القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

إطلالة على حياة الفدائي حمان الفطواكي

حمان الفطواكي

بلدة تيدلي فطواكة تنتمي إلى قبائل فطواكة تقع في سفوح جبال الأطلس الكبير شرق مدينة مراكش على بعد مائة كيلومتر تقريبا وسط بساتين أشجار الزيتون يقطعها واد من الجنوب إلى الشمال تجري مياهه شتاء وتجف صيفا جل سكانها فلاحون يربون المواشي لغتهم الامازيغية إلا الجالية اليهودية تتكلم بالعربية وهي التي تحتكر التجارة وبعض الحرف اليدوية وتقطن وسط البلدة في حي يسمى الملاح وكان ينعقد فيها سوق أسبوعي كل يوم اثنين .

قبل الاستقلال ليس في البلدة أية إدارة مخزنية ولا مدرسة حكومية ولا مستوصف وكان المرضى ينتقلون للعلاج إلى دير للرهبان يوجد في بلدة تزارت تنتمي إلى قبائل كلاوة على بغد 20 كيلومتر تقريبا أو إلى مدينة دمنات أما الممثل الواحد للمخزن السيخ والمقدم في هذه البلدة .

حياة المقاوم حمان الفطواكي

ولد حمان الفطواكي في أوائل القرن العشرين اسم أبيه بريك بن إبراهيم بن علي بن سعيد اسم أمه فطومة بنت المكي ايت اشوط وهو الابن الثاني والأول من الذكور ولما بلغ عمره خمس سنوات ادخله أبوه الكتاب (لحضار) ليدرس القرآن ، لما بلغ عمره العقد الأول اخذ يساعد أباه في رعي الغنم .

لقد شارك إلى جانب الكلاوي في المعارك التي كانت تقوم بين الكلاوي وبين قبائل ايت عطا وايت حديدو وعمره لم يتعدى ستة عشر سنة وكان الكلاوي يرغم الفلاحين على المشاركة الى جانبه مستعملا الإكراه مثل ما وقع له مع أب حمان حيث باع بقراته ليشتري حصانا لابنه ليشارك في معركة بولخماس التي انهزم فيها الكلاوي وبعد عودة حمان اخبره أباه بان ما بقى له من الدخيرة تمنى لو يفرغها في صدر الكلاوي .

لقد حافظ المغرب على استقلاله فترة طويلة ولكن فرنسا كانت باستمرار تراقب وتخطط حتى يصبح المغرب ثالثة الأثافي بعد احتلالها الجزائر منذ سنة 1830 وتونس منذ 1881 ولقد مرت الظروف على الوجه الآتي :
- أحاطت فرنسا بالمغرب خصوصا من ناحية الجزائر ووجود قوات فرنسية هامة أقدمت منذ عام 1907 على احتلال بعض الأراضي المغربية ناحية وجدة .
- الموقف الدولي حيث اتفقت فرنسا وبريطانيا في الاتفاق الودي المعروف بينهما عام 1904 باقتسام المغرب بين فرنسا واسبانيا وتأخذ انجلترا مصر .
- الامتيازات التي حصلت عليها فرنسا خصوصا بعد مؤتمر الجزيرة الخضراء وتسوية الخلاف مع ألمانيا وكذلك اتجاه ايطاليا نحو الاحتلال الليبي كما سوت فرنسا بعد ذلك المشكل المغربي مع ألمانيا والمعروف بحادث اكادير 1911 .
- ضعف الحكومة المغربية وأمام بعض الثورات الداخلية ضد الحكومة المركزية مما كلفها كم جهد وأموال ودفعها للاستدانة.
كان الاستعمار الفرنسي يخطط لدخول المغرب وكان قد أقدم الى جانب احتلال وجدة الى احتلال ميناء الدار البيضاء ، بعد أن قام بتجهيزه وجعله الميناء الأول في المغرب لتسهيل الاتصال البحري .
لقد وقع المولى عبد الحفيظ معاهدة الحماية بعد أن ظل يقاوم رينو REGNAULT سفير فرنسا في 30 مارس 1912 والتي عرفت بمعاهدة فاس وكان ساخطا غاضبا بمجرد إعلان الحماية قامت على الفور الثورات
والإضرابات والقلاقل ففي 17 ابريل 1912 حدثت فتنة خطيرة في فاس قتل فيها عدد كبير من ضباط وجنود ومدنيين وفرنسيين وجاءت القبائل من جبال الأطلس وحاصرت فاس وانظم الحرس الملكي الى الثوار المغاربة ولم يستطع الفرنسيون القضاء على الثورة حيث عينت فرنسا الجنرال ليوطي LYAUTY المقيم العام ومنحته سلطات مطلقة وتولى قيادة الجيش بنفسه وتمكن من فك الحصار عن فاس في يونيو 1912 .
تم تنازل المولى عبد الحفيظ وأصبح المولى يوسف سلطانا على المغرب ونقلت العاصمة الى الرباط وكان هذا التنازل في 11 غشت 1912.
لقد استطاع ليوطي نفسه ان يفتح طريقا تربط الأطلس بالصحراء عبر الأطلس الكبير بمساعدة كبار القواد الكلاوي- الغندافي-المتوكي ، بسط الكلاوي نفوذه على جميع القبائل المجاورة كذلك على قبائل فطواكة بمساعدة الاستعمار الفرنسي وكان الكلاوي يعزل ويسجن ويقتل كل من قام ضده من القواد والشيوخ وهو الذي قتل القائد الجاكر الذي كان آنذاك قائد على قبائل فطواكة ببلدة الدراع .
لقد عين المراقب الاستعماري الذي كان مقره في مدينة دمنات شيخا أميا وجاهلا وظالما ليس في قلبه الرحمة ولا العدالة وأطلق يديه يتحكم في رقاب الفلاحين كما يحلو له لقد عان سكان البلدة منه الأمرين رغم أن البلدة لم يسكن فيها أي مستعمر ولكن العملاء والخونة من قبائل كلاوة كثيرون وكانوا يرغمون الفلاحين أن يعملوا في أراضي وحقول المستعمرين والعملاء يسمى "الكلفة" وأثقلوا كاهل الفلاحين بالضرائب الفلاحية – الترتيب – أثناء الحرب العالمية الأولى 1914-1917 فرضت الحماية الفرنسية التجنيد الإجباري على الشبان وصار القواد والشيوخ يمارسون القمع والإرهاب والسجن ومصادرة أراضي وحقول ومياه الزيتون ومياه السقي من من امتنع من الفلاحين أن يقدم ابنه للتجنيد الإجباري .

لقد قدم أب حمان ابنه الصغير اسمه عمر على التجنيد حيث انقد ممتلكاته من المصادرة .

صار الشبان يهاجرون البلدة هربا من بطش الشيخ وقمعه لذلك هجر حمان الفطواكي البلدة واتجه إلى شمال المغرب الذي كان آنذاك محتلا من طرف الاستعمار الاسباني في مدينة تطوان صار يعمل في معمل في ملكية احد الاسبانيين إلى أن وصل عليه ابن عمته مع ثلاث شبان من البلدة فاتفقوا أن ينخرطوا بالجيش الاسباني .

كان حمان مقداما وشجاعا لا يهب الموت وهذه إحدى تضحياته من اجل زملائه حيث حصرت فرقته وكان جل جنودها مغاربة من طرف العدو في مكان تنعدم فيه المياه وكانت الفرقة تنتظر الإمدادات لفك حصارها وكان التمويل ينزل من الطائرة بواسطة المظلات.
لقد نفذ الماء للفرقة ورأى حمان أن زملائه سيهلكون عطشا وكانت النقطة الواحدة التي يوجد فيها الماء قريبة من العدو في متناول أسلحتهم النارية.

وفي الليل جمع حمان ما يقدر على جمعه من القوارير الفردية BIDONS INDIVIDUELLS وتوجه إلى المكان الذي يوجد فيه الماء بخفة وحذر شديد فدخل وسط الماء واخذ يملا القوارير الفردية بالماء مستغلا الضفادع إلا أن بقي له قارورتان أراد أن يملاهما بالماء فاصطدمت فيما بينهما احدث صوتا لأنها مصنوعتان من الألمنيوم فانتبه حراس العدو واخذوا يطلقون النار اتجاه الصوت فلجأ حمان إلى ربوة احتمى بها من الرصاص إلى أن توقف إطلاق النار و انتظر إلى أن عاد الهدوء وملا المكان نقيق الضفادع فخرج من مكانه وهو يزحف على بطنه وهو محمل بقنطار من الماء تقريبا إلى أن وصل اخدد فوقف على رجليه والتحق بزملائه بالأناشيد والثناء عليه فكان نصيب كل واحد منهم كوبا من الماء بهذه التضحية نال رتبة قائد المائة في سنة 1921 قامت الحروب بين البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي وبين الاستعمار الاسباني استغل حمان الفطواكي وضعيته كملازم لمساندة محمد بن عبد الكريم الخطابي في حربه ضد الاستعمار الاسباني فكشفت أمره المخابرات العسكرية وانتهز هزيمة الجيش الاسباني فهلاب بسلاحه إلى مدينة طنجة التي كانت آنذاك منطقة دولية بمساعدة امرأة اسمها ارحيمو الطنجوية بشرط أن يتزوجها وكان شقيقها سائق شاحنة ينتقل بين مدينة تطوان ومدينة طنجة .

في مدينة طنجة نفد الشرط وخطبها من شقيقها وتزوجها ومكث في مدينة طنجة بضعة أشهر ثم رجع إلى مسقط رأسه مع زوجته وكانت هي التي تخفي مسدسه عند نقاط التفتيش .

بعد أن رجع إلى بلدته تيديلي فطواكة سكن مع أبيه وبعد مرور سنة انتقل إلى مدينة مراكش مع زوجته وابن لشقيقه اسمه الحسين وأختيه صغيرتين ماتت أمهما وكانت زوجة أبيه تعاملهما بقسوة فاكترى منزلا مع عمر السفاج احد أبناء بلدته .

وكان يعمل في شركة موبيل للغاز والنفط ثم غادرها بعد صراع مع احد الفرنسيين بها ثم عمل في الحافلات وأخيرا كان يشتري غلال الزيتون والمشمش لصالح معمل المصبرات في ملكية احد المستعمرين اسمه سان طوس ثم بعد ذلك اكترى دكانا بباب تاغزوت وصار بقالا بعد ذلك كون شركة لبيع الحبوب والأخشاب والفحم بمراب – جراج- في طريق بين المعصر مع احد أبناء بلدته اسمه محمد بن اليزيد وكانت لهما شاحنة .

في هذه السنة طلق زوجته ارحيمو الطلقة الثانية وبعد انقضاء عدتها سافرت إلى الدار البيضاء عند أخته زهراء التي كانت متزوجة هناك لأنها تعتبرها كابنتها ومن هناك رجعت إلى مدينة طنجة .

لقد مكثت معه زوجته ارحيمو أكثر من 15 سنة لم يرزق منها بأي مولود ،تزوج امرأة أخرى اسمها رقية بنت محمد الصبان ايت الشحيح من مدينة مراكش التي عاشت معه أكثر من 13 سنة قبل أن يلقى عليه القبض ولم يرزق منها بأي مولود كذلك لأنه كان عقيما ، لقد تبنى ابن شقيقه عمر أيام زوجته الأولى السيدة ارحمو اسمه الحسين إلى أن صار كبيرا ثم أراد أن يتبنى ابن أخر لشقيقه اسمه عبد الله لكن زوجته الثانية رفضت لأنها تريد رضيعا مجهول الأبوين لذلك اخذ رضيعا من ملجأ الأيتام والمتخلى عنهم وتبناه واسماه صلاح الدين .

توفي المولى يوسف في 17 نونبر 1927 فخلفه ابنه المولى محمد لقد اختارته الحماية الفرنسية دون أخيه الأكبر وكانت سنه ستة عشر عاما ظنا منها أنها تستطيع تربيته كما تشاء وفي مدرستها السياسية وكذلك كسبا للوقت حتى يكبر عوده وتكون قد أرست حكمها بعد أن هزتها حرب الريف وما تزال المقاومات في الجبال غير أن السلطان الشاب كان اكبر وأذكى مما تتوقع الحماية الفرنسية فلم تتحقق لها ما أرادت بل حقق ما أراد هو وما أراد شعبه فضل يكافح ويتصل بالوطنيين وينفخ في روح الوطنية من عزيمته وإيمانه حتى كون امة مؤمنة بالكفاح والمثل العليا والفضيلة ومؤمنة بنفسها وتاريخها ومستقبلها كان عهده استيقاظ الروح الوطنية والإصلاح والعمل .

في 16 مايو 1930 أصدرت الحماية الفرنسية الظهير البربري أرادت ان تحقق الأهداف الآتية :
- القضاء على مقومات المغرب وإدماجه في حظيرة العائلة الفرنسية .
- إتباع سياسة تمزيق الوحدة بين العناصر العربية والعناصر البربرية المتمسكة بالإسلام .
لقد أصبح المغرب مزرعة كبيرة ومتجرا كبيرا للخامات ومصدرا للاستثمارات والثراء الفرنسيين ولقد تمكن الأجانب من امتلاك مليون وعشرة آلاف هكتار من أجود الأراضي المغربية في الحوز والشاوية وسهول الغرب وسوس وسايس وبركان وبنت السدود من اجل توفر السقي لهم والكهرباء لمصانعهم .
في أوائل الحرب العالمية الثانية أصيب المغرب بجفاف حاد حيث انتشر الفقر والبؤس وارتفعت الأسعار وانتشرت المجاعة والأوبئة وكانت الحماية الفرنسية تصدر كل منتوج إلى بلادها لتمويل جيشها الذي يحارب جيش الألمان.
شحت المياه وهلكت الماشية والزرع وانتشر الفقر والمجاعة والأوبئة واخذ السكان يأكلون بذور عشبه اسمها "ايرني" وجفت العيون والسواقي في بلدة تيديلي فطواكة إلا عين واحدة توجد في فم الواد على بعد أربع كيلومترات تقريبا وكانت المصدر الواحد لمياه الشرب وكان لحمان الفطواكي بغلة وحمار عند شقيقه عمر فأمره أن يضعهما رهن إشارة من لا يملك دابة من السكان لجلب ماء الشرب من العين وكان يعين أقاربه المحتاجين وشقيقه عمر لأنه كثير العيال وكان يحب أبناء شقيقه كأبنائه كما كمان يعين والديه ويكرم الضيوف ويعين المحتاجين ويصل الرحم وكان في بعض الأحيان يبيع متاعه لإكرام الضيوف وخاصة أبناء بلدته وكان يحي طلال العلم حيث كبن يجلس قرب حلقتهم في مسجد ابن يوسف حيث تعرف على الطالب محمد البصري والطالب عمر الازهاري والطالب محمد الرواندي .

عاش الشعب المغربي تحت ظروف الاستعمار الفرنسي الذي لم يطبق بنود الحماية حيث استولى المستعمرون على جميع الأراضي الصالحة للزراعة ومياه السقي واستغلال خيرات البلاد واستغلال الطبقة الشغيلة بأبخس الأجور ظهر فرق كبير بين الممتعين بكل شيء والمحرومين من كل شيء في شهر أكتوبر 1950 استقبلت حكومة فرنسا جلالة السلطان مولاي محمد بن يوسف استقبالا كبيرا رغبة منها ان يتخلى عن خطته الوطنية ويلين عزمه ولكنه حدد مطالب بلاده في مذكرتين قدمهما لفرنسا وتتلخصان في زوال الحماية ثم بعد ذلك تتحدد علاقة المغرب كدولة حرة مع فرنسا وجدت فرنسا ان السلطان يقف حاجزا منيعا أمام سياستها وانه يرفض التوقيع على قرارات الإقامة العامة وانه دائم الاتصال بالعناصر الوطنية مصرا على مناصرتها فقررت الإقامة العامة عزله حيث لجأت إلى الكلاوي باشا مدينة مراكش في خلافة جديدة فاخذ الكلاوي يجمع العرائض والتوقيعات للمطالبة تعزل السلطان محمد بن يوسف وجمع ما يقرب من 270 عريضة من القواد في نواحي المغرب حملها الكلاوي في شهر يونيو 1953 إلى باريس وهي عرائض مزورة واحتج القواد على انتزاع توقيعاتهم واحتج بشوات الرباط وفاس والدار البيضاء على حركة الكلاوي .

وبعد تردد اقدمت السلطات الفرنسية على حصار القصر الملكي وطلبت من مولاي محمد بن يوسف ان يتنازل عن العرش فرفض فأمرت بخلعه في 20 غشت 1953 فنفته لفرنسا هو واسرته الى جزيرة كورسيكا جنوب شرق فرنسا في البحر الابيض المتوسط اولا الى مستعمرتها بجزيرة مدغشقر بالمحيط الهندي جنوب القارة الافريقية بعد ذلك نصبت مكانه محمد بن عرفة عم السلطان مولاي محمد بن يوسف سلطانا على المغرب الذي لم يعترف له احد بهذه السلطانة وهو رجل كبير السن وأمي وأقدمت سلطات الحماية على كبت الحريات وتعطيل الصحف الوطنية ومناهضة الأحزاب السياسية 20 غشت يوم مشهود في تاريخ المغرب بين مدى التضحية في سبيل المطالب الوطنية من طرف السلطان محمد الخامس وأبنائه وباقي أسرته كما بين مدى التضحية والتعاون بين العرش والشعب .
لقد ربط الشعب المغربي في كفاحه بين الاستقلال وعودة سلطانه مولاي محمد بن يوسف لقد تغيرت الوسائل وبدأت المقاومة المنظمة والمسلحة وتجلت في كل المدن والبوادي ظن الاستعمار الفرنسي انه بنفي السلطان مولاي محمد بن يوسف وتعيين البيدق محمد بن عرفة سيرتاح له البال ويطيب له المقام لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن لقد بدأت المعارك المسلحة والدامية التي هدفت إلى اغتيال كل من يتعاون مع الاستعمار الفرنسي واحرق المزارع التي يمتلكها المستعمرون وعملائهم ومقاطعة البضائع الفرنسية والكفاح المسلح على يد المقاومة وجيش التحرير الذي خاض حربا حقيقية مع الاستعمار الفرنسي .

لم يخفى على كل من عاش محنة المغرب الكبيرة الجو القمعي والإرهابي وكبت الحريات ومناهضة الأحزاب السياسية الذي أصبح فيه الشعب المغربي بوجه عام وسكان مدينة مراكش وضواحيها بوجه خاص منذ الحركة التمردية التي تزعمها باشا مدينة مراكش الكلاوي بعد أن طرد من القصر الملكي في حفلة عيد المولد النبوي عام 1373 والتي تلتها الحفلات الاستفزازية بعيد الميلاد رأس السنة سنة 1953 لتبلغ أوجها بالحملات المحمومة والمؤتمرات والتظاهرات المصطنعة برئاسة الكلاوي والكتاني بزعامة الإقامة العامة في جميع أنحاء المغرب إلى ان تمخضت عن إبراز محمد بن عرفة إلى المسرح السياسي الهزلي حيث أدى اليمين للإقامة العامة وعملائها بضريح مولاي إدريس بمدينة الزر هون يوم الاثنين 10 غشت 1953 .

وثم نقله إلى مراكش يوم 12 من نفس الشهر لإعلانه كإمام ديني في عاصمة الجنوب على حد تعبيرهم آنذاك وهو ما دفع مؤسس المقاومة بالدار البيضاء وضمنهم الشاهدين محمد الزرقطوني والحسين الصغير وعبد العزيز الماسي إلى الانتقال إلى مدينة مراكش من اجل عرقلة المخطط الاستعماري الخبيث لقد بدا الغليان فعدل المستعمر عن إخراج إمامه الديني محمد بن عرفة إلى صلاة الجمعة يوم 14 غشت التي كان مقررا أن تتم بمسجد الكتبية اغتنم مقاومو الدار البيضاء فرصة ما قام به المتواجدون أمام المحراب من محاولة ضد الإمام لمنعه من ذكر اسم محمد بن عرفة في خطبته ليطلق الشهيد محمد الزرقطوني صفارة احدث الرعب والهلع بين الحاضرين وفر الجميع حفاة تاركين نعالهم داخل مسجد الكتبية وفي نفس اليوم وقع حادث مسجد الماسين ضد الخطيب الذي لم يذكر محمد بن يوسف في خطبة الجمعة وهما الحادثتان اللتان ستشكلان الشرارة الأولى لحوادث المشور التي استشهد فيها عدد من المواطنين وسجل فيها التاريخ لأبناء مراكش وضواحيها ما قدموه من التضحية والفداء .

للوقوف عند تأسيس حركة المقاومة في مدينة مراكش لا بد من العودة إلى الأحداث التي سبقت 20 غشت 1953 إذ بعد القمع والإرهاب الذي سلط على طلبة كلية بن يوسف من طرف الباشا الكلاوي سنة 1952 فرت نخبة من هؤلاء إلى الدار البيضاء بعد أن ذاقوا ألوانا من التعذيب والتحق بهم بعض الفارين من البطش أيضا حيث توالت الأحداث التي ساهمت بدورها في توحيد الصف ليعود بعضهم إلى مدينة مراكش وفي مقدمتهم عمر الساحلي الذي أخد على عاتقه مهم تجديد الاتصال بالمواطنين الذين سلموا من الاعتقالات بمدينة مراكش ونواحيها من اجل تأسيس الحركة في مدينة مراكش وهو الأمر الذي سيقوم الشهيد حمان الفطواكي والحسين البزيوي و محمد السوسي ومولاي مبارك وعمر بن لحسن وبوجمعة الملقب بالفرملي وعمر السفاج الزروالي والذين شكل منهم أول خلية عمل للمقاومة ليتم بعد ذلك تكوين خلايا أخرى .

بعد ذلك سافر حمان إلى بلدته تيديلي فطواكة لزيارة والديه وأقربائه وكان شقيقه عمر مقدما على البلدة فأمره أن يستقل واخذ منه المسدس الذي فر به من الجيش الاسباني ثم رجع إلى مدينة مراكش وأعطاه الى زوج أخته هشومة ليصلحه ويجربه لأنه كان من قدماء المحاربين ثم سافر الى الدار البيضاء لزيارة أخته زهراء وليبحث عن مصدر السلاح والذخيرة في الدار البيضاء اتصل بابن بلدته السيد احمد ايت القائد الملقب بالنشاشبي وهو مقاوم بمدينة الدار البيضاء بواسطته سيتعرف على الشهيد محمد الزرقطوني .
ومولاي عبد السلام الجبلي وكان اللقاء بمنزل بالمدينة القديمة البيضاء بدرب التازي .

كانت مدينة مراكش تعرف مجموعة من الخلايا كخلية البقال وجماعة عمر المسفيوي ومنظمة الأطلس وخلية 14 غشت وجماعة إبراهيم الضرير وجماعة طلبة بن يوسف والمنظمة الحسنية ومن أهم مسؤولي الخلايا حمان الفطواكي مولاي عبد السلام الجبلي ، محمد البصري ، احمد الخصاص ، عمر الساحلي رمزي ، محمد حكمت وغيرهم من الأسماء .

وأشهر الخلايا خلية حمان الفطواكي ولها شعبتي شعبة حمان الفطواكي وشعبة أمبارك وعلال العسكري ، أعمال خلية الفطواكي كثيرة وكان ينفذها هو نفسه أهمها توجهه ضربة لابن عرفة في مسجد بريمة حيث جرح في وجهه وعينه تم تلتها محاولة اغتيال الجنرال اوترفيل الحاكم العسكري لناحية وثم ضربه بساحة جامع الفناء حيث أصيب في أحشائه السفلى نقل على إثرها للعلاج بفرنسا إلقاء القنابل أمام بلدية مراكش على حاشية المقيم العام الجنرال كيوم عندما جاء لتوديع الباشا الكلاوي فقتل جنديان وجرح أكثر من 30 رماة الجيش الفرنسي إلقاء قنبلة على الكلاوي بمسجد الكتبية وإصابته بجراء إلقاء قنبلة على مفتش الشرطة بمقهى فرنسا أمام مسجد خربوش بساحة جامع الفناء اغتيال الطاغية نيفان ريدس وغير ذلك من العمليات .

خلية حمان الفطواكي هي التي قامت بالعدد من العمليات الفدائية هي في منتهى العظمة والتأثير السياسي إذ أنها استهدفت رؤساء الاستعمار وعملائه من الجحيم الكبير كالجنرال كيوم ، الجنرال اوترفيل ، ابن عرفة ، المندوب موني ، الباشا الكلاوي ، الكومندان نيفا ، عبد الحي الكتاني والقبطان الأعرج وغيرهم وهو ما بث الرعب في قلب المستعمر الغاشم وأذنابه الخونة وساهم مساهمة مباشرة في تغيير ميزان القوى لصالح الشعب المغربي الباسل ومقاومته الجبارة .

انكشفت أسرار خلية حمان الفطواكي على اثر القبض على علال العسكري عندما ألقى قنبلة على متجر
الورزازي بالسمارين لم تنفجر حيث كشف عن أسماء المقاومين تحت التعذيب الذي مورس عليه من طرف أعوان الباشا الكلاوي وشرطة الاستعمار وكان حمان الفطواكي ذلك اليوم في اجتماع في دار عمر السفاج الملقب بالزروالي مع عمر بن لحسن وبوجمعة الفرملي وامبارك بن بوبكر وعلال الرحماني لقد اقام لهم عمر السفاج مأدبة غذاء على شرف احمد النشاشبي وهو بالمناسبة مقاوم بالدار البيضاء حيث اخبرهم حمان الفطواكي انه كلف علال العسكري بمهمة فدائية فعارضوه بينما هم يتناقشون سمع طرق شديد على باب الدار فتوقفوا عن الكلام وبدؤوا يستعدون للانسحاب من باب أخر خلف الدار قامت ابنة السفاج فطلت من شقوق الباب فعرفت انه أمبارك لعريب لانها زارته عدة مرات مع أبيها ففتحت الباب له ودخل عليهم وهو ممتقع اللون واخبرهم أن علال العسكري القي عليه القبض وفضح أسرار الجماعة انسحب الجميع ومكث حمان في الدار الى الليل حيث خرج متنكرا في زي النساء مع احمد النشاشبي واحد المقاومين ومروا عبر حي الزاوية العباسية وباب الخميس وعبر حدائق الدوديات وسقر وبالبكار الى أن وصلوا الى دار إحدى المقاومات على جانب طريق الدار البيضاء ومن هناك سافر هو و احمد النشاشبي الى الدار البيضاء وفي اليوم التالي قام بزيارة خاطفة الى أخته زهراء فاقترح عليه صهره أن يسافر الى شمال المغرب حتى تهدأ الأوضاع فامتنع وكان يختبأ بمنزل في المدينة القديمة مكث في الدار البيضاء أكثر من عشرة أيام وكان أثنائها يتصل بأحد أفراد خليته عبر الهاتف لكن لم يجبه لأنه هاجر مدينة مراكش خوفا أن يلقى عليه القبض من طرف شرطة الاستعمار وأعوان التهامي الكلاوي ، لقد اتصل بشريكه محمد بن اليزيد رغم انه كان يحطاط منه ويوصي أفراد المقاومة أن لا يذكروا شيئا عن المقاومة أمامه لأنه كان مخادعا وخائنا يحبه كذلك .
أثناء غيابه سأل عنه مقدم الحي زوجته وشقيقها لأنه كان يسكن معه في الطابق الثاني لان المنزل في ملكية جدة زوجة حمان وصهره.

خاف حمان الفطواكي أن يلقى القبض على شقيقه عمرا وزوجته أو شقيقها أو على إحدى من أقربائه من طرف شرطة الاستعمار أو أعوان الباشا الكلاوي لذلك قرر الرجوع الى مراكش مهما كانت الظروف رجع ليلة عيد الأضحى لعام 1375 موافق 10 غشت 1954 فاتصل بزوج أخته السيد احمد الذي يسكن جوار ضريح سيدي بنسليمان الجزولي حيث مهد له الطريق ثم تسلل حمان الى منزله الذي يوجد في درب سيد القوري ولم يره احد
لم تخبره زوجته أن مقدم الحي يسأل عنه ثم نام في بيته استيقظ شقيق زوجته باكرا و خرج من الدار واستفسر حمان زوجته ما سبب خروج شقيقها باكرا وليس من عادته فأخبرته انه خرج ليفتح دكانه لأنه كانت مهنته حلاق .

امر حمان زوجته ان تجمع ما خف من المتاع ليغادر المنزل معها لأنه أصابته الشكوك لكن زوجته امتنعت من مغادرة المنزل بعد مرور نصف ساعة تقريبا سمع حمان طرق على باب الدار فنزل من الطابق الأول ليفتح الباب ظنا أن شقيق زوجته هو الذي يطرق الباب فلما فتحه هجم عليه رجال من الأمن وأعوان الكلاوي والقوا عليه القبض لقد تعارك معهم وكاد أن يقتل احدهم لكن شلوا حركته واخذه الى مركز الشرطة بملابس نومه لقد مزقت عليه لقد ابتلع قرصا من السم لكنه تقيأه لأنه كان يجب أن يقبل على أن يلقى القبض عليه لأنه لو كان في حوزته سلاح لاقتتل مع الشرطة كان لا يحمل معه مسدسه الى بيته عرف أن المخابرات العدو سيبالغون في تعذيبه بلا شفقة ولا رحمة على اثر القبض على حمان دخل عميد الشرطة والمقدم ورجال الشرطة وأعوانهم الخونة الى منزله حيث فتشوه تفتيشا دقيق بعثروا أثاثه ومزقوا فراشه المتواضع بحثوا في جميع أركان البيت لم يجدوا عنده أي سلاح حتى السلاح الأبيض لقد رأى احد الخونة عبارة مكتوبة بالجبص على الحائط وهي يحيى مولاي محمد بن يوسف ويسقط الخائن بن عرفة فسأل احد الخونة زوجته من كتب هذه العبارة فأجبته ان ابن شقيق حمان هو الذي كتبها وهو طفل صغير .

في مركز الشرطة أخد المخبرون يستنطقون حمان أن يذكر أسماء المقاومين وأين يجتمعون ومن يزودهم بالأسلحة والذخيرة فكان يجيبهم انه يعمل وحده وانه يشتري السلاح والذخيرة من السوق السوداء ، لقد مارسوا عليه أنواع التعذيب والضرب المبرح وعذبوه بالكي بالكهرباء والسهر وتقتر الماء عليه واقتلاع أظافره ووضعه في شبه قبر ضيق جدا حيث يتنفس بصعوبة فيه .

لقد مارسوا عليه أبشع التعذيب بلا شفقة ولا رحمة حتى يغمى عليه فلم ينالوا منه شيئا وكان يجيبهم انه يعمل وحده .

وبعد ثلاثة أيام أخرجوه في سيارة جيب مكشوفة يداه مقيدة بالأصفاد ورجليه بالسلاسل وعلى وجهه اثر اللكم والحراس يحيطون به مدججين بالسلاح واخذوا يطوفون به في شوارع المدينة عبرة للآخرين وكان كلما رأى احد من المقاومين أشار بيديه على فمه يعني وهو الحر انه لم يذكر اسم أي احد منهم بعد ذلك رجعوا به الى مركز الشرطة واخذوا يعذبونه عذابا شديدا لقد تقرح جسمه بكثرة الضرب وأراد أن يخفف عنه يوما أو يومين من العذاب فاخبرهم انه يعمل مع خلية في الدار البيضاء ، وبعد ذلك سافروا به ليدلهم على مكان اجتماع الخلية فدلهم على منزل فارغ واخذوا يطرقون الباب فخرجت إحدى السيدات تسكن بجوار المنزل فأخبرتهم ان ذلك المنزل لم يسكن فيه احد منذ مدة فكسروا الباب ودخلوا إليه فوجدوا فيه حصيرا قديما ومائدة عليها كسرة خبز يابس وعلى جميع الأشياء الغير ففتشوا تفتيشا دقيقا وتأكدوا انه فارغ منذ مدة وبعد ذلك تركوا المنزل وقفلوا راجعين الى مراكش .

توقفوا في قرية ابن جرير للاستراحة وتركوا حمان مع حارس في السيارة وهو مكبل اليدين والرجلين فصدم جبهته بشدة .
مع جانب السيارة فأحدثت الصدمة جرحا عميقا في جبهته وصار الدم ينزف وأغمي عليه فاخذ الحارس ينادي على أصحابه بصفارة فأخذوه بسرعة الى مستشفى الجنود بالثكنة الموجودة بقرية ابن جرير فقدموا له الإسعافات الأولية .

بعد أن رجعوا من الدار البيضاء اخذوا يعذبونه حيث ضربه عميد الشرطة على بطنه ضربة قوية وصار الدم ينزف من فمه وأغمي عليه وكاد يموت لقد أصيب بنزيف حاد في معدته لأنه كان يشتكي من قرحة المعدة فادخلوه الى المستشفى وانقطعت أخباره فظنت عائلته انه قتل أما آمه صارت مريضة منذ أن القي عليه القبض وزارتها احد الجارات فأخبرتها أن ابنها حمان قتل فأغمي عليه مدة يومين ولما استيقظت صارت شاردة لاتعي شيئا وليس لها رغبة في الطعام فكانت ابنتها باشا تطعمها وكانت لا تتكلم مع احد بل تبكي وتدندن بالامازيغية وتقول : " مول غايخ كتفيخ زيت الغاز في ارومين اذي اكلوى سغ العافيت كتسن " لو استطع لصب زيت الغاز على النصارى وكلاوة وأشعلت النار فيهم .
أما شقيقه عمر ترك عياله وأولاده وكان ابنه الأكبر هو الذي يقوم بحرث الأرض وابنه الأخر لم يبلغ السابعة يقوم برعي الغنم وترك مصالحه وسافر الى مدينة مراكش ليبحث عن شقيقه ولم يعتن بهندامه حيث كان يلبس جلبابا مرقعا ولحيته طويلة ورأسه أشعت والسبحة في عنقه وكان يبدو كالمعتوه لقد بحث في جميع المستشفيات ومركز الشرطة وكانوا يلقون عليه القبض ويفتشونه فيعتقدون انه معتوه فيطلقون سراحه .
كان على هذه الحالة مدة ثلاثة أشهر الى أن اخبر شرطي أصله مغربي اسمه موحا زوج أخته هشومة انه مسجون في سجن بلمهارز بمراكش وبعد اخذ ورد بمساعدة الشرطي المغربي حصل شقيقه وزوج أخته على رخصة زيارته لخمسة أفراد من عائلته وكانت الزيارة كل يوم الخميس وبعد ذلك صارت الزيارة كل يوم الجمعة .

زاره أول زيارة شقيقه عمر وأخته هشومة مع زوجها احمد وزوجته رقية مع ابنه المتبنى صلاح الدين وابن شقيقه لما برز حمان من الزنزانة وراء سياجين من الحديد صاروا يبكون أما هو استقبلهم بابتسامة وهو في صحة جيدة وكان يرتدي ملابس بيضاء وعلى رأسه طقية بيضاء ، وهو يحمل في يده مصحف وصار يهون عليهم وقال إن الجهاد في سبيل الوطن والسلطان إما أن يقتل آو يقتل سال عن والديه ولم يخبروه أن أمه مريضة سال عن أبناء شقيقه عمر لأنه كان يحبهم وسال عن جميع أقاربه وأصدقائه وسألهم بالامازيغية هل المقاومة لا زالت نشيطة فاخبره أنها توقفت منذ أن القي عليه القبض وعند انتهاء الزيارة شتم حمان زوجته وقال لها أن الزوج يعوض والأخ لا يعوض وأمرها أن ترحل من دار جدتها ولا تسكن مع شقيقها أبدا وان تكتري منزلا أخر وطلب من شقيقه عمر ا نياتي بأخذ زوجاته لتسكن معها وطلب منه كذلك ا نياتي في الزيارة المقبلة مع أبويه كما أمر زوجته أن تكرم وتعتني بكل من جاء للزيارة من أقاربه لكن زوجته تتذمر وتقول متى تنقضي أيام الخميس والجمعة أمام أقربائه بعد يومين أتى شقيقه عمر بزوجته الأولى وكان لا يقدر احد من المقاومين أن يقوم بزيارة زوجة حمان لان منزله مراقب من عملاء الاستعمار وكانت زوجته تتظاهر أنها تخيط الملابس حيث تضع على رأسها قطعا من الثوب وتأخذ في يدها قفة فكان أصدقاء زوجها وبعض المقاومين يمرون جانبها ويلقون ما تيسر من النقود في قفتها .

أخذت زوجة حمان وزوجة شقيقته عمر تبحثان عن دار للكراء كلما وجدت منزلا للكراء تتفق مع صاحب الدار على ثمن الكراء وتسألها عن زوجها فتخبرها انه مسجون من طرف الاستعمار الفرنسي فتمتنع صاحب البيت وتقول لها " الله يبعد عفتك عنا " وكان يتعقب أثرهما رجلان لقد بحثت زوجته عن دار للكراء مدة شهر فتمتنع صاحب البيوت إذ أخبرتهم ان زوجها مسجون .
وبعد ذلك شقيق زوجها هو الذي وجد دار للكراء جانب مقبرة سيدي بنسليمان الجزولي تم انتقلت إليها .
في الزيارة الثانية زاره أبوه وشقيقه باشا وشقيقه وزوجته حبيبة وزوجة حمان وابنها المتبنى صلاح الدين لما رآه أبوه صار يبكي حتى بلت دموعه لحيته لان الشيخ أراد أن يضم ابنه الى صدره لكن القضبان الحديدية حالت بينهما لقد بكى جميع الحاضرين حتى الحارس تأثر لهذا المنظر .

ولما انتهت الزيارة امتنع أب حمان من الخروج حيث تسمرت يداه على القضبان واخذ يصيح ويبكي ويقول بالامازيغية " ويخ اد عنك اوي ريخ اذ كاروخ ايوى" أريد أن أعنق ابني وأبقى معه صار يصيح ويصيح حتى سقط مغشيا عليه وحمله ابنه عمر مع أخته ووضعاه في السيارة وذهبا به الى بيت ابنته هشومة امتنع عن الأكل وطلب من ابنه عمر أن يسافر به الى البلدة .
على اثر هذه الزيارة صار أب حمان طريح الفراش وكانت هذه الزيارة هي الأولى والأخيرة أما أمه لم تزه قط لأنها كانت مريضة جدا .

جاء طبيب وممرضون الى البلدة من مدينة دمنات فقاموا بتلقيح السكان أمام دار الشيخ الا ان ام حمان ا قسمت أن لا يلمس جسدها نصراني .

في الزيارة الثالثة زاره شقيقه عمر وعمر السفاج ومحمد الرواندي وشريكه محمد بن اليزيد وزوج أخته هشومة فلما برز حمان من زنزانته وكان أولاد الحراس يلعبون في ساحة ورأو سياج طويل جدا فلما رأوا حمان الفطواكي توقفوا عن اللعب وفروا جميعهم فقال محمد بن اليزيد لحمان ( سي حمان تتخلع النصارى والكبار على برا وتتخلع النصارى الصغار وأنت في الحبس ) .

زار زوجة حمان زوج خالتها اسمه الخامسي وصار يشتم ويسب المقاومين حيث سماهم بالمجرمين وإرهابيين كما سب وشتم حمان الفطواكي وقال في حقه " انه مجرم وظالم – الخماس ، السراح ، شبع الخبز ، نقى حوايج ، من القمل ما بغش يحمد الله الشلح ابغا يحارب الفرنسيس لي عندهم الجيش منظم وسلاح هم لجابو الخير البلاد" لقد نال جزائه المجرم القتال .

وكان شقيق حمان في غرفة أخرى حيث لم يره الخامسي وسمع ما قال الخائن في حق المقاومين وشقيقه وسل خنجره أراد أن يفتك بالخائن الخامسي فمنعته زوجته وقالت له بالامازيغية " ترت حتى كي اتدوت سلحبس تفلت تمغارتك دوارونك" .

تريد أن تذهب الى السجن وتترك نساءك وأولادك فخرج عمر دون أن يراه احد فاتصل بأحد المقاومين واخبره بذلك ودله على الخائن الخامسي في اليوم التالي قتل الخامسي أمام دربه .
وفي الزيارة السابعة سأل حمان شقيقه عن والديه وعن أقاربه كما سأله عن أبنائه رغم المحنة التي هو فيها لم ينسى أحدا من عائلته ثم أمر شقيقه أن يختن أبنائه لان أكبرهم بلغ عمره سبع سنين فرفض وكيف يختنهم وأبواه طريحا الفراش وشقيقه حمان وراء القضبان فالح على شقيقه عمر أن يختن أبناءه رغم ذلك .

لما رجع عمر الى البلدة باع شاة في سوق الأربعاء واشترى لأبنائه الخمسة الملابس وذبح خروفا واقتصر الحفل على بعض الأقارب وجاء الحلاق وختن الأطفال الخمسة صار الحفل كمأتم ليس فيه غناء ولم يدق دف ولا زغرودة يملا الدار صراخ الأطفال من شدة الألم .

كان شقيقيه عمر ينتقل كل يوم من البلدة ومدينة مراكش لان زوجته وزوجة شقيقه حمان ليس لهما أي رجل ينفق عليهما ويرعى مصالحهما وفي البلدة أبواه لذلك كان يسافر كل يوم الى مراكش لحسن الحظ ان صاحب الحافلة لا ينقضي منه ثمن التذكرة .
لقد قام بزيارة حمان جميع إخوته وأخواته والأقارب والأصدقاء وبعض المقاومين إلا صهره شقيق زوجته . لقد توقفت المقاومة عن الجهاد منذ أن القي القبض على حمان الفطواكي لذلك أرسل رسالة الى عمر السفاج بالامازيغية قال فيها " اغالخ السفلخ اركازن ساع فلخ تدكالين " ظننت أني تركت رجالا ولكن تركت أرامل ومطلقات في الزيارة الأخيرة علم عمر أن شقيقه حمان الفطواكي سيقدم للمحاكمة وفي أخر جلسة وفيها حكم عليه بالإعدام بالرصاص رغم المرافعات والدفعات التي قدمها محامياه وكان حمان في في قفص الاتهام بين حراس مدججين بالسلاح لم يتأثر حمان ولم يتغير لونه كأن الحكم لا يعنيه نظر في القضاة والحاضرين ثم قال : أنا لا أخاف من الموت لان الموت واحد يلزمني ولكن ندمت لأني لم اقتل اسود الوجه التهامي الكلاوي والخائن عبد الحي الكتاني أما شقيقه عمر لأنه حضر في الجلسة لما سمع الحكم بالإعدام على شقيقه صار يرتعد وكاد أن يغمى عليه فسأله احد الحاضرين لمل يرتعد فأجابه أن الذي حكم بالإعدام شقيقه فنصحه أن يخرج من القاعة فان علموا انه شقيقه سيلقون عليه القبض فخرج يجر رجليه لا تكاد تحمله واسودت الدنيا في عينيه لقد حزن حزنا شديدا وبكى بكاء مرا على شقيقه لا يعرف أين يتجه جلس أمام المحكمة وبعد ذلك توجه الى منزل شقيقه حمان ووجهه ممتقع لقد بلت دموعه لحيته وسألته زوجته ما سبب بكائه فلم يجبها قدمت له الغذاء فلم يأكل منه شيئا وفي مساء ذلك اليوم رجع الى البلدة .

استيقظ عمر باكرا وسرج بغلته وحمل عليها خروفا ليبيعه في سوق أربعاء لحمادنة ليكتال بثمنه الشعير لان مخزونه قد نفذ فعرج على دار والديه ليستفسر عن حالهما قبل رأس أبيه استيقظ فسأله كيف أصبح فأجابه أبوه بيم يدي الله فلما أراد أن يغادر سأله أبوه أين يريد أن يذهب فاخبره انه يريد أن يذهب الى السوق ليكتال الشعير فأمره أبوه أن لا يتركه وقال له بالامازيغية "نكي ايكان سوقنك اساد لجممعتك اورتدوت رزم تسرفت تسيت ماككان تمزين"

أنا اليوم سوقك ومسجدك لا تفارقني افتح التمرة منها ما يكفيك من الشعير لان الشيخ أحس بقرب اجله لذلك أمر ابنه أن لا يتركه.
ظل أب حمان ذلك اليوم ينادي عنه حيث يقول بالامازيغية "واياحمان ايوى ياحمان ايوى ياحمان ايوى" الى أن صار صوته ضعيفا وفي الأخير نطق بالشهادتين وانتقل الى الرفيق الأعلى مساء يوم الأربعاء 16 ابريل 1955 ودفن بعد صلاة المغرب أما ابنه حمان بعد أن حكم عليه بالإعدام في مدينة مراكش أخذوه الى سجن العادر بمدينة ازمور لقد حاولت المقاومة تهريب حمان الفطواكي ورفاقه من السجن إلا أن تنفيذ الإعدام جاء قبل الموعد المحدد حيث نقل حمان الفطواكي ومبارك بن بوبكر وعلال الرحماني الى سجن العادر لينفد فيهم الحكم الإعدام صباح يوم السبت 19 ابريل 1955 وذلك بالاستعجال من طرف الكلاوي حتى لا يفلتوا من قبضته لان مفاوضات الاستقلال على وشك الانتهاء .

الكاتب
حمان لحسن بن عمر
ابن شقيق حمان الفطواكي  

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات