أخر الاخبار

هكذا انتفض البيضاويون بعد جريمة اغتيال فرحات حشاد


هكذا انتفض البيضاويون بعد جريمة اغتيال فرحات حشاد


“إن الطبقة العاملة وشعوب إفريقيا الشمالية والعالم الإسلامي في حداد على إثر الجريمة الشنعاء التي استهدفت حياة أخينا فرحات حشاد، فآلام إفريقيا الشمالية متأججة وكل العمال في حداد” هكذا استهل الاتحاد العام للنقابات المغربية وحزب الاستقلال قرارهما القاضي بالإضراب العام لمدة 24 ساعة في السادس من دجنبر 1952، كرد فعل على اغتيال فرحات حشاد الأمين العام للاتحاد العام للعمال التونسيين على يد عصابة اليد الحمراء الفرنسية.



الدار البيضاء وغيرها من المدن اشتعلن في الأحداث التي عرفت باسم “حوادث فرحات حشاد”، و”حوادث كريان سنطرال” لان شرارة الأحداث انطلقت من كريان سنطرال في البداية، ففي الوقت الذي كانت تنعقد فيه الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة، كانت دماء المتظاهرين تراق في أزقة الحي الصفيحي.

كريان سنطرال


منذ سنة 1952 أصبح الثامن من دجنبر تاريخا مرجعيا في أذهان البيضاويين، لأنه التاريخ الذي استقبلوا فيه بنادق الاستعمار الفرنسي بصدور عارية، واختلطت في أنوفهم رائحة الموت والرصاص.

يشير نجيب تقي في كتابه ” جوانب من ذاكرة كريان سنطرال-الحي المحمدي بالدار البيضاء. محاولة في التوثيق” إلى أن الناشطين النقابيين شكلوا لجانا سهرت على تنظيم الإضراب وإنجازه، منها من اشتغل على صعيد كريان سنطرال، فيما اشتغلت أخرى على صعيد المعامل في الحي الصناعي.

ومن الأسماء البارزة التي انضمت إلى هذه اللجان بلعيد بن عبد الله كاتب الاتحاد المحلي للنقابة الذي عينه الطيب بن بوعزة عضوا في اللجنة التي تكلفت بتنظيم الإضراب العام يوم الإثنين 8 دجنبر 1952، بما في ذلك رئاسة الاجتماع الذي انعقد في فاس يوم 6 دجنبر، ومرابطته بمقر النقابة ليلة الأحد لتتبع الإجراءات اللازمة لإنجاح الإضراب.

الإضراب العام


كتبت جريدة الأمة أن باشا مدينة الدار البيضاء بونيفاس أمر بإرسال “براح” مساء الأحد 7 دجنبر من سنة 1952، إلى كاريان سنطرال يتوعد السكان بأقصى العقوبات إن هم خرجوا للإضراب يوم الإثنين، في نفس الوقت أعدت السلطات الفرنسية جيشا من الجواسيس أنيطت به مهمة أخرى وهي معارضة “البراح” وتأليب السكان عليه.

لكن أمام عدم استجابة السكان، عاد الجواسيس إلى الحي وشرعوا يصيحون بهذه العبارة: “لقد قتل إخوانكم في درب مولاي الشريف، فماذا أنتم فاعلون؟ هيا إلى مركز الشرطة لنهاجمه وننتقم لإخواننا”. وذلك من أجل جس نبض السكان ومعرفة مدى استجابتهم للإضراب العام.

ومن الروايات أيضا رواية المقاوم محمد بن الحسن المسيوي التي أوردها الباحث نجيب تقي: “… تلى بعد ذلك حوادث فرحات حشاد حيث اتفقت مع بن خلوق (كريان الخليفة) وشجعي ميلود وبو امحمد بإشعال نار هذه المظاهرات وإبلاغ سكان كريان الخليفة بها وقد كنا نحن السبب الأول لهذه المظاهرات وقد قمنا خلالها بهجومات على الفرنسيين حيث القي القبض على بن خلوق الذي ساعدني على أخذ مسدس من نوع 92 من أحد الفرنسيين”.

بالإضافة إلى حوادث أخرى مازالت تلوكها الألسنة بكريان سنطرال كلما أثير الحديث عن حوادث فرحات حشاد، ومنها الحادثة التي تفرعت عن الهجوم على مركز الشرطة المقابل لدرب مولاي الشريف، التي اغتيل فيها اثنين من “المخازنية” الذين استدعوا على إثر انفجار “حوادث كريان سنطرال”. ومن تلك الحوادث أيضا حادثة إحراق الشاحنة التي تعرف بين سكان كريان سنطرال بحادثة ” حريك لافوار”، التي كان للحسين بوصبيعات دور كبير فيها.

الإثنين الأسود


بالموازاة مع كل هذا كانت مناشير الاتحاد العام للنقابات المغربية توزع في أرجاء المدينة، كما خطت العديد من الجدران بعبارات تدعوا إلى الإضراب العام يوم الإثنين. ولأن الدار البيضاء مدينة تجمع كل فئات المجتمع من تجار وحرفيين وعمال وسكان مدن الصفيح، لم يكن التأثير في السكان وحشدهم أمرا صعبا، نظرا لاكتواء كل هذه الفئات بنار الاستعمار الفرنسي، ناهيك عن جو الحماس الذي كان يسود المدن المغربية الذي كان للحركة الوطنية في إذكائه دور كبير.

صباح يوم الأحد 7 دجنبر من سنة 1952 اجتمع حوالي 2000 عامل بشارع لاسال المسمى حاليا شارع فرحات حشاد. فاشتعلت المواجهات مع الشرطة مساء الأحد، لتستمر إلى حدود العاشرة من ليلة الأحد، فاستعمل فيها الرصاص الحي ثم بعد تعاظم الحشود تدخل قوات “الكوم”. فسقط العديد من القتلى والجرحى تلك الليلة.

على الساعة الثانية ليلا من يوم الاثنين فرضت قوات الاستعمار نوعا من الهدوء بعد محاصرتها لكريان سنطرال بالمدفعيات الثقيلة. لكن ذلك لم يمنع من اشتعال المواجهات من جديد مع حلول الساعة التاسعة من صباح يوم الإثنين ليرتفع عدد الضحايا.

مصيدة لاسال


يحكي ألبير عياش في كتابه “الحركة النقابية بالمغرب” أن المتظاهرين نظموا موكبا جنائزيا ضخما للضحايا انطلقوا به من المجسد الصغير سيدي عبد الرحمان نحو مقبرة بن مسيك.

بعد ذلك التحق العمال بدار النقابات في شارع لاسال، وسمحت لهم قوات الاستعمار بدخول دار النقابات، بعد أن تعرضوا لإطلاق النار أمام رحبة الحبوب بطريق مديونة. لكن في المقابل كان رئيس المنطقة يعقد ندوة صحفية يعطي فيها مسوغات إطلاق النار على المتظاهرين.

ومما قاله في هذه الندوة “لقد ابلغنا المندوبين النقابيين قرار منع عقد اجتماع جديد بدار النقابات بعد زوال يوم الاثنين”. على الساعة الرابعة زولا من يوم الاثنين اكتشف النقابيون المجتمعون في دار النقابات أن دخولهم لها كان بمثابة دخول مصيدة كبيرة. بعد الكلام الذي قاله رئيس المنطقة في الندوة توجهت سيارة ذات رشاش إلى مدخل دار النقابات وكسرته.

واقتحمت عناصر الاستعمار المقر واعتقلت العديد من النقابيين، على رأسهم المحجوب بن الصديق عضو مكتب الاتحاد العام للنقابات المتحدة بالمغرب، ومحمد الشرقاوي، كاتب فيدرالية الموانئ و الشيالين، وحوالي مائة متظاهر، وأُجلسوا القرفصاء وأيديهم فوق رؤوسهم بجانب البورصة، واقتيد بعض العمال بعد تفتيشهم إلى خارج “المصيدة”.

الدكتور الخطيب يسعف الجرحى


صباح يوم الثلاثاء 9 دجنبر استفاقت الدار البيضاء على استشهاد عدد كبير من سكانها، جزء كبير منهم تمت تصفيتهم داخل دورهم الصفيحية، ومنهم من تم قنصهم من فوق المراحيض العمومية الموجود في قلب كريان سنطرال. فعمد بعض أهالي القتلى إلى دفنهم داخل الدور الصفيحية خوفا من بطش الاستعمار. كما تطوع العديد من الشباب لنقل الشهداء والمصابين إلى بعض الدور للصلاة عليهم. فيما تكلف الدكتور عبد الكريم الخطيب بإسعاف الجرحى.

أما عدد الشهداء فقد اختلفت الروايات بشأنهم، بين من تحدث عن 33 شهيدا ومن تحدث عن سقوط ألفي شهيد، لكن الكل يتفق على استشهاد السكان من جميع الأعمار والفئات، بل إن أسر قتلت بكاملها.

رغم العدد الهائل للضحايا فإن أسماء المسجلين منهم في مصلحة حفظ الصحة في كريان سنطرال قليلة جدا، حيث لم يتجاوز تسعة. ما يفسر هذا المعطى هو سعي السكان إلى تفادي ما يصدر عن الاستعمار من إزعاج وملاحقة، خصوصا سكان دور الصفيح الذين دفنوا موتاهم داخل دورهم الصفيحية في قلب كريان سنطرال.

هسبريس - إسماعيل التزارني
تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -