أخر الاخبار

بول باسكون..رائد السوسيولوجيا القروية والبحوث الميدانية بالمغرب


بول باسكون..رائد السوسيولوجيا القروية والبحوث الميدانية بالمغرب


بول باسكون (1932-1985): رائد السوسيولوجيا المغربية ما بعد الكولونيالية

من المستحيل فهم تطور العلوم الاجتماعية بالمغرب دون التوقف عند مساهمة عالم الاجتماع الفرنسي-المغربي بول باسكون. يُعد باسكون، وفقًا للمصادر العلمية الموثوقة، الرئيسية التي حددت منعطفًا حاسمًا في الخروج من عباءة السوسيولوجيا الاستعمارية، وبناء تقاليد بحثية جديدة متحررة من التحيزات الإيديولوجية، وقائمة على الملاحظة الميدانية الدقيقة لفهم تعقيدات المجتمع المغربي.

النشأة والتكوين: الجذور المزدوجة 

ولد باسكون في فاس عام 1932، في لحظة تاريخية حاسمة (بعد سنتين من "الظهير البربري"). تأثر مساره بشكل عميق بخلفيته العائلية:

  • الارتباط بالأرض: نشأ في ضيعة بسهل سايس، قرب منطقة "الضويات". هذه التجربة المباشرة مع الريف والظلم الاستعماري المرتبط بالأرض شكلت شخصيته وجعلته مناضلاً لقضايا "الصغار" والمهمشين.

  • التكوين العلمي المزدوج: اضطر لدراسة البيولوجيا في باريس لغياب شعبة علم الاجتماع وقتها، قبل أن يلتحق بها عند إنشائها عام 1956. هذه الخلفية المزدوجة شرحت تميزه لاحقاً: فهي منحته دقة الملاحظة العلمية وحرصه على التفاصيل، كما غذت منهجيته المتميزة في الرسم والتمثيل البياني للظواهر الاجتماعية.

المساهمة المؤسِّسة: نحو سوسيولوجيا مغربية جديدة

بعد استقلال المغرب، اختار باسكون التجنُّس والاستقرار الدائم، مساهماً في ملء الفراغ الإداري والفكري. تركزت مساهمته في ثلاث ركائز أساسية:

  1. تأسيس البحث الجماعي والميداني: قاد في بداية الستينيات "فريقاً متداخل التخصصات للأبحاث في العلوم الإنسانية"، كان أشبه بـ تعاونية بحثية تخدم الدولة. ركزت أعمال هذا الفريق على قضايا التنمية الملحة آنذاك، مثل: سوسيولوجيا عمال الفوسفاط (باليوسفية وخريبكة)، ودراسات حول السياسة المائية والإصلاح الزراعي في مكاتب الري.
  2. التجريب الاجتماعي والتعلم من الفشل: في مكتب تنمية الحوز بمراكش، أطلق باسكون سلسلة من التجارب الاجتماعية الطموحة (مثل التعاونيات الشاملة ومزارع الشباب). فشل معظمها، لكنه استخلص منها دروساً نظرية ثمينة حول تعقيد الواقع المغربي، ومركزية السياسة، وأهمية المعرفة السوسيولوجية المسبقة قبل أي تدخل تنموي.
  3. صياغة مفهوم "المجتمع المركب": كان هذا إسهامه النظري الأبرز. في خضم الجدالات الماركسية السائدة في السبعينيات حول طبيعة المجتمع المغربي (إقطاعي أم آسيوي...)، قدم باسكون مفهوماً تحليلياً أكثر دقةً ومرونةً.

  • رفض تطبيق النماذج الجاهزة ("المجتمع الانتقالي" أو "الإقطاعي").
  • وصف المغرب بأنه "نمط إنتاج مركب"، حيث تتعايش عدة أنساق اجتماعية (قبلية، إقطاعية، رأسمالية، بطريركية...) في وقت ومكان واحد.
  • لاحظ أن الفرد المغربي، خاصة القروي، "يعزف على كل لوحات المفاتيح"، حيث ينتقل بين هذه الأنساق وفق السياق، مما يستدعي فهماً ديناميكياً ومعقداً للواقع.

الإرث الباقي: التربية على الميدان 

انتقل باسكون لاحقاً للتدريس في المعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، حيث أسس تقليداً تربوياً فريداً قائماً على "المرحلية الميدانية". كان يطلب من الطلاب قضاء 40 يوماً في دوار لإعداد مونوغرافيا شاملة، تدرس كل شيء من القياسات والمياه إلى أنساب الأسر. أغنى هذا التقليد المكتبة بوثائق ثمينة عن الريف المغربي في السبعينيات والثمانينيات، وخلق جيلاً من المهندسين والباحثين ذوي وعي عميق بالواقع الاجتماعي.

عمل باسكون على إعادة قراءة التراث السوسيولوجي الكولونيالي وطور نمطا خاصا في الكتابة والبحث الامبريقي برفقة باحثين مغاربة استفادوا من تجربته وخبرته الميدانية، مستثمرا في الوقت نفسه ارتباطاته المهنية ومغنيا بذلك المكتبة الوطنية بمقالات علمية، كانت جزءا من مشاريع مهنية كان يشرف عليها إبان تعيينه منسقا للدراسات العامة حول “تهيئة الحوز الكبير” سنة 1962 أو خلال اشتغاله مديرا للمكتب الجهوي لحوز مراكش سنة 1966 بعدما  حصل على الجنسية المغربية سنة 1964. وهي كلها مسارات يتداخل فيها البعد الأكاديمي بالمسار المهني في مسيرة الرجل. من أهم هذه الدراسات:


ملاحظات حول حجر مسكتشف بسوق خميس أيت واحي، بتعاون مع جورج لازاريف، أربعة أجزاء، خزانة المكتب الشريف للفوسفاط، 1959.

نظام استغلال الأرض بالحوز سنة 1963.

المعيقات الاجتماعية للتقدم الفلاحي بحوز مراكش 1963.

اليد العاملة و الشغل في القطاع التقليدي، المجلة المغربية للاقتصاد و الاجتماع، يناير – مارس 1966.

التحديث القروي بالمغرب. سوسيولوجيا برنامج 1967.

ماذا يقول 296 شابا قرويا بتعاون مع المكي بنطاهر، المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع، عدد 111 و 112، يناير، يونيو 1969

نظرية عامة لتوزيع المياه واستغلال الأراضي بحوز مراكش 1970.

تكوين المجتمع المغربي، 1970.

القانون والفعل في المجتمع المركب، بتعاون مع نجيب بودربالة، المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع، العدد 117 – 1972.

المسألة الزراعية بالمغرب 1 بتعاون مع نجيب بودربالة والشرايبي 1974.

مقاييس المؤن: وصف للمد والصاع المغاربي ، مدخل إلى علم القياس المغربي، هسبريس تمودا، العدد 17 – 1975.[6]

المسألة الزراعية بالمغرب 2 بالتعاون مع نجيب بودربالة والشرايبي وحمودي 1977.

دراسات قروية: أفكار وتحقيقات حول القرية المغربية، 1980.

بني بوفراح: دراسات في الإيكولوجيا الاجتماعية لسهل ريفي، بالاشتراك مع هرمان فان ديروفوستن، 1980.

دار إيليغ والتاريخ الاجتماعي لتازروالت، بالاشتراك مع عريف وشروتر والطوزي وديروفوستن، 1984.

المسألة المائية بالمغرب، بالاشتراك مع بودربالة وشيش وحرزني.

ويقول بول باسكون بهذا الخصوص:

“أنا مدرس بمعهد الزراعة والبيطرة، ويقوم تدريسي على علم الاجتماع القروي، وأنا أتابع أبحاثا شخصية في الميدان وأغذي دروسي من هذه الأبحاث، وأحاول رفقة بعض الباحثين الآخرين خلق شروط مقاربة شخصية أفضل لمشاكل البادية يقوم بها طلبتي وزملائي وذلك بتنظيم فترات تدريب ميداني في إطار المعهد. ويوفر معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة من وجهة النظر هذه شروطا نادرة في بلد كالمغرب، ففي امكان الطلبة فعلا أن يقيموا لفترات طويلة وعديدة بين المزارعين بكل حرية وفي غيبة أي مشاكل إدارية. إننا لم نتمكن بعد من استخلاص كل الفوائد التربوية البشرية من مثل هذه الوضعية، لكننا نتقدم كما أظن في هذا الاتجاه”.

لم يكن بول باسكون مجرد باحث أكاديمي، بل كان عالماً منخرطاً ومربياً ومنظراً. لقد نجح، من خلال التزامه بقضايا الأرض والمهمشين، ومنهجيته التجريبية الصارمة، وإصراره على قراءة الواقع المغربي بمنظوره الخاص المعقد، في وضع لبنات أساسية متينة للسوسيولوجيا المغربية المستقلة والنقدية.

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -