أخر الاخبار

"القبطان كاسو كاسو" – عندما تحكي جبال الأطلس حكاية النقيب الغامض



 لغز ضابط فرنسي في قلب الأطلس المتوسط

في منطقة بولمان، بين قمم الأطلس المتوسط الشامخة، لا تزال ذاكرة رجل فرنسي عجوز حاضرة بقوة في أذهان شيوخ قبيلة آيت سغروشن. إنه "القبطان كاسو" (Le Capitaine Cassou)، ضابط "الشؤون الأهلية" الذي حكم هذه المنطقة بقبضة من حديد بين عامي 1936 و1946.

المخرج الفرنسي Francis Boulbès قرر فك هذا اللغز من خلال فيلم وثائقي يحمل عنوان "Le Capitaine Cassou"، حيث جلس مع مجموعة من كبار السن من أبناء القبيلة ممن عايشوا تلك الحقبة، ليسمع منهم حكايات آبائهم في مواجهة الاستعمار، وذكرياتهم عن ذلك الضابط الغامض الذي لا تزال ملامحه عالقة في ذاكرتهم.

أهوال معارك تيشوكت: عندما صمدت الجبال

جبل تيشوكت.. رمز الصمود الأمازيغي

يُعتبر جبل تيشوكت (Ticcukt) في الأطلس المتوسط مجالًا حيويًا لقبائل آيت سغروشن، وله رمزية خاصة في وجدانهم. فقد شهد هذا الجبل العتيد معارك ضارية بين المقاومين الأمازيغ والقوات الاستعمارية الفرنسية، وظل لسنوات حصنًا منيعًا استعصى على المحتل.

حصار وتجويع وقصف جوي لأول مرة

بين 1923 و1926، بدأت القوات الفرنسية حصارًا خانقًا على قرى وبلدات آيت سغروشن. اضطر السكان تحت وطأة هذا الحصار إلى اللجوء إلى جبل تيشوكت، فكان قرار الفرنسيين صادمًا:

  • تدمير منازل المقاومين بالكامل
  • إبادة القطعان والماشية
  • إتلاف المؤونة والمواد الغذائية
  • تهجير النساء والأطفال إلى منطقة سكورة (Skkura)

ولم يكتفِ المحتل بهذا، بل نفذ أول قصف جوي في المنطقة استهدف المدنيين في مركز لمرس (Lmers)، في سابقة وحشية استهدفت العزل قبل المسلحين.

شهادات كبار السن في الفيلم الوثائقي ترسم صورة مرعبة لتلك الأيام، حيث كان الجوع والموت يتربصان بالجميع في انتظار مصير مجهول.

تجنيد أبناء آيت سغروشن في فيالق الڭوم

بعد قتل الآباء وتدمير القرى، اتبع الفرنسيون استراتيجية مختلفة: تجنيد أبناء آيت سغروشن ودمجهم في "كتائب الڭوم" (bataillons de goum). هذه الكتائب كانت تتشكل في الغالب من القبائل التي أخضعتها فرنسا بالقوة، وتحولت إلى أداة عسكرية فعالة في يد الاستعمار.

المفارقة التاريخية أن هؤلاء الأطلسيين الذين جُندوا قسرًا، شاركوا لاحقًا في تحرير جزيرة كورسيكا وفي الحملة العسكرية على إيطاليا خلال الحرب العالمية الثانية. إنه قدر ساخر: من قاتل للدفاع عن أرضه بالأمس، أصبح يقاتل تحت راية من دمروا قريته اليوم.

الجنرال لاتور وعلاقته الخاصة بآيت سغروشن

ضابط فرنسي تزوج أمازيغية

الجنرال الفرنسي Boyer de Latour كان شخصية فريدة في تاريخ العلاقة مع القبائل الأطلسية. بفضل عمله الطويل في "الشؤون الأهلية" (affaires indigènes)، اكتسب معرفة عميقة بتركيبة المجتمع الأمازيغي وعاداته وتقاليده.

لكن المفاجأة الكبرى تكمن في علاقته الشخصية بقبائل المنطقة. ففي بداياته العسكرية عندما كان برتبة ملازم حوالي سنة 1925، تزوج من امرأة أمازيغية من آيت سغروشن، وتحديدًا من منطقة "إمهاوشن" (Imhawcen)، وعاش معها وفقًا للعادات والتقاليد الأمازيغية الأصيلة.

هذا الزواج يعكس تعقيد العلاقة بين المحتل والمقاوم، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية مع الإنسانية، ويصبح المستعمر في الوقت نفسه صهرًا للقبيلة التي يحاربها.

إعجاب خاص بصلابة الأطلسيين

يجمع المؤرخون على أن الجنرال De Latour كان شديد الإعجاب بصلابة وشجاعة "آيت سغروشن". وهو الذي قاد عملية تجنيد العديد من الأطلسيين في "كتائب الڭوم"، ثم قادهم بنفسه في أشرس معارك الحرب العالمية الثانية، شاهدًا على بسالتهم التي لا تلين حتى تحت راية غير رايتهم.

النقيب كاسو: بين القسوة والعدل

في وسط هذه الأحداث الجسام، يظهر النقيب كاسو كشخصية محورية في إدارة المنطقة بين 1936 و1946. شيوخ آيت سغروشن الذين عاصروه يصفونه بتناقض واضح:

  • كان قاسيًا، قاسيًا جدًا
  • لكنه كان عادلاً في أحكامه
  • اشتغل بجد لتحسين أوضاع الفلاحين
  • بنى بنيات تحتية لا تزال قائمة حتى اليوم

أبرز إنجازاته كانت "ساقية كاسو"، قناة مائية بطول 12 كيلومترًا شُقت في الصخر على حواف الجروف، لتسقي 5000 هكتار من الأراضي الزراعية. حتى اليوم، يطلق عليها السكان المحليون "ساقية كاسو"، تخليدًا لذكرى الرجل الذي أتى محتلًا فترك نهرًا.

يقارن الفيلم بين كاسو والسلطان مولاي إسماعيل في عدة جوانب: العمل والهيبة والقسوة والعلاقة بالنساء وحتى نزعة العظمة. مقارنة تظهر مدى التباس صورة هذا الرجل في ذاكرة من عايشوه.

الفيلم بين الذاكرة والتاريخ

ما يميز فيلم Francis Boulbès أنه لا يقدم خطابًا أيديولوجيًا جاهزًا. إنه يفتح المجال لشيوخ الجبال ليحكوا هم قصتهم، بكلماتهم البسيطة، بذكرياتهم المتناقضة، بجراحهم القديمة وحنينهم المستغرب.

الفيلم لا يبرر الاستعمار ولا يشطبه. يعرض شهادات مناضلين ضد الاستعمار سافروا إلى مصر قبل ثورة الضباط ليتعلموا كيف يحاربون المحتل. ويعرض في المقابل حكايات من قاتلوا تحت الراية الفرنسية في أوروبا.

الأبطال الحقيقيون هنا هم شيوخ آيت سغروشن، الذين احتفظوا في قلوبهم بذكريات معقدة عن رجل فرنسي قاسٍ لكنه عادل، بنى لهم نهرًا في الصخر، وعن جنرال تزوج من نسائهم، وعن آباء قتلوا في الجبال، وأبناء جندوا في حروب لا تخصهم.

 دروس من ذاكرة الجبال

يبقى سؤال الفيلم مفتوحًا: هل كانت العلاقة بين فرنسا والمغرب قصة حب معقدة، أم حربًا طويلة تخللتها لحظات إنسانية عابرة؟

ما يخرج به المشاهد هو أن التاريخ لا يُكتب بالأبيض والأسود. إنه لوحة معقدة من الألم والأمل، من المواجهة والتعاون، من القسوة والعدل، من الندوب التي لا تندمل والابتسامات التي لا تموت.

في جبال الأطلس المتوسط، لا تزال "ساقية كاسو" تروي الأرض، ولا تزال ذاكرة الرجل الغامض حاضرة في أفواه الشيوخ. وهناك، في تلك القمم الشامخة، يلتقي تاريخ المحتل بالمقاوم، لتولد حكاية لا تشبه إلا نفسها.

معلومات عن الفيلم:

  • العنوان: Le Capitaine Cassou
  • المخرج: Francis Boulbès
  • المدة: 80 دقيقة
  • اللغة: العربية، الأمازيغية، الفرنسية
  • الموضوع: تاريخ منطقة الأطلس المتوسط خلال فترة الحماية الفرنسية، وشخصية النقيب كاسو

المصادر والمراجع:

  • الفيلم الوثائقي "Le Capitaine Cassou" للمخرج Francis Boulbès
  • شهادات شفوية لكبار السن من قبيلة آيت سغروشن
  • أرشيف تاريخي عن فترة الحماية الفرنسية في المغرب
تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -