأخرى. إن مشاكل منظمات الإسلام السياسي تطرح على مستوى سياسي أيديولوجي، أكثر مما تطرح على مستوى عقلاني ثقافي وتاريخي كما كان يفعل السلفيون الحقيقيون. فمحمد عبده مثلاً كان أكثر عقلانية بكثير من الذين يتحدثون اليوم عن الصحوة الإسلامية. إن الذين يتحدثون عن الصحوة الإسلامية أو الأصولية، إنما يتحدثون عن خطاب سياسي مغلف بعبارات دينية هدفه الأساسي اغتصاب الحكم، إما بالانقلاب من أعلى أو بثورة شعبية، لذا فإن هذه الجماعات ليس لها من السلفية التجديدية غير الاسم.

رابعًا: الثورة الإسلامية: احتكار المفهوم ومصادرة التاريخ

في هذا الباب نتفق مع الأستاذ محمد أركون الذي ينفي عن منظمات الإسلام السياسي صفتها الثورية، ويصفها بدل ذلك بأنها "مستغلة للدين وتحرفه عن صوبه الصحيح"، كما يرفض استعمال مصطلح "الثورة الإسلامية" ويعتبرها فقط حركات سياسية تستهدف بالدرجة الأولى السلطة. إن استعمال مصطلح الثورة الإسلامية في نظر أركون يدل على حادث واحد هو "ظهور الوحي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم"، فما قام به النبي يعتبر "ثورة فكرية عقلية ورمزية". وقد فاتني من قبل أن أذكر أن الدين خلق نظامًا من الرموز يغذي الروح والمخيلة والعقل، والقرآن الكريم أحدث هذا كله، لذلك يمكن القول إن القرآن ثورة إنسانية لأنه غير نظرة الإنسان إلى الإنسان وإلى العالم، وقدم أطرًا تفكيرية جديدة.

يتضح من كل ما سبق أنه بدلاً من أن تسير حركة التجديد الإسلامي التي تدّعيها حركات الإسلام السياسي إلى الأمام، انكفأت إلى الوراء، وبدلاً من تطوير أفكار الأفغاني ومحمد عبده، تم التراجع عنها، وعوضًا عن البحث عن حلول جدية لمشكلات الأمة، جرى الهروب نحو التقوقع في أحضان الماضي، وبدلاً من دفع تقاليد الاتجاه التقدمي تاريخيًا في التجديد والتطوير، جرى ترسيخ الاتجاه المحافظ والتقاليد الجامدة. بعبارة أخرى، انتصر خط التأكيد على البنى الفوقية لما قبل الرأسمالية، واستمرت السيادة للغيبيات، فتراجعت العقلانية واختفى الخط الثوري تاريخيًا للأفغاني ومحمد عبده. إن قيادات الإسلام السياسي تتحاشى طرح برامج سياسية واجتماعية واقتصادية محددة، فتكتفي بالغموض ودغدغة المشاعر بطرح شعارات براقة ومبهمة حول حكم الإسلام وتطبيق الشريعة، أي أن خطابها يسيطر عليه الميل النرجسي فقط.

وقد لخص أحد المفكرين الناصريين، الأستاذ عصمت سيف الدولة، هذه المفارقة التاريخية بتساؤله البلاغي: "كيف نعود للسلف الصالح تاريخيًا؟ مستحيل... من الذي يريد البيعة على الطريقة التي تمت بها بيعة أبي بكر؟ من الذي يريد الخلافة على طريقة عثمان؟ من الذي يريد الصراع بين المسلمين على طريقة معاوية وعلي؟ من الذي يريد هذا؟". إنها أسئلة تكشف استحالة استعادة نموذج الماضي بحذافيره، وتفضح وهم المشروع الذي تطرحه هذه الجماعات.

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -