القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

السلطان إسماعيل بن الشريف 1672-1727


السلطان المولى إسماعيل 1672-1727

بلغت الدولة الشريفة أوج الازدهار والاستقرار في عهد  المولى اسماعيل بن الشريف (1671-1727) وهو ثالث الإخوة الرواد الذين لمع ذكرهم وتألق نجمهم في تاريخ الدولة العلوية.

الدولة العلوية المغربية
 المولى اسماعيل 

بويع المولى اسماعيل سنة 1664م في فاس واشتهر بالقوة والثبات على الدين يقرب منه رجال العلم و أهل الزوايا والفقراء المساكين وعرف بالشجاعة و الدهاء و السياسة . وكان عليه أولا مواجهة عدة معارضات وإخماد الثورات ( ثورة أحمد بن محرز في سوس ثم أهل فاس ثم قبائل الأطلس). واهتم بتنظيم أجهزة الدولة الإدارية والمالية والعسكرية حيث بنى العاصمة مكناس ونظم الجيش في: عبيد البخاري وفرق الاودايا وأقام القصبات العسكرية عبر التراب الوطني لحماية المناطق والثغور.

الدولة العلوية المغربية
  المولى اسماعيل 

وقد تمكن المولى اسماعيل ممن تحقيق وحدة التراب المغربي كاملة من شاطئ البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى شاطئ نهر السينغال جنوبا. بل إن المؤرخ أبا عبد الله  الأفراني المراكشي معاصر المولى اسماعيل ذكر بأن نفوذ مولاي إسماعيل امتد على السودان الغربي (السينغال ومالي) وأنه بلغ في ذلك ما لم يبلغه السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي ولا أحد قبله وحينما احتلت فرنسا السودان الغربي في القرن التاسع عشر وصار يعرف بالسودان الفرنسي، كان ولاة السودان يدينون بالولاء للعرش المغربي كما هو مشهور.

المولى إسماعيل 1672-1727
طبعات نيكولاس دي لارميسين. f149. الشريف الكبير مولي إسماعيل ملك المغرب

وتجدر الإشارة إلى اهتمام إسماعيل بتأليف جيش وطني منظم اعتمد عليه في المحافظة على سيادة الدولة من جهة، وحراسة طرق المملكة ونشر الأمن فيها، وقد اهتم المؤرخون المغاربة والأجانب على السواء بتكوين هذا الجيش ونظامه وما استفادته البلاد من خدمته وإخلاصه، نذكر منهم كارل بروكلمان عند إشارته لهذا الجيش قال: وأقسم أفراده يمين الإخلاص على صحيح البخاري، ومن هنا عرفوا بعبيد البخاري، أو العسكر البخاري. وقد استطاع-الملك- بواسطة هذا الجيش أن يخضع قبائل البربر ويطهر البلاد من الأجانب الدخلاء.

وهكذا تمكن العاهل من استعادة الثغور المغربية التي وقعت في قبضة الأجانب أواخر الدولة العدية. فاسترجع المهدية من يد اسبانيا سنة 1681، واسترجع طنجة من يد انجلترا سنة 1684. واسترجع من يد اسبانيا كذلك العرائش عام 1689 وأصيلا سنة 1691. كما حاصر سبتة ومليلية حصارا شديدا مدة سبع وعشرين سنة من 1693 إلى 1720 غير أن التحصينات العسكرية الإسبانية المتطورة حالت دون استراجعهما. لكن الحاصر الإسماعيلي للمدينتين الأسيرتين قد أكد على مغربيتهما تأكيدا قاطعا، وأعطى الإشارة التاريخية بوجوب تحريرها، وما زالت الإشارة الإسماعيلية منقوشة في ذاكرة الشعب المغربي، يتوارثهما الأبناء عن الأباء والأجداد. ومهما طال الوقت فلا بد من عودة الحق إلى نصابه والمياه إلى مجاريها.

أكثر من خمسين سنة قضاها المولى اسماعيل متربعا على عرش المغرب، رفع فيها المغرب رأسه عاليا بين الدول الشرقية والغربية، وكانت فرسنا من الدول الغربية الكبرى التي اعترفت بدولة مولاي إسماعيل الذي كانت علاقته حسنة جدا لملك فرنسا لويس الرابع عشر (1661-1715) الذي يعتبر من أعظم ملوك أوروبا في القرن السابع عشر.

ويجمل بنا أن ننوه بسيدة البلاط الإسماعيلي خناثة بنت بكار بن علي بن عبد الله المغافري المتوفاة سنة 1746 وهي من أسرة صحراية نبيلة من إقليم الساقية الحمراء ، تزوجها مولاي إسماعيل وأنجب منها ولده مولاي عبد الله الذي سيخلف والده بعد وفاته، وكانت السيدة خناثة بنت بكار مثقفة أدبية أعطت بثقافتها وسمو فكرها مثالا صادقا لبنوغ المرأة المغربية بمشاركتها في الحياة الثقافية والاجتماعية إلى جانب زوجها الذي كان يعتمد رأيها ومشورتها ويخصها بمزيد من الاعتبار والتقدير. وكان زواج العاهل بها سنة 1678 بعد زيارته لإقليم شنكيط المعروف في الوقت الحاضر بموريطانيا. ونستنج مما ذكرنا وأشار إليه الكتاب النابهون  أن خناثة بنت بكار أم الملك عبد الله وجدة ولده محمد الثالث بن عبد الله ومن أتى بعده من ملوك المغرب إنما كانت نموذجا لما كانت عليه المرأة المغربية في القرن السابع عشر وما بعده من ثقافة عربية أصيلة ونشاط اجتماعي ملحوظ.

وقد اتخذ  المولى اسماعيل مدينة مكناس عاصمة لدولته لما امتازت به من نقاوة الهواء وعذوبة الماء وخصوبة التربة، وقد نشأ فيها عدة مآثر عمرانية تاريخية، وبنى مسجدها الأعظم، كما بنى أو جدد عدة مساجد أخرى كبناء وتوسيع ضريح الإمام إدريس الأول بمدينة زرهون، وتجديد ضريح الإمام إدريس الثاني بمدينة فاس، وجعل مسجده مسجد خطبة، وسن تلاوة "حديث الإنصات" عمد خروج الإمام يوم الجمعة وجلوسه على المنبر، ومراده بذلك لفت نظر المصلين إلى استماع خطبة الجمعة والاستفادة منها، ومازال العمل بهذه السنة الإسماعيلية في مساجد المغرب إلى الوقت الحاضر.

كان  المولى اسماعيل يحب مجالسة العلماء، وكبار رجال دولته، ويمهد السبيل لصحوة علمية وأدبية في عهده رغما عم مشاغله الكبرى بتوحيد التراب المملكة وإقرار الأمن بطريقة حازمة حتى كان المسافر يسافر من مدينة إلى أخرى في الشمال والجنوب دون أن يتعرض له أحد بأذى في طريقه.

وفي مجال تشجيعه للعلم والعلماء أنه أقام حفلا كبيرا بمناسبة ختم دروس تفسير القرآن الكريم في ربيع سنة 1688 دعا إليه علماء فاس، وجرى الحفل في قصره الخاص حيث نضب كرسي التدريس، ولما انتهى الدرس قام  المولى اسماعيل بنفسه يخدم ضيوفه أثناء الوليمة الفاخرة ويوزع عليهم العطايا.  وهذه لعمري ظاهرة من ظاهرات الأريحية الهاشمية التي توسمها الشريف قاسم بن محمد في ولده الحسن الداخل وأبنائه وأحفاده.

لسنا في مقام المدح وعرض المآثر والمفاخر، ولكننا نذكر أمجادا وصلتنا متواثرة موثقة من مصادر مغربية موضوعية ونزيهة - وأهل مكة أعلم بشعابها، كما في المثل – وإن كان بعض الكتاب الأجانب قد انتقدوه انتقادا مغرضا مثل الكاتب الإنجليزي روم لاندو في كتابه "تاريخ المغرب في القرن العشرين" ومع ذلك يخفي وجهه المنافق وراء اعتراف صادق لم يجد بدا من التصريح به فقال: "كان مولاي إسماعيل أبرز سلاطين الأسرة العلوية، وكان معاصرا للويس الرابع عشر ملك فرنسا، إذ ظل على العرش الشريف من سنة 1672 إلى 1717، ومت أن الكتاب الأوروبيين قلما وفوه حقه، والكتاب المغاربة أمعنوا في التغني بمدحه، فقد كان ولا شط من كبار رجال التاريخ، فقد عمل على رفع مكانة المغرب كثيرا عن طريق توحيد البلاد وإقامة إدارة قوية فعالة وإنشاء جيش ثابت". وكان على الكتب الإنجليزي أن يقف عند هذا الحد لا بد من التهافت وراء أفكار مسبقة مشبوهة لا يعتمد فيها على مصدر نزيه، لو أنه تذكر مقولة الفيلسوف الفرنسي ديكارت إذ قال: "تخل عن أفكارك ومعارفك وابحث عن الحقيقة لتبلغها".

ولكي لا نتهم التحيز بالرجوع إلى المصادر المغربية النزيهة المتعلقة بهذه الجزئية، نذكر بكل إعجاب رأي الكاتب الفرنسي شار أندري جوليان، في  المولى اسماعيل قال: "كان يبدي شجاعة جديرة بالإعجاب، ولم يقتصر على ذلك، بل تجاوزه إلى ما هو أعلى وأعظم، فكان حاد الذكاء حاضر الجواب دقيقه، متأجج العاطفة الدينية إلى حج التبشير عزوفا عن الترف، زاهدا في الموائد الفاخرة، مرهف الشعور بمسؤولية نحو استقلال بلاده وازدهارها الاقتصادي، تلك هي الملامح الكبرى لملك أين منه شخصية شارل الثاني ملك الإسبان أو جاك الثاني ملك الإنجليز اللذين عاصراه".

وللمقارنة ارتأينا أن نشفع مقولة شيء اندري جوليان بما كبته في الموضوع أبو عبد اله محمد الضعيف الرباطي المتوفى سنة 1818 في تاريخه فقال في معرض كلامه عن المولى اسماعيل ما نصه: "كان رحمه الله مطيعا لأوامر الله، خاشعا خائفا من مولاه، رقيقا بالمساكين والأرامل والأيتام، مسلطا على الظلمة والطغاة والعظام...وكانت طاعته قد  عمت جميع المغرب إلى تلمسان، وجميع بلاد الصحراء وتوات، وفيكيك وأطراف السودان، وعلى تيغاز وسوس الأقصى، وخضع له جميع من كان عصى...ولقد كان صواما قواما دائم الذكر شديد الغيرة في محارم الله، وكان مهابا شجاعا ظاهرا للفداء منصورا مظفرا مؤيدا، يهابه ملوك الأرض، ويرون مهادنته عليهم من أكد الفرض، ويهاديه ملوك الأقاليم، ويتحفه بالهدايا ملوك الأعاجم".

كما لا يفوتنا اقتطاف نص موضوعي  للكاتب العربي المعاصر أحمد سعه قال: "يجمع المؤرخون الأجانب على أن المولى اسماعيل كان يتمتع بحيوية ونشاط فائقين، وأنه كان شجاعات لا يعرف الخوف منفذا إلى فؤاده، وفطنا ذكيا لا تنطلي عليه الحيلة ولا الخديعة، ومدركا لأهمية توطيد أركان العرش لصالح المغرب، ومحررا للتراب الوطني المغربي من الاحتلال الأجنبي، ولولا بعض المتاعب الداخلية لكان قد وفق لتحرير سبتة ومليلية..." ثم زاد الكاتب العربي قائلا: "نقطة إضافية انفرد بها المولى اسماعيل في علاقاته مع الدولة الأوروبية، نعني بها اهتمامه بالناحية العقائدية، إذ وجه رسالتين مسهبتين إلى كل من لويس الرابع عشر ملك فرنسا، وجيمس الثاني (جاك الثاني) ملك انجلترا دعاهما فيها لاعتناق الإسلام...لا يظن أحد أنه في دعوته هذه كان ينطلق من تعصب مقيت ضد النصرانية كدين، وإنما كان يعبر ‘ن إيمانه العميق بأن الإسلام أفضل شريعة سماوية تؤمن سعادة الإنسانية..." وزاد الكاتب بقوله:" رحم الله المولى اسماعيل...كان مسلما صادقا يلزم نفسه بتنفيذ كل متطلبات الشريعة، بما في ذلك السنن والمستحبات، وأن آثر أن يعيش حياة عريضة ذ، في حدود مالا يتعارض مع الشرعية" وكان الكاتب المذكور – قبل عرض نصوصه التي أثبتناها – قد انتقد المؤرخين الأوروبيين فيما سجلوه عن المولى اسماعيل من سلوك مغرق في القسوة والبطش معتمدين على روايات أسراهم، أو علة أخبار دبلوماسيين حاقدين وصلوا إلى بلاط المولى اسماعيل، فأكلوا خيره وجحدوا فضله!

على المستوى الخارجي اهتم السلطان إسماعيل بتحرير المراكز الساحلية المحتلة (محاصرة سبتة مرتين، تحرير المعمورة 1681، طنجة 1684، العرائش 1689) ومع الأتراك في الجزائر تم تأكيد الصلح والحدود بعد مناوشات عديدة، ومع الأوربيين سعى السلطان إلى تصفية الأجواء معهم بهدف تنمية العلاقات التجارية وخاصة مع الانجليز(اتفاقية 1721م).

جلس على العرش العلوي سبعة من أبناء المولى اسماعيل هم:

  • أحمد المعروف بالذهبي،
  • عبد الملك،
  • عبد الله،
  • علي الملقب بالأعرج.
  • محمد المعروف بابن عربية، لأن أمه كانت عربية من الشاوية، وعرف في تاريخ الدولة بمحمد الثاني.
  • المستضيء.
  • زين العابدين.

لكن المولى عبد الله بن إسماعيل (1728-1757) تمكن من الاحتفاظ بالعرش، إذ جددت بيعته مرارا في الأقاليم، وكانت الأقاليم الصحراوية من أشد الأقاليم المغربية ولاءا له وتمسكا به، وتقدم أن أمه كانت من إقليم الساقية الحمراء، وهي خناثة بنت بكار السابقة الذكر.↚

المولى إسماعيل ... مات وفي نفسه شيء من حتى 

دام ملك السلطان المولى إسماعيل سبعة وخمسين عاما، حتى اعتقد الناس أنه لن يموت، لأنه تولى الحكم صغير السن في حوالي العشرين من العمر. فهو أكثر ملوك العلويين الذين بقوا طويلا في الحكم، بمن فيهم الحسن الثاني الذي حكم 38 سنة، من 1961 إلى 1999، دون احتساب الفترة التي باشر فيها الحكم عمليا قبل تنصيبه على العرش. ويقال إن السلطان المولى إسماعيل كان مهموما بتقوية الدولة، ولذلك أنشأ جيش عبيد البخاري من السود الذي كان عدده يفوق 160 ألف جندي، وكان ينشر فيهم ثقافة البطولة والفروسية، حيث جلب العديد من الخطاطين لنسخ سيرة سيف بن ذي يزن والظاهر بيبرس.

المولى إسماعيل
سفير المغرب بفرنسا سنة 1699-منحوثة من ق 19

يذكر المؤرخون أن المولى إسماعيل خلف العديد من الأبناء، تجاوز الألف، ذكورا وإناثا، ولا يزال بعض أحفاده موجودين إلى اليوم، لكنهم لم يكونوا جميعا صالحين لتولي الإمارة بعده. وعندما دنا أجله، دعا وزيره العالم أبن العباس الأحمدي وقال له: إني في آخر يوم من أيام الدنيا، فأحببت أن تشير علي بمن أقلده هذا الأمر من ولدي، لأنك أعرف بأحوالهم مني، فقال له الأحمدي: يا مولانا، لقد كلفتني أمرا عظيما، وأنا أقول الحق إنه لا ولد لك تقلده أمر المسلمين، كان لك ثلاثة أولاد، المولى المحرز والمولى المأمون والمولى محمد، فقبضهم الله إليه. فمات السلطان وفي نفسه غصة على ملكه، ولم يعهد لأحد من أبنائه، وإنما عبيد البخاري، الذين كان نفوذهم يفوق نفوذ السلطان نفسه، هم الذين ولوا من بعده أحمد بن العباس، المعروف بالذهبي، الذي قال أكنسوس في كتابه»الجيش العرمرم الخماسي في دولة أولاد مولانا علي السجلماسي»، إن الناس بايعوه بعد وفاة السلطان «بإشارة العبيد الشبيهة بالجبر»، أي بتعليمات عبيد البخاري التي كانت لا ترد. 

فيلم وثائقي عن السلطان مولاي اسماعيل الذي اتخذ مكناس عاصمة له ج1



 


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات