أخر الاخبار

من تدمير التعليم بمساجد المغرب 1900 إلى تدمير المدرسة العمومية بعد 2000


 ذ. إدريس كرم


تقديم:


سجل التاريخ أنه في مطلع سنة 1900، أرسلت الأكاديمية الفرنسية لمدينة فاس، أحد الباحثين المشهورين لديها، وهو “موليراس”، ليعد لها تقريرا حول المغرب والمغاربة.


وفي مدينة فاس، اتصل بعدد من العلماء ورجال المخزن وغيرهم من الشخصيات، وذلك خلال شهر أبريل، وممن التقى بهم العالمين: بوبكر بناني ومولاي أحمد البلغيثي، الأول من الطبقة الأولى، والثاني من الطبقة الثانية.


وقد أجمل رأيه في الخلاصة التالية:


“على عاتق الدول الأوربية أن تنزل الضربات التي لا ترحم بمناهج التعليم في مساجد المغرب حيث يترعرع التعصب وينمو منذ قرون في أذهان الطلبة والأساتذة على السواء، هؤلاء الذين يلهبون قلوب الجماعات الشعبية بشعور الكراهية ضد من ليس مسلما”.


(عبد الهادي التازي، جامع القرويين ج3ص740).


تعليق:


فلا غرابة أن نجد نفس الكراهية لطلبة المساجد وفقهائها تتناسل في إدارة الحماية من ليوطي لغاية جوان، لتنقل بعد ذلك لخريجي المدرسة الفرنكوفونية -بعد الاستقلال- الذين حلوا محل المستعمرين الذين نفعت فيهم تأثيرات ماسينيون، وديرمنكم، ودولاشيير، فواصلوا سياستهم الإقصائية التدميرية لكل ما يقوي الهوية المغربية ويبث الكراهية ضد أصحاب فكر الجلابيب حتى ولو لم يرتدوها لأنها تقوي الاقصتاد وتنمي المجتمع المستقل، فلم يعترفوا مثلا لطلبة المساجد بصفة طلاب -من قبل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب- إلا سنة 1964 بعد خوضهم لإضراب شهير لطوله وتعدد مطالبه، ركبت عليه المعارضة البلانكية لتصل لمناظرة إفران الشهيرة التي كان من نتائجها المبادئ الأربعة، وهي:


التعريب، والتوحيد، والتعميم، والمغربة، هذه المبادئ التي تم الالتفاف عليها بأشكال مختلفة من الغارات قصد إفراغها من المقومات الأخلاقية والدينية والوطنية باسم التطوير والتحديث والعصرنة ومحاربة الرجعية والإقطاع والظلامية، إلى أن وصل التعليم لما هو عليه الآن من فشل لم تنفع فيه علاجات أصحاب: لا الخمسينية، ولا التقويمية، ولا الاستعجالية، ولا الذين يعتبرون حراس الهيكل الفرنكفوني الذين لا يرون العالمية والتقنية والحضارة، إلا في حضن ماما فرنسا التي يخشون غضبها، أو فراقها.


لذلك ما فتئوا ينادون بفرنسة التعليم لتمسيح المغاربة أو جعلهم بلا دين، لأن عقدة فرنسا في المغرب على الخصوص كان هو الإسلام، ولما لم يفلحوا قالوا بالدوارج، ولغات الأمهات، ولما لم يفلحوا قالوا بلغة المعاش، كما قال المعمرون في مطلع القرن الماضي مع بداية غزو المغرب، من أجل إيجاد أعوانا وتراجمة لتسهيل الاستغلال والسيطرة على المجال، وتسويغ ذلك.


ولما فشلت كل تلك المشاريع الملغومة، ابتكر حل الخوصصة كبديل للتعليم العمومي الذي رغم نقائصه أرغمت مقرراته الدراسية -المحلاة بالنفحة الدينية والوطنية- المتجذرة في المجتمع، والمتماهية مع رغبات مكوناته وتطلعاتهم الإنمائية، على تكوين نخبة وطنية صامدة بطبعها كما وصف “ربير منطان” طلبة ثانوية مولاي ادريس الذين كانوا يتعلمون بفرنسا في العشرينيات بخلاف المدرسة الخاصة التي جعلت التلميذ سلعة قابلة للتصدير والتدوير، مستفيدة من خبرة أطر -المدرسة العمومية- منزوعة الدسم، بعدما حولت ليد مأجورة، تقدم ما يطلب منها لا ما يجب عليها، ففقدت مصداقيتها التربوية والقيمية.


وعندما اكتوى الجميع بنيران سقوط المدرسة العمومية وتراءى في الأفق الخطر المحدق بالجميع، من جراء البلاء الشامل المتجدد الذي جره ذلك السقوط، رفع المتمعشون من الفساد شعار الإصلاح مجددا، مردين كلنا مسؤولون، وكلنا معنيون، يستوي في ذلك الذي يعاني من الأمية، والمخفق في تنظيراته الذي صار يتقدم الهاتفين والمتباكين على ما يقال بالزمن الجميل عندما كان يرتدي لكل حاجة لبوسها.


لكن من يصدق حامل معول الهدم الأصم والأعمى؟ ومن يسلم له بالقول أننا جميعا معنيون؟


لنتأمل بعضا من الاستشهادات المؤسسة للسقوط:


يقول أحمد لحليمي عن مؤتمر 1960 للاتحاد الوطني لطلبة المغرب بصفته رئيسا له:


“أود التذكير بأننا مارسنا المناورة، ونوعا من الغش على طلبة القرويين في انتداب المؤتمرين لمؤتمر أكادير وهي الممارسة الشائنة التي سأتداركها بعد التحاقي بالرباط في نفس السنة، عندما توفقت في إقناع الإخوان، بتصحيح نظرتهم الخاطئة إزاء “القرويين” التي كانت تختزن طاقات مهمة وفعاليات نضالية”. (النشرة؛ جريدة؛ عدد52/1996).


ويقول محمد لحبابي:


“المدرسة العصرية هي الوجهة المعاكسة للكتاب التقليدي الذي لا يهيء الطفل في شيء للعالم العصري، بل فيه يقوم هذا الأخير بأول محاولاته في الرشوة لتجنب عقاب الفقيه.


لذا يجب أن نتخلص نهائيا من الكتاتيب لنتبنى طواعية المدرسة العصرية القادرة على تكوين الأطفال الذين يشكلون الهياكل المنطقية المجربة المندمجة مع تطور الإنسانية المعاصرة.


ولكي يكون هذا التعليم عصريا يجب أن يقوم على الأسس التالية: الملاحظة، تنمية الفكر، انتشار المنطق” (مستقبل شبيبتنا في أفق الثمانينات؛ ص216).


ترى ما مقدار التباعد بين هذا الرأي ورأي (موريس لاندريو) قبله -من الذين راهنوا على إحلال المدرسة الكلونيالية محل المسجد، لطمس الهوية المغربية مطلع القرن الماضي- الذي يقول:


“ستقوم المدرسة من جيل لآخر بالتنظيف والتجديد وانطلاق التحول في الطبائع”، مضيفا “من أجل تبني عقليتنا الأرية المسيحية” (ص63).


وكأن تغيير الطبائع عملية سهلة لا تزيد عن اختيار كالذي قال به رئيس الجمهورية الفرنسية “لوبيت” بالجزائر في تجمع خطابي: “أفتخر بأننا قوة إسلامية، فرنسا لم تفعل شيئا غير تغيير دينها” (المرجع السابق).


مناقشة بصيغة السؤال:


ترى هل بلغت المدرسة المغيِّرة المرحلة التي حددها المؤلف؟


بل وهل بلغت الأحزاب المبشرة بنشر هذه الأسس بين صفوف منتسبيها، وزعماؤها ممن صالوا وجالوا في الجامعات الفرنسية والبلجيكية والكندية ناهيك عن الأنكلوفونية والمشرقية؟


أم أن تدمير البنيات الموسومة بالتقليدية ليست سوى ما تم الإيصاء به منذ 1900 كما أوردنا سلفا يستوي فيه المسجد والمدرسة الحرة ثم العمومية بعد مناظرة إفران، التي كانت تقدم بالفعل تعليما وطنيا بنقائص، نعم، ولكن يستجيب لحاجيات المتعلم ومحيطه في زمنه.


بيد أن نظرية التدمير أنتجت ما لم يكن بحسبان المدمرين الذين اعتقدوا أنهم من الآخرين الذين زينوا لهم الانسلاخ من جلدهم، ليقبلوا في حضيرتهم، فإذا بهم يفاجؤون بأن لحمهم أحمر وليس أبيض كما أمَّلوا، فأصيبوا بتشوهات، جعلت الرفض هو المآل الذي طالهم، فأصبحوا من الخاسرين، فلا هم أبقوا جلدهم ساترا مميزا، ولا لحمهم مصانا من عوارض الزمان وقوارض المكان، شأنهم شأن: المنبث، لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع، فسبحان الله الذي خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا لا ليتناسخوا.

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -