القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

الإنسان المغربي: إنسان المجتمع المركب

سيكولوجية الإنسان المغربي

هذا المقال المهم تعود افكاره إلى محاضرة ألقاها باسكون بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط تحت إشراف “جمعية الأبحاث الثقافية” وأعاد صياغتها للنشر لتعميم الفائدة وتوسيع افاق النقاش حول موضوع تكوّن المجتمع المغربي.

المقال ترجمه أحمد حمايمو  ونُشر في مجلة المشروع العدد 4 حزيران/يونيو 1981

سيكولوجية الإنسان المغربي

إنسان المجتمع المركب

إن مفهوم المجتمع المركب يفتح سبلا جديدة أمام الدراسة الاقتصادية للمجتمعات المعقدة التركيب وبالطبع أمام دراستها السوسيولوجية. طالما أن موضوع العلوم الاجتماعية لا يقبل الفصل، على افتراض الاختلاف بين هذه الأخيرة فيما يرجع لمناهجها. إلا أن فائدة المفهوم لا تقف عند هذا الحد، إذ يفتح المجال أيضا نحو اكتشاف سيكولوجية جديدة، هي سيكولوجية إنسان المجتمع المركب.

يعمل الناس الذين يعيشون في المجتمع المركب باستمرار على تكييف سلوكهم مع الواقع المعقد كي يتمكنوا من لعب أدوارهم داخله. فمن خلالهم تجد التناقضات التي يعج بها المجتمع حلها ويقع تجاوزها. كما أنهم لا ينقطعون عن تركيز إرادتهم ورغباتهم حول الخاصيات التي تبدو لهم سائدة، وهذا على مستويين مختلفين: المستوى الفردي والجماعي. إن الإنسان الذي غادر في الصباح بيته، حيث تمارس الزوجة عبادة الأجداد، متقلدا خنجره الفضي، كرمز للرجل الحر وللنبل والشرف التقليديين، وممتطيا دراجته النارية، كوسيلة للتنقل السريع، قصد ملاقاة موظف مأمور وقابل لأن يحصل له على قرض، بواسطة المعارف، بمناسبة الحملة الفلاحية وبفائدة محددة مسبقا، مقرون بضمانة تأخير الأداء، في حالة الكوارث التي وقع حساب احتمال وقوعها وفق قوانين الاحتمالات، ولكنها أيضا تلك الكوارث التي سيحاول إلقاء شرها بالتضرع للعلي القدير، وربما بفضل الاحتفال الجماعي (PROCESSION) متبوع بالتضحية بكبش، تقديما للقرابين… إن هذا الإنسان العادي، على العموم، والذي نجده مع اختلافات يسيرة، في كل أنحاء العالم ليس متناقضا. بل هو منطقي إلى أبعد الحدود، لانسجامه مع التعددية التي تطبع المجتمع وتجاوزه لتناقضاته عن طريق تكيفه المستمر مع جميع متطلبات الحياة الاجتماعية.

إن الإنابة عما في سلوكه من علاقات الأبوية أو القبلية أو الإقطاعية وعما فيه من دلالات على الصناعة والتوجه نحو المستقبل، عمل يؤدي في واقع الأمر إلى التعرف على طبيعة المجتمع الذي ينتمي إليه. وبالنسبة للحالة التي يوجد عليها بالضبط فإنه في ذلك الصباح لم يكن عابثا حينما حاول التلاؤم مع تعقيدات الواقع وإنما عمل على توزيع مراهاناته أحسن توزيع ممكن. ولن نفهم أي شيء لتصرفاته إذا ما اكتفينا بالقول بأن المجتمع الذي يمارس فيه هذه الأدوار يغلب عليه الطابع الرأسمالي أو الفيودالي أو التقليدي. كما أننا لن نتقدم أكثر إذا قلنا بأن هذا المجتمع هو المجتمع المغربي لسنة 1971، في إحدى نواحيه، لما تفقده هذه الخصوصية من كل فائدة إجرائية.

والواقع أن المسألة الأخيرة التي أريد فحصها متعلقة بوضعية الإنسان المغربي، أي بوضعية المجتمع المركب. كيف نعيش داخل هذا المجتمع؟ كيف نقوى على التكيف داخل عالم على درجة من التعقيد، بحيث يحتوي أربعة نماذج على الأقل من المجتمعات، إن لم نقل خمسة، بالنسبة للذين يضيفون لهذه الوضعية صعوبة زائدة هي انتماؤهم الاشتراكي أو مشيئتهم في أن يكونوا اشتراكيين.

هاكم الجواب إذن! إننا مرغمون جميعا على تحقيق توازن داخل شخصياتنا وعلى إحداث توافق بين كافة هذه المجتمعات المتنافسة وشتى مميزات هذا المجتمع الذي يتخذ له يوما آلاف الأشكال التي لكل منها منطقها ومرجعها وقاموسها وتقاليدها بل وأحيانا لسانها الخاص.

وإني لأدعوكم لتشاهدوا معي منظر فلاح ذاهب لمراجعة مكتب محلي للإدارة الفلاحية، لسحب ملفه الخاص بالحصول على قرض لبناء حظيرة، بعد ما تلقى نبأ الموافقة على طلب له بهذا الخصوص. لقد خرج من بيته مرتديا جلبابا أبيض ومتقلدا خنجرا (كمية) باديا جدا للعيان، مما يرمز للرجولة الحرة أو للارستقراطية الفلاحية القديمة. ثم ما لبث أن ركب دراجته النارية بعد ذكر اسم الله، طلبا للسلامة وشهادة على الورع الديني. وحيث أن دراجته لم تنطلق جيدا فإنه كان مجبرا على تنظيف نضاحة البنزين. وواضح أن هذا عمل تقني. ثم أنه قد وضع في جراب دراجته الدجاجة التي سيهديها للمسؤول الإداري مقابل تسليمه ملفه الشخصي. وها أنه قد وصل إلى مركز الاستثمار. إلا أن الجهل بأمور المكاتب والخوف من أن يكون معرضا للإنكار، حينما يقدم نفسه بإحداهما (مشكل الهوية والرشد الاجتماعيين في المجتمع القايدي) جعله يقصد أحد أبناء العم الذي يشتغل كميكانيكي بأحد المعامل (العلاقة العائلية). غير أن هذا الأخير شرح لصاحبنا كونه مجرد عامل، مما جعل الدخول إلى المكاتب بالنسبة له أمرا غير ميسور، وبالتالي مسألة التدخل لفائدته شيئا صعبا (توزيع العمل والأدوار من النوع الرأسمالي البيروقراطي). ومع ذلك فسيحاول الاعتماد في انجاز هذه المهمة على موظف صغير تعرف عليه مؤخرا بمناسبة الإصلاح الذي أجراه على سيارته دون أن يأخذ منه مقابل ذك العمل بعد. وقد وفق صاحبنا في نهاية المطاف للدول إلى مكتب مدير المركز عد توصيات معقدة، لا داعي لا من الناحية القانونية وأمكن الاستغناء عنه جزئيا أو الاستعاضة عنها بالانتظار طويلا أمام مكتب المدير. وكما كان منتظرا فقد قدم فلاحنا دجاجته لهذا الأخير. ودونا شك فإن معرفة ما إذا كانت دجاجته مقبولة أم لا مسألة ممتعة. لكن الأمتع من ذلك تحليل معنى هذه الهدية أو هذا الأجر أو هذه الرشوة بالنسبة للفلاح. ذلك أن التداخل الوثيق بين هذه المظاهر الثلاثة يجعل من سبر أغوار نفسانيته شرطا للإجابة على السؤال.

وعلى كل، ومن وجهة نظر فلاحنا، فإن مكافأة هذا الموظف المرموق والمتواجد داخل مكتب يبدو بابه صعب الاقتحام لا تقع على الدولة وحدها وإنما على عاتقه كذلك. يدخل صاحبنا أثر ذلك في محادثات حول القرض نفسه، أي حول الوضعية المعقدة لكل من القرض والمساعدة. ذلك أنه سيأخذ قدرا ماليا يتم تسديده، اسميا، بفائدة (لا شك أنه اكتسب تجربة في القروض الربوية ذات فوائد أعلى بكثير مما يطلب منه اليوم. إلا أن الربا كان مسألة لا مشروعة في حين أن الدولة، في هذه الحالة هي التي تقرض بفائدة، قانونيا وبواسطة عقد مكتوب) ويحصل في نفس الوقت على مساعدة من الدولة، قصد بناء حظيرته، لها طابع الأعطية أو المساعدة أو الحظوة. إن القرض والفائدة والأعطية والحظوة، في هذه الحالة، أشياء مترابطة أشد ما يكون الارتباط بحيث يصعب علينا معرفة ما إذا كان الأمر متعلقا بالرأسمالية أم بالفيودالية أو حتى بالاشتراكية. وكيفما كان الأمر فليس هذا كل شيء. فمازال على فلاحنا تأمين نفسه ضد الحريق والاستماع إلى شروح حول احتمال تعرض حظيرته للصواعق أو للاشتعال نتيجة إهمال الرعاة واستحالة الاستفادة من القرض في حالة مثول هذه المخاطر. عليه إذن أن يفهم مبادئ حساب الاحتمالات والإحصائيات والبروسبكتيف، في وضعية تتصف بسيادة مناخ يطبعه الغرر، وفي وضعية ثقافية يظهر المستقبل من خلالها مستحيل التوقع ما دام الإنسان يشعر بنفسه أعزل أمام الطبيعة وبإزاء اضرابه من الناس الآخرين. وأخيرا فهو ملزم بالإمضاء. إلا أن مسألة الاسم غير بسيطة لأنه وإن كان معروفا باسمه واسم أبيه في القرية التي ينتمي إليها فإن هذا الاسم سرعان ما يفتقد معناه بمجرد الارتفاع إلى مستوى الجماعة أو مركز الاستثمارات، وآنذاك سيكون بحاجة إلى الشهود وحضور المقدم بل والشيخ، الشيء الذي لا يعمل على تسهيل المهمة. إلا أن الجانب المأساوي في المسألة يتمثل في الرجوع بصاحبنا الفلاح، بغتة، إلى العصور القبلية والإقطاعية بعد ما كان يخاطب قبل حين بلغة الإحصائيات وقوانين الأعداد الكبيرة والتعاضديات.

وكما ترون فهذا واحد من الأمثلة المبتذلة اليومية، نرى من خلاله مساهمة الفلاح الدائمة في مجتمع بالغ التعقيد يستعصي عليه فهمه كلية واتخاذ سلوك منطقي واحد إزاءه، في جميع الأعمال التي يأتي بها. ونظرا لذلك فإن المصالح الشخصية هي الوحدة الفريدة التي يحدد داخلها سلوك ومعنى تصرفاته. وإن التطور الخارق الذي عرفته الفردانية في بلادنا، حاليا، ليجد مصدر تفسير هاهنا، أي في هذا الواقع الاجتماعي المعقد.

وقد تقولون بأن هذا المثال بعيد عنكم ولا يعني سكان المدن وخصوصا منهم المثقفين. فإليكم مثالا آخر.

إنها محادثة تلفونية تجري داخل أحد المكاتب الإدارية بالرباط. يتلفن عون إداري إلى موظف آخر سبق أن تعرف عليه بإحدى الثانويات، أيام الدراسة. وكان موضوع المكالمة هو طلب توظيف أحد أبناء عمومته: يلح صاحبنا على مسألة القرابة، مذكرا مخاطبه أثناء الحديث، بنبرة ولغة خاصتين، بانتمائهما معا لنفس المنطقة وربما لذات القبيلة. كما لم يغفل عن إحياء ذكرى أحد رفاق الثانوية الذي توفق في حياته الإدارية، كما يقال، والحالة أنه على اتصال مستمر به. ثم يشير بعد ذلك إلى أن الشخص الذي يقترحه للعمل إنسان يتحمل تكاليف عائلية كبيرة ويعيل ولدين وثلاث بنات. ولم يفته التلميح إلى أن هذه الخدمة سترد بمثلها: إذا قدمت اليوم لي هذه الخدمة فستحتاجني أنت غدا. إلا أن هذا لم يحل دون الحديث عن مستوى الديبلوم الذي حصل عليه ابن العم، وهو شهادة غير عالية جدا، حسب الجواب، الشيء الذي عقّب عليه المخاطب بكونه يشك في وفرة وظائف شاغرة مناسبة لهذا المستوى، وإن كان سيبذل الجهد المطلوب لكي يرضي رغبة صديقه. وأخيرا وأثناء تبادل التحيات الأخيرة، بالعربية، وهي نفس اللغة التي تم استعمالها عند مبادلة الكلمات الأولى، دعا صاحبنا مخاطبه لتناول طعام العشاء. لقد أصبح هذا المشهد وإضرابه عاديا ومبتذلا إلى الحد الذي لم يعد يهتم به أحد، حتى البرامج التلفزيونية نفسها. إلا أننا لو أولينا العناية الكافية لفحص كافة دلالاته لاكتشفنا كل ذلك الغموض الراجع إلى تعقد المجتمع ومختلف أنظمته القيمية التي تتعايش وتتصارع وتتبارى داخل مجتمعنا.

عم يعبر سلوك موظفنا وهو على خط التلفون، عن الرياء أم عن الانتهازية؟ لقد لاحظناه ملتجئا إلى مجموعة من الحجج المتعاقبة، وكأنها من باب تحصيل الحاصل، لكي يتلاعب بها، عن غير وعي. وواضح أنه إذا كان من المؤكد أن لكل مجتمع معاييره وقيمه وأخلاقه. فإن إنسان المجتمع المركب يلعب على جميع النوطات وكافة النبرات. إنه يتابع أهدافه الشخصية والفردية بل والجماعية أحيانا، دون فحص ما إذا كان هذا الإجراء أو ذاك السلوك يعملان على تقوية أم هدم أخلاق ما أو منظومة من القيم بعينها. وبعبارة أخرى فإنه يستهزئ في الواقع بقيمة كل الأنساق الاجتماعية، على الرغم من افتخاره، من جهة ثانية، بكونه عصريا أو محترما للتقاليد أو «فعالا» أو اشتراكيا. إن هذه العقائد لا تستتبع، بالنسبة للكثيرين تغييرا في السلوك، في حين أن الكينونة داخل المجتمع تعني قبل كل شيء اختيار التصرف على طريقة ما. إلا أنه عندما نعيش في مجتمع مركب، يتكون لدينا ميل شخصي نحو اكتساب سلوك وأخلاق مركبة.

على أن تغيير المجتمع واختيار نمط للحياة جديد بهدف إقامة مجتمع حديث يتطلب حياة أخلاقية جديدة ويستوجب سلوكا وأخلاقا منسجمة في مجتمع يصبو للانسجام. وهذا ما يطرح إشكالية القطيعة.

ومشكل القطيعة هذا ليس جديدا. لقد اطلعت مؤخرا على فهرست ابن عجيبة وهو عالم صوفي من أصل تطواني، توفي حوالي 1810. استنكر ابن عجيبة، على طريقته الخاصة، تصرفات معاصريه، مرشدا إياهم للطريق المؤدية نحو التوحيد الكامل للشخصية (التوحيد الخاص) في اتجاه شعبي، بواسطة القطيعة مع العادات (بخرق العوائد). وإنني لعاجز عن العثور على أحسن خلاصة لصعوبة الوجود في هذا المجتمع المركب غير الصيغة المشهورة: كن حازما فستتقدم! إلا أن هذه أخلاق المجتمع الانتقالي، السائر على نهج تصفية الإنسان القديم.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات