عبد الهادي خيرات... الضمير الاتحادي الذي آثر عزلة الجبال على أضواء السياسة
من رحاب المدرسة إلى دهاليز السياسة
في مدينة سطات، وُلد عبد الهادي خيرات سنة 1950، في زمن كانت فيه المغرب يتهيأ لاستعادة استقلالها وبناء مؤسساتها. لم تكن رحلته العلمية تقليدية، فبعد اجتياز مراحل التعليم الأولى بمسقط رأسه، انتقل إلى الدار البيضاء حيث صقلت له المدينة وعيه المبكر، ثم إلى الرباط حيث حصل على الإجازة في الأدب العربي ودبلوم التدريس من المدرسة العليا للأساتذة. كان الطالب المتفوق يحمل في جعبته أدوات المعرفة، لكنه كان يحمل أيضًا هاجسًا سياسيًا مبكرًا، ففي عام 1967، وهو لا يزال في السابعة عشرة من عمره، خطا أولى خطواته الحزبية بالانضمام إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ليبدأ مسارًا طويلاً من النضال والتضحية.
سنوات الجمر: الاعتقال والنضال في زمن الرصاص
لم يكن الانتماء السياسي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي مجرد بطاقة حزبية، بل كان مصيرًا وتاريخًا شخصيًا يكتب بالدم أحيانًا. عرف خيرات ذلك جيدًا، فذاق مرارة الاعتقال لأول مرة وهو بعد شاب يافع، على خلفية المظاهرات الطلابية سنة 1967. لم تكن تلك المحطة الأخيرة، فالرجل الذي شغل منصب كاتب عام للشبيبة الاتحادية بعد اغتيال القائد الشهيد عمر بنجلون، ظل مطاردًا بسبب نشاطه السياسي والنقابي داخل الجامعة. وبلغت ملاحقته ذروتها بعد الأحداث الدامية لسنة 1981، حيث دفع ثمن مواقفه الجريئة مرة أخرى خلف القضبان. لكن هذه التجارب القاسية لم تثنِ عزيمته، بل زادته إصرارًا على مواصلة الطريق.
في قبة البرلمان ومواجهة "البصري"
صعد خيرات إلى قبة البرلمان ممثلاً لمدينته سطات، حاملاً هموم المواطنين البسطاء وصوت المعارضة الجريء. داخل أسوار المؤسسة التشريعية، اشتهر الرجل بمواقفه الصلبة وخطابه المباشر الذي لا يجامل. كان اسمه مقترنًا دائمًا بانتقادات لاذعة لسياسات وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري، الرجل القوي في تلك الفترة. لم تكن تلك الجرأة لتأتي من فراغ، بل من قناعة راسخة بأن دور النائب الحقيقي هو الدفاع عن المبادئ والقضايا العادلة، حتى لو كان الثمن غاليًا. هذا الصمود جعله يحظى باحترام الخصوم قبل الأصدقاء، ورسّخ صورته كأحد أبرز رموز المصداقية داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
خيبة الأمل واعتزال الكبار: هكذا ودّع خيرات السياسة
في مفاجأة أثارت فضول الكثيرين، اختار عبد الهادي خيرات في سنواته الأخيرة أن يعتزل العمل السياسي نهائيًا. لم يكن القرار نابعًا من يأس أو تراجع في المبادئ، بل كان محصلة خيبة أمل كبيرة من التحولات الداخلية التي شهدها حزب الاتحاد الاشتراكي. في مقابلاته النادرة، أوضح خيرات أن توجهات الح الجديدة وقيادته ابتعدت عن الخط التحرري الذي أسسه الراحل عبد الرحيم بوعبيد، الرجل الذي جمعته به علاقة خاصة، والذي لا يفتأ يستحضر مواقفه الوطنية الشجاعة.فضّل خيرات اعتزال "الزنقة" كما يقول المغاربة، ليخلد إلى حياة الفلاحة وتربية الماشية في هدوء الطبيعة. بهذا الاختيار، يكون عبد الهادي خيرات قد جسّد مقولة "الاعتزال عزّة"، تاركًا خلفه صورة ناصعة لرجل ظل وفيًا لأفكاره حتى النهاية، مفضلاً أن يبقى "الضمير الاتحادي" حيًا في ذاكرة السياسة المغربية، وإن غاب عن خشبة المسرح..
* تنبيه !
- سوف يتم نشر تعليقكم بعد مراجعته
- التعاليق التي تحتوي على كلمات نابية وأرقام الهواتف أو نشر روابط أو إشهار لجهة ما لن يتم نشرها.