القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

في الطريق إلى انتفاضة 1973. خلافات رفاق السلاح (2/12)

 

في الطريق إلى انتفاضة 1973. خلافات رفاق السلاح (2/12)

لم يكن قرار الدخول إلى المغرب محط إجماع بين قادة الجناح الثوري، بل تباينت مواقفهم ورؤاهم، كما أن تعليمات القيادة كانت تسير في اتجاه تكوين خلايا نائمة.

يوسف المساتي ــ أمال مديد

في هذا الجزء الثاني من الملف، نتوقف عند التباينات الداخلية للجناح المسلح، ودخول الكوماندو إلى المغرب.

توقفنا في الجزء الأول من هذا الملف عند الظروف العامة التي كان يتم فيها تحضير انتفاضة 3 مارس 1973. في هذا الجزء، نتوقف عند الظروف الداخلية للجناح المسلح وتسلل عناصره إلى المغرب من التراب الجزائري.

 

تباين في الرؤى وخلافات حول الانتفاضة


لم يكن موقف قادة الجناح الثوري موحدا بخصوص القيام بعملية مسلحة في المغرب، إذ اتسمت مواقف قادته بالانقسام والاختلاف في كيفية تدبير المرحلة، وهو ما بدا واضحا في طريقة التعاطي مع التدبير لها.

كانت مجموعة التيزنيتي من أبرز الضاغطين من أجل القيام بعمل عسكري، وكان قائدها ابراهيم التزنيتي (عبد الله النمري)، قد سبق مجموعته، وقام بالتسلل للمغرب بشكل انفرادي أواخر سنة 1972، حيث استقر في تنغير عند مجموعة سيدي حمو عبد العليم، ومن ثم انتقل إلى خنيفرة عبر الدواب ليحل ضيفا على أمزيان.

سيظهر هذا التباين بشكل جلي في الاجتماع الذي عقد بمدينة وهران، قبيل دخول المجموعات المسلحة المغرب بأيام، وحضره أبرز قادة المجموعات المسلحة: بارو مبارك، بنونة، بوشعكوك، الفرشي، أسكور، هوشي منه، أومدة، المالكي…وغيرهم.

انصب اللقاء على مباحثة خطة ما هم مقبلين عليه، ومحاولة توحيد المواقف. لكن أبرز قيادي في الحركة، وهو الفقيه البصري، تخلف عن الاجتماع لعدم موافقته عليه، معلنا رفضه للقيام بأي عمل مسلح في تلك الظرفية.

موقف البصري لم يكن منفردا، حيث أعلن عدد من القياديين عن ترددهم في الدخول إلى المغرب، مخافة عدم وجود المناخ السياسي المناسب. إلا أن مجموعة التيزنتي وبنونة وأومدة حثتهم على الاستعداد، معتبرة أن الشروط قد نضجت في المغرب للتحرك عسكريا.

كانت مجموعة التيزنيتي من أبرز الضاغطين من أجل القيام بعمل عسكري، وكان قائدها ابراهيم التزنيتي (عبد الله النمري)، قد سبق مجموعته، وقام بالتسلل للمغرب بشكل انفرادي أواخر سنة 1972، حيث استقر في تنغير عند مجموعة سيدي حمو عبد العليم، ومن ثم انتقل إلى خنيفرة عبر الدواب ليحل ضيفا على أمزيان.

 

التسلل إلى المغرب


صبيحة الخامس والعشرين من يناير 1973، دخلت التراب المغربي أربع سيارات، اثنتان من نوع بيجو 404 عائلية، والثالثة سيتروين د.إس، والرابعة من نوع طاونوس. كان موكب السيارات رافعا للأعلام المغربية، يحيل على مواكب الحجاج العائدين من الديار المقدسة، بعد أداء مناسك الحج. لكن هذه السيارات لم تكن تقل حجاجا… بل كان على متنها، 16 عنصرا من عناصر التنظيم المسلح.

بعد اجتياز الحدود المغربية الجزائرية، سيصل موكب المسلحين ليلا إلى المنطقة المتفق عليها مسبقا، من أجل لقاء مجموعة محمد ساعة الفكيكية، وذلك بين قريتي سعيدة ومشرية على الحدود الغربية الجزائرية مع المغرب.

بعد الانتظار، لم تظهر مجموعة محمد ساعة، فقرروا مواصلة السير. لكن عدم ظهور المجموعة الفيكيكية طرح عدة مخاوف أمنية، فقرر المتسللون تفريغ السيارات من حمولتها (الأفراد والأسلحة والمعدات العسكرية والأدوية)، حوالي منتصف الليل لتعود السيارات إلى الجزائر على عجل، بينما شق الآخرون طريقهم إلى منزل معزول مكثوا فيه يومين، ليتوجهوا بعدها إلى جبل يبعد عن فكيك ب 80 كلم مكثوا فيه يوما واحدا.

بعدها، انطلقت رحلة أخرى. كان من المنتظر قدوم سيارة التنظيم المحلي من كلميمة؛ لكن وقوع خلل في التنسيق جعلهم يواصلون رفقة تنظيم فكيك الذي كان يعرف المكان المتفق على اللقاء فيه، وقد تم الانتقال على متن شاحنة مكشوفة، حيث واجهوا ظروفا مناخية قاسية، كما حدث عطب في الشاحنة دفعهم لتغييرها بشاحنة لنقل الرمال والأحجار من نوع (لابان).

انطلقت الرحلة من فيكيك صوب وسط البلاد، وكانوا يجلسون بشكل يؤمن الدفاع الدائري عن أنفسهم، وأسلحتهم بين ركبهم في وضع الجاهزية، تتقدمهم سيارة صغيرة من نوع فياط لفتح الطريق أمامهم، وبداخلها بعض العناصر التابعة لمحمد ساعة. قبل تحركهم، تلقوا أوامر صارمة بإطلاق النار عند حصول أي طارئ أثناء سفرهم.

تقرر تقسيم الجميع إلى أربع مجموعات وهي: فكيك، كلميمة، تنغير، خنيفرة، ووزع السلاح عليهم بمعدل عشر رشاشات كلاشينكوف  K-47 عيار 7,62 ملم، مع أربع خزانات من الرصاص (120 طلقة) لكل مجموعة، فضلا عن كميات أخرى من المتفجرات والقنابل ومناظير الميدان والخناجر، ومليون سنتيم لكل مجموعة…

تعليمات جديدة .. قيادة الخارج توقف العملية وقيادة الداخل تواصل


في ذات الوقت، قام محمد ساعة بالتواصل مع خليفة القائد سابقا بالمنطقة، والذي سلمه محتويات مستودع الأسلحة الذي ظل أمينا عليه منذ 1953.

اقرأ أيضا: حقيقة تكشف لأول مرة. اغتيال عمر بنجلون…هكذا “غيرت” هيئة الإنصاف والمصالحة تقريرا أعدته حول القضية

أثناء ذلك، جاءت التعليمات من القيادة بالخارج، والتي قام محمد ساعة بإبلاغها للمجموعة.

كانت التعليمات تنص على ألا يقوموا بأي عمليات مسلحة، وأن يواصلوا تنظيم وتعبئة الناس، وألا ينتظروا مساعدة من القيادة لا بالمال ولا بالسلاح في حالة ما إذا باشروا عمليات مسلحة.

تداول أعضاء القيادة (ابراهيم التزنيتي، محمد بنونة، محمد أومدة، سيدي حمو عبد العليم، محمد ساعة) في الوضع على ضوء التعليمات الجديدة، وتقرر تقسيم الجميع إلى أربع مجموعات وهي: فكيك، كلميمة، تنغير، خنيفرة، ووزع السلاح عليهم بمعدل عشر رشاشات كلاشينكوف  K-47 عيار 7,62 ملم، مع أربع خزانات من الرصاص (120 طلقة) لكل مجموعة، فضلا عن كميات أخرى من المتفجرات والقنابل ومناظير الميدان والخناجر، ومليون سنتيم لكل مجموعة…

بعد هذا، انتقلت المجموعة إلى كلميمة، حيث كان في انتظارهم حدو اللوزي، ليلتحق بهم في اليوم الموالي سيدي حمو عبد العليم (نايت با علي) معززا بعشرات الأنصار من السكان المحليين.

خلال فترة كمونهم، من 25 يناير إلى 3 مارس 1973 (37 يوما)، عملت المجموعة المتسللة من الجزائر، بمساعدة أعضاء التنظيم في المنطقة الشرقية، على توزيع أنفسهم ضمن أربع قواعد أساسية، وصنع كميات مختلفة من القنابل ذات الصنع المحلي، وكتابة المنشورات الداعية للثورة وسط السكان، واستطلاع المواقع التي يمكن مهاجمتها، وتدريب بعض الأعضاء على الأسلحة التي سلمت إليهم.

 

كانت هذه أبرز مراحل التسلل للمغرب، والشروع في الإعداد للانتفاضة، التي سنتوقف في الجزء الثالث عند اندلاع شرارتها.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات