أخر الاخبار

المعاهدة الأنجلو-مغربية عام 1856 في طنجة في 9 ديسمبر 1856


المعاهدة الأنجلو-مغربية عام 1856 في طنجة في 9 ديسمبر 1856
 Anglo-Moroccan Treaty of 1856 signed in Tangier on December 9, 1856.


وقعت المعاهدة الأنجلو-مغربية عام 1856 في طنجة في 9 ديسمبر 1856. وقد تم التوقيع عليها بعد مفاوضات طويلة بين جون هاي دروموند هاي ومحمد الخطيب، ممثلي الملكة فيكتوريا والسلطان عبد الرحمن. وقد أطالت هذه المعاهدة استقلال المغرب، لكنه قدم تنازلات كبيرة للمصالح البريطانية.
كانت هذه المعاهدة تتألف من نصين: الأول هو معاهدة عامة من 38 مادة تتناول وضع القناصل، وامتيازاتهم وحريتهم في التنقل، فضلا عن تسوية الرعايا البريطانيين في البلاد.
أما النص الثاني فيتعاهدة للتجارة مع 8 مواد. وكان أهمها المادة السادسة التي حددت التعريفة الجمركية بنسبة 10 في المائة. ألغت المعاهدة احتكار المخزن، وفتحت التجارة في المغرب بشكل نهائي.


المعاهدة المغربية الإنجليزية 1856: تحول في علاقات المغرب الخارجية

تمهيد: مقدمات التحول في العلاقات الثنائية

شكلت المعاهدة المغربية الإنجليزية، الموقعة في طنجة في التاسع من ديسمبر عام 1856، منعطفاً حاسماً في تاريخ المغرب الحديث، إذ لم تكن وليدة لحظتها، بل جاءت تتويجاً لتحولات كبرى أعقبت هزيمة المغرب في معركة إيسلي سنة 1844، فقد أدركت بريطانيا، من خلال وساطتها التي حالت دون وقوع كارثة أكبر على المغرب، أن أي فراغ أو اضطراب في الساحة المغربية سيفتح الباب أمام منافسيها اللدودين، فرنسا وإسبانيا، لتعزيز نفوذهما على حساب الهيمنة التجارية والسياسية البريطانية على المدخل الغربي للبحر الأبيض المتوسط، ولهذا، عمل القنصل البريطاني العام في طنجة، جون دروموند هاي، على توظيف هذا الرصيد الدبلوماسي ليصبح مستشاراً مقرباً من السلطان عبد الرحمن بن هشام، مستخدماً أسلوب الإقناع عبر رسائل متعددة حث فيها على تحرير المبادلات التجارية ومواكبة متغيرات السوق العالمية، متغلفاً بعبارات النوايا الحسنة والصداقة المخلصة.

خلفية: ظروف مهّدت لتوقيع الاتفاقية

لم تقتصر العوامل الممهدة لهذه المعاهدة على الدبلوماجية البريطانية فحسب، بل تظافرت معها جملة من الأحداث والإجراءات التي هيأت المناخ المناسب، فزيارة السلطان عبد الرحمن لبريطانيا سنة 1845 مثلت انفتاحاً رمزياً مهماً، تلاها قيام المخزن بتحسين الأمن في السواحل وتطوير الموانئ مما شجع على الاستثمار الأجنبي، وفي الوقت نفسه، شكل التوسع الاستعماري الفرنسي في الجزائر المجاورة تهديداً وجودياً دفع المغرب إلى البحث عن دعم بريطاني لموازنة النفوذ الفرنسي الصاعد، وهو ما استجابت له لندن عبر تحركات بحرية قبالة السواحل المغربية، فتحت باب الحوار على مصراعيه، وكانت بريطانيا تطمح من وراء ذلك إلى تأمين قاعدة خلفية مهمة لتجربتها المتنامية مع مشروع قناة السويس، مما جعل المغرب يحتل أولوية متقدمة في استراتيجيتها التجارية.

المفاوضات: مسار دقيق بين الإقناع والتحفظ

انطلقت المفاوضات الفعلية في التاسع عشر من فبراير عام 1856، باجتماعات مكثفة جمعت المفاوض البريطاني جون دروموند هاي بنائب السلطان في طنجة، محمد الخطيب، حيث خضعت بنود الاتفاقية المقترحة للدراسة والتحليل بنداً بنداً، واعتمد هاي أسلوباً تدريجياً لتمرير شروطه، مستفيداً من الأجواء الودية التي سادت العلاقة، وقد أبدى محمد الخطيب مرونة كبيرة ووافق على معظم البنود المطروحة مبدئياً، لكنه كان حريصاً على تنفيذ التعليمات السلطانية بدقة، فالتزم بتسجيل موافقته على هوامش مسودة الاتفاقية مع شرط أساسي هو أن تظل هذه الموافقة معلقة بقبول السلطان النهائي، مما يعكس حرص المخزن على الاحتفاظ بزمام القرار السيادي رغم ضغوط الظرفية التاريخية.

بنود الاتفاقية: نصوص أعادت تشكيل السيادة الاقتصادية

تكونت الاتفاقية من نصين رئيسيين، أولها معاهدة عامة ضمت ثماني وثلاثين مادة حددت وضع القناصل وامتيازاتهم وحريتهم في التنقل، ونصت على حماية رعايا بريطانيا وتجارهم وتأمين ممتلكاتهم، وثانيها معاهدة تجارية من ثماني مواد أحدثت ثورة في العلاقة الاقتصادية، وكانت المادة السادسة من هذه المعاهدة التجارية الأكثر تأثيراً، حيث حددت التعريفات الجمركية بنسبة عشرة بالمائة فقط، وألغت احتكار المخزن للعديد من السلع الأساسية كالقمح والشعير والصوف، وسمحت للتجار الإنجليز بالمساواة مع نظرائهم المغاربة في حق البيع والشراء والسكن وبناء الديار والمخازن في جميع مراسي المغرب، كما منعت تدخل القضاء المغربي في النزاعات التي تحدث بين الرعايا البريطانيين، مما رسخ مبدأ الامتيازات الأجنبية التي قوضت السيادة القضائية للدولة.

نتائج الاتفاقية: مكاسب متبادلة وإرهاصات التدخل الأجنبي

حققت المعاهدة لبريطانيا مكاسب استراتيجية كبرى تمثلت في تأمين نفوذها التجاري والدخول بقوة إلى السوق المغربية الواعدة، وزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين بشكل ملحوظ، كما عززت من مكانتها كحامية لمصالحها في المنطقة، أما بالنسبة للمغرب، فقد أدت الاتفاقية في المدى القصير إلى تحقيق استقرار سياسي نسبي وتحسن في العلاقات مع الدول الأوروبية الأخرى التي سارعت للمطالبة بمعاهدات مماثلة، غير أن النتيجة الأعمق كانت فتح المجال أمام تغلغل تجاري أوروبي واسع قوض الاقتصاد الوطني التقليدي، وجعل المغرب أكثر اندماجاً في السوق العالمية بشروط غير متكافئة، وفي نهاية المطاف، شكلت هذه المعاهدة إحدى الحلقات المهمة في سلسلة الترتيبات التي مهدت الطريق لفرض الحماية الفرنسية لاحقاً، مؤكدة أن المعاهدات التجارية تحمل في طياتها أبعاداً سياسية تتجاوز نطاق التبادل الاقتصادي.


تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -