القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

عيسى بن عمر … الحجاج

 
تهدف هذه الحلقات إلى إعادة النظر في ما كتب وروي عن القائد عيسى بن عمر، وتصحيح تلك الصورة المغلوطة التي ظلت لصيقة به رغم وفاته منذ أزيد من قرن من الزمن،  أي أنه ذلك المتعطش للدماء، والذي بلغ به جبروته إلى البطش بامرأة لم يتقبل تحديها له وهجائه في قصائد انتشرت كالنار في كل أرجاء المغرب. يرى باحثون درسوا بشكل علمي حياة القائد أنه اضطر لهذا الأمر، لما شهده المغرب من فوضى وأحداث في نهاية القرن 19، إذ صار مضطرا إلى التعامل بحزم، يضاهي ما عرف عن الحجاج بن يوسف الثقافي، لحماية منطقته والنظام السياسي للدولة وقتها، بل يؤكدون، أنه ما خاض حربا إلا وسلك نهج السلم والتفاوض قبل أن يتورط في سفك الدماء. تعتمد هذه الحلقات على مؤلفين الأول لمصطفى فنيتير بعنوان “عيسى بن عمر” والثاني  لإبراهيم كريدية يحمل اسم “القائد عيسى بن عمر وثور ة أولاد زايد وواقعة الرفسة”، مع روايات شفوية لأبناء منطقة عبدة، وذلك للتعريف بالقائد وحياته، وكيفية وصوله إلى القيادة ومنها إلى منصب وزير البحرية (الخارجية)، قبل أن يتنكر له الجميع، منهم أبناؤه، ويموت وحيدا في منفاه بسلا.

عائلـة القيـاد


ترتبط قيادة قبائل البحاثرة بمنطقة عبدة، بأسرة عيسى بن عمر العبدي، فهم أول من استأثر بقيادتها، التي توالى في عدد من أفرادها، طيلة فترة ما قبل الحماية. وكان لهم دور كبير على مجريات الأحداث المحلية، ليس فقط داخل قيادة البحاثرة، بل امتد ليشمل كل قبائل عبدة.
أول قائد من عائلة عيسى بن عمر كان عمه أحمد بنعيسى، الذي حظي بمنصب قائد على البحاثرة في 1847 وإلى حدود 1854، أي بعد ثلاث سنوات على ولادة القائد عيسى بن عمر في 1844.
لا توجد معلومات كافية عن أصل هذا القائد، ولا أسرته، حسب عدد من الباحثين في سيرة هذه العائلة، اللهم بعض الروايات الشفهية، التي أرجعت أصل أسرة القائد إلى الصحراء، خصوصا الساقية الحمراء، التي رحلت عنها قبل أن تستقر أول مرة بقبيلة الثمرة، وهي إحدى فروع قبيلة البحاثرة، فيها أسس الجد عيسى بن موسى قصبة، وأطلق على عائلته اسم أسرة بن عيسى.
للجد عيسى ثلاثة أبناء وهم أحمد وامحمد وعمر، اشتغلوا في البداية بالتجارة مع الأجانب ما ساهم في ثرائهم، وتميز أسرتهم، وهو ما أهل أحمد بنعيسى لتولي مشيخة فخذة الثمرة، ما فتح له الباب لتولي قيادة قبيلة البحاثرة لأول مرة.
كشفت النصوص التاريخية،  أن تولية أحمد بنعيسى قيادة البحاثرة كانت في عهد السلطان المولى عبد الرحمان، بعد تقسيمه لقيادات عبدة، بعد أن كانت مركزة في يد عدد محدود من القياد.
نجح القائد أحمد بنعيسى في توسيع أملاك العائلة وثروتها، ودامت ولايته على قبيلة البحاثرة سبع سنين، وبعد وفاته، تولاها ابن أخيه محمد بن عمر بن عيسى 1854.
من حسن صدف، أن ولاية محمد بن عمر جاءت في فترة المولى عبد الرحمان، الذي آمن أن بقاء القائد لفترة طويلة في تدبير أمور مناطق نفوذه، يزيد من استقرار الدولة وهيبتها على نقيض عمه المولى سليمان، الذي أكثر العزل في حق القياد والعمال، بعد أن اعتبرهم رموز الظلم، إذ يكفي شكاية واحدة أن تتسبب في عزلهم.
كما تأتي هذه الولاية، بعد سنوات على معركة ايسلي التي انهزم فيها المغاربة بعد قرنين من الانتصار التاريخي في وادي المخازن، ليفقد المغرب هيبته وقوته العسكرية ويصبح مطمح الأطماع الأجنبية، الأمر الذي دفع السلطان مولاي عبد الرحمان إلى تفويض القياد صلاحيات تسيير شبه مطلقة لمناطقهم، للتفرغ لمواجهة الأطماع الأجنبية.
هذه العوامل، دفعت القائد محمد بن عمر إلى ترسيخ نفوذه الكبير على قبائل البحاثرة، لدرجة أن قبائل عبدة شهدت هدوءا واستقرار، غير معهودين، ولتأكيد نفوذ القائد الجديد على قبيلته ومناطق نفوذه، أشرف على عملية بيع ممتلكات الدولة سيما العقارات، وقبض ثمنها نيابة عن بيت مال المسلمين.
إلا أن الحضور الوازن  للقائد محمد بن عمر في المشهد المخزني، سيكون مع السلطان الحسن الأول،  إذ سيصير من المقربين والمعتمد عليهم في العديد من القضايا التي تهم قبائل عبدة وجوارها.
كانت البداية بإخماد تمرد قبيلة لحمر على قائدها لهنا الحمري،  إذ تزعم “حركة” رفقة شقيقه عيسى بن عمر، الذي كلف بمهمة محاصرة قبيلة لحمر على أن يتوجه القائد إلى مراكش ولقاء أعيان القبيلة المتمردة، فنجح في إعادة القبيلة إلى طاعة قائدها، ما جلب له تقدير واحترام السلطان الحسن الأول.
نجح القائد محمد بن عمر في نقش اسمه كأحد كبار قواد السلطان الحسن الأول، بفضل ذكائه وحنكته، ما جعله من أغنى قياد المغرب، إذ تحدثت نصوص تاريخية عن حجم التركة التي خلفها القائد لشقيقه عيسى بنعمر بعد وفاته، والتي ضمت مختلف أنواع المنقولات والحلي الفاخرة ، لدرجة أن السلطان الحسن الأول تسلم نصيبا كبيرا منها بعد تعيين عيسى بن عمر خلفا له.
يعترف الباحثون في سيرة القائد عيسى بن عمر عدم الإلمام بالحياة الأولى  لهذا القائد، اللهم أنه ولد في 1842، وأن شقيقه القائد محمد بن عمر من تولى تربيته ورعايته وتعليمه وحرصه على تلقينه مبادئ القراءة والكتابة وأصول الدين والشريعة، وإن لم يتضلع فيها بشكل كبير.
كان أول احتكاك لعيسى بن عمر مع أمور القيادة وهو في ريعان شبابه، أي في عمر لا يتجاوز 21 سنة، عندما كان يستخلف شقيقه القائد على أمر القبائل أثناء غيابه لأسباب غالبا ما ترتبط بتعليمات السلطان الحسن الأول بالمشاركة في “الحركات”.
يجمع الباحثون أن عيسى بن عمر رغم صغر سنه أبان عن نضج وكفاءة كبيرين في تسيير أمور القبيلة، ونجح أن يكون المستشار الوحيد والأوحد لشقيقه، الذي بطبيعة الحال، استعان برجال كثر في هذه المهمة دون أن يقتنع بأدائهم، سيما أنه تولى أمر قيادة البحاثرة وشقيقه عيسى لم يتجاوز عمر 14 سنة.
تطرق كتاب “عيسى بن عمر” للأستاذ مصطفى فنيتير، عن واقعة دفعت عيسى بن عمر إلى مقاطعة كل أشكال السهرات والمجون والترف، والتركيز على أمر القيادة، وهي واقعة سردها عيسى بنعمر شخصيا جاءت في مؤلف للراحل العلامة المختار السوسي.
يعترف القائد أنه نسج علاقة مع “شيخة” لصغر سنه وطيشه، وكان رفقة شاب يرافقانها إلى غار يبعد عن مقر القيادة، حتى لا يعلم بهما أحد، وداخل الغار يقضون لحظات في اللهو والغناء، إلا أن أمره سيفتضح، إذ في مناسبة سيسافر شقيقه القائد محمد ويخلفه على أمر القيادة، وبعد أن رافقه رفقة أعيان القبيلة إلى منطقة قريبة من القبيلة لتوديعه، استفرد به ووبخه على سلوكه، لدرجة أن عيسى بن عمر شعر بحرج كبير  وتمنى لو أن الأرض ابتلعته على أن يسمع كلام شقيقه، فكانت هذه الواقعة آخر آخر عهد له بعالم المجون، فكرس نفسه لمرحلة الجد والتمرس على مواجهة المهام الصعبة.

القبائل الثائرة


نجح القائد عيسى بن عمر في فرض اسمه خليفة قويا لشقيقه القائد محمد، لدرجة أنه أوكلت إليه مهام جسيمة، منها شن عمليات عسكرية ضد قبائل ثائرة بمنطقة عبدة ومحاصرتها إلى أن تعلن ولائها للسلطة المخزنية، وهي المهام التي نفذها بنجاح تام، ما جعله يحظى بشرف ترؤس الفرسان الذين تقدمهم قبيلة البحاثرة للخدمة السلطانية بالقصبة المنشية بمراكش، والتي كان يتسعين بها السلطان الحسن الأول في القيام بمحلاته ضد القابل الثائرة ضد السلطة المركزية. خلال مرض شقيقه، ستتعرض قيادة البحاثرة لتهديد كبير من قبل قائد قبيلة “الربيعة” أحمد بنعياشي، الذي استغل غياب القائد محمد بن عمر بسبب المرض للحضور بالعاصمة فاس في إحدى المناسبات الدينية، في 1879، واشترى القيادة، التي كانت أمرا شائعا في تلك الفترة من الصدر الأعظم وقتها، الذي أقنع السلطان بالأمر، مقابل مبلغ مالي كبير ونصيب مهم من ثروة القائد محمد بن عمر بعد تجريده منها.
بلغ الخبر للقائد محمد بنعمر، الذي أرسل شقيقه على عجل إلى فاس، واستغل ذكاءه وعلاقته بالأجهزة العليا داخل المخزن المركزي، ونجح في إقناع الصدر الأعظم بشراء قيادة العياشي، بعد أن قدم ضعف المبلغ الذي قدمه الأخير، وهو ما وافق عليه السلطان الحسن الأول.
تعد الفترة التي شارك فيها القائد عيسى شقيقه أمر قبيلة البحاثرة، مدرسة حقيقية لتولي زمام الأمور من بعده، إذ تعلم الكثير من الأصول والتقاليد المخزنية، وتمرس على المهام الصعبة داخل القبيلة، ما رشحه أن يكون الخليفة الوحيد لشقيقه بعد وفاته، ويحظى بثقة السلطان الحسن الأول، ويتحول إلى أحد أعمدة المخزن، سيما في عهد السلطان المولى عبد العزيز.
مصطفى لطفي
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات