معركة المنقار — مقاومة مغربية أمام حملات التوسع الاستعماري الفرنسي
في 2 سبتمبر 1903، كانت فصيلة من قوات الاحتلال الفرنسي (الفصيلة الثانية من السرية 22) تتقدم في مهمة مرافقة قافلة إمداد قادمة من مواقعها المتقدمة قرب الواحات على أطراف الصحراء، ووصلت نحو الساعة التاسعة صباحًا إلى سهل المنقار. هناك واجهتها مقاومة شرسة من مقاتلي قبيلتي دوي مينع وأولاد جرير، الذين دافعوا عن أرضهم في معركة استمرت من 9:45 صباحًا حتى 6 مساءً — أي قرابة تسع ساعات متواصلة من القتال.
ألحقت هذه المقاومة خسائر فادحة بالقوة الفرنسية: أصيب قائد القوة النقيب فوتشيز ونائبه الملازم سيلشوهانسن (ضابط دنماركي كان يخدم كأجنبي) بجروح قاتلة، وبلغ مجموع القتلى في صفوف قوات الاحتلال أربعة وثلاثين قتيلاً وأربعين جريحًا — وهي خسائر اعتبرتها المصادر الفرنسية نفسها معادلة لحجم الخسائر التي مُنيت بها الفرقة بأكملها في معركة كاميرون الشهيرة.
أحدثت أنباء هذه المواجهة صدى كبيرًا في فرنسا، حيث انتقد الرأي العام الفرنسي فعالية العمليات العسكرية على الحدود الجزائرية-المغربية، وتساءل عن جدوى الأوامر التي أصدرتها الحكومات المتعاقبة في باريس لمنع المقاومين المغاربة من التحرك عبر الأراضي الجزائرية للدفاع عن مجالهم.
( النص الأصلي يذكر أن القوات الفرنسية "تُحيي سنويًا ذكرى" هذه المعركة تكريمًا لجنودها — وهذا جزء من الرواية الاستعمارية الرسمية)
قائد الحملة الاستعمارية: العقيد ليوطي
بعد المعركة، عيّن وزير الحرب الفرنسي، بطلب من الحاكم العام للجزائر تشارلز جونارت، العقيد ليوطي — الذي كان قد راكم خبرة في قمع المقاومة الشعبية بمدغشقر وشمال تونكين — لقيادة منطقة عين الصفراء وتوسيع الهيمنة الفرنسية هناك. تلقى ليوطي، الذي رُقّي لتوّه إلى رتبة جنرال، تعليمات "بالحذر" من الوزارة، تقضي بعدم منح القوى الأجنبية الأخرى (مثل ألمانيا وإسبانيا) ذريعة دبلوماسية للتدخل في مسألة المغرب، مع السماح له بالتوغل "المؤقت" داخل الأراضي المغربية عند الحاجة.
التوسع التدريجي داخل الأراضي المغربية (1903–1907)
منذ نوفمبر 1903، بدأت القوات الفرنسية سلسلة من التوغلات نحو الغرب لبسط سيطرتها التدريجية على الأراضي المغربية:
- توغلت قوة بقيادة قائد الكتيبة بييرون غربًا حتى وصلت إلى حافة الهضبة المطلة على واحة بشار، وشرعت في شق طريق يربطها بعين الصفراء. أثار هذا التوغل احتجاجًا في باريس، فادّعى ليوطي كذبًا أن قواته لم تدخل بشار بل موقعًا يُدعى "كولومب" (سُمّي لاحقًا تيمنًا بضابط فرنسي قُتل هناك)، وهو في الواقع نفس موقع تاجدا القريب من بشار — وهي حيلة لتضليل الحكومة المركزية حول عمق التوغل الفعلي داخل الأراضي المغربية.
- أقام ليوطي مراكز عسكرية أخرى في الفرثاسة الغربية وبوعيش وتلززة، ثم شبكة مسالك لتسهيل مراقبة المنطقة وتحركات قوافله.
- في 1904، أُقيم مركز جديد في بيرجونت داخل الأراضي المغربية، ما أثار احتجاجًا حكوميًا جديدًا هدد ليوطي في مواجهته بالاستقالة، بينما دافع عنه الحاكم جونارت باعتبار الموقع ضروريًا لمراقبة ممر جرادة، وهو معبر كانت تسلكه القبائل المغربية المقاومة القادمة من جهة وادي ملوية.
- عام 1905، وسّعت القوات الفرنسية استطلاعها ليشمل مناطق وادي ملوية (مراعي قبائل بني يزناسن) وحمادة الگير وجوار كولومب-بشار، في تمهيد لمزيد من التوغل.
- عام 1907، شُقّ مسار يربط مشرية الجزائرية ببيرجونت تحت إشراف الملازم روليه.
استمرار المقاومة ومظاهرها
رغم توسع الوجود العسكري الفرنسي، واصلت القبائل المغربية البعيدة عن الحدود — التي فقدت مصادر عيشها التقليدية بسبب هذا التضييق — تنظيم حملات (رزو) نحو الأراضي الجزائرية المجاورة بحثًا عن موارد بديلة، وسُجّلت تحركات مماثلة استعدادًا للتوجه نحو وجدة وواحات الجنوب.
وفي المغرب نفسه، تصاعدت مظاهر الرفض الشعبي للوجود الأجنبي، مع تزايد الاستهداف المباشر للرعايا الأجانب والمؤسسات الأوروبية، في وقت كانت فيه الدولة المغربية تعاني من أزمة مالية عميقة. وقد شكّل مقتل الطبيب الفرنسي موشامب في مراكش الذريعة التي استند إليها القرار الفرنسي في مطلع 1907 بتفويض الجنرال ليوطي للقيام بعملية عسكرية موسّعة شرق المغرب.
مصادر:
cairn.info

* تنبيه !
- سوف يتم نشر تعليقكم بعد مراجعته
- التعاليق التي تحتوي على كلمات نابية وأرقام الهواتف أو نشر روابط أو إشهار لجهة ما لن يتم نشرها.