القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

السلطان الشريف – الجذور الدينية والسياسية للدولة المخزنية في المغرب


السلطان الشريف – الجذور الدينية والسياسية للدولة المخزنية في المغرب

محمّد نبيل مُـلين


 "قسما بهذا السيف الذي قتل شاه إيران وذبح أميرا فارسيا وانتصر على السلطان سليمان في ثلاث معارك إنّي لمستعد لأظفر بك يا سيدتي أن أحملق في عيني أشدّ النّاس صرامة حتى يرُدّ طرفه وأن أتحدّى أجرأ الناس على ظهر البسيطة وأن أنتزع من الدّبّة صغارها الرّضّع وأن أهزأ بالأسد وهو يزأر في طلب فريسته"1.

بهذه الطريقة أنطق الكاتب الانگليزي وليام شكسبير [William Shakespeare] سلطان المغرب أحمد المنصور الذّهبي [1578-1603]. إنّ هذا الشاهد الذي يُظهر عزيمة السلطان وشجاعته يجد تجلّيه في اللوحة المتخيّلة التي أبدعها الرسّام الهولاندي بياترو روبنس [Pietro Rubens] للسلطان الشريف. وهو ما يعكس صيت السلطان وشهرته في العالم المتوسطي ذاك الصيت الذي لم يتخلّف عن ترك آثاره في مخيّلات أعظم عقول عصره. ألم يكن مولاي أحمد هو المنصور بطل الإسلام والمنتصر الأكبر في معركة وادي المخازن؟ أليس هذا السلطان هو الذّهبي الذي جاءت ثروته الطائلة من الفدية المفروضة على نبلاء البرتغال ومن غزو بلاد السودان؟ أليس هذا الدبلوماسي المحنّك هو "سلطان العلماء وعالم السلاطين" كاتب ذو ريشة رائقة ورجل عرف كيف يحبّ الفنّ الإسلامي مع القدرة على ألاّ يغمط ذوق غيره؟

إنّ صورة السلطان الشريف التي تمّ التغنّي بها من قبل معاصريه تعكس إلى حدّ كبير حقيقة تاريخية. لقد كان حكم أحمد المنصور مطبوعا بالرغبة في وضع نظام سياسي مركزي وقويّ معتمدا على هياكل عقدية ومؤسساتية ثابتة. وكان مشروع حكمه ثلاثي الأبعاد: شرعنة سلطته داخل بلاد المغرب والإفلات من التأثير الخارجي خاصة العثماني وسلوك سياسة توسعية في الصحراء وفي السودان الغربي. ومن أجل إمضاء هذا المشروع الكلّي وإعطائه شرعية دينية وتاريخية اعتمد السلطان الشريف على تبني وتَكْيِيف أمّ المؤسسات السياسية الدينية في الإسلام: الخلافة. كما كان لزاما عليه أيضا أن يقوم أحيانا بإصلاح المؤسسات الإدارية والمالية والعسكرية القائمة وأن يقوم أحيانا أخرى بتكييف ممارسات مستلهمة من النماذج الإيبيرية والعثمانية. وبحكم عَمَلِيّته فقد مارس أخيرا سياسة خارجية نشطة واستباقية وتفاعلية تسعى دائما إلى التَكيُّف مع المتغيرات وإلى اللّعب على التحالفات من أجل خدمة مخططاته بأحسن وأسلم طريقة.


إنّ دراسة عهد أحمد المنصور "لا تسعى إلى تحديد تأثير الفرد على الأحداث بقدر ما تسعى إلى أن تفهم من خلاله تداخل الرّهانات وتمفصل الشبكات المكمّلة"2 التي تُيسّر إعادة بناء السياق التاريخي المعقّد لهذا العهد وتسمح بتفكيك وتحليل مختلف الرّهانات السياسة والدينية والثقافية والاقتصادية المطروحة. وهذا ما سيمكّن من الوقوف على أصول المشروع الثلاثي الأبعاد المرتكز على عقيدة الخلافة وتتبع مساره ورصد محدّداته وتجلّياته بعيدا عن أي نظرة شاعرية.


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات