القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

الوساطات بين الجزائر والمغرب فشلت قبل أن تبدأ

 

IMG_87461-1300x866

ما المحدد الأساسي لنجاح الوساطات أو فشلها؟ هل ثقة الأطراف بالوسيط؟ أم قدرة الأخير على جعلها ترضى وتقبل بالجلوس إلى طاولة التفاوض؟ في حالة الجزائر والمغرب يواجه الوسطاء الإقليميون، وربما الدوليون أيضا مأزقا إضافيا، وهو عدم وجود حافز قوي يمكن أن يدفع البلدين لأن يقدما لبعضهما بعضاً تنازلات متبادلة، تجعل فرص نجاح الوساطة بينهما وافرة.



لكن من يملك القدرة على الحفر طويلا في صخرة العناد المغربي الجزائري، وإقناع الغريمين بأن لا سبيل لهما غير اللقاء والحوار؟ قد يكون المعني بفعل ذلك هو من يمكن أن ينعكس استمرار التوتر بينهما سلبيا عليه. ولا أحد في المنطقة المغاربية ينطبق عليه ذلك غير موريتانيا. فليبيا التي يتنافس البلدان ومنذ شهور على استضافة جولات التفاوض بين فرقائها، تبدو بعيدة نسبيا عن شظايا خلافاتهما، رغم أنها تشعر، بلا شك، بالحرج من ذلك الوضع، وتحاول ما استطاعت مسك العصا من الوسط، من خلال مطالبتهما معا «بضبط النفس وعدم التصعيد والتمسك بالمبادئ والأهداف المشتركة، التي أسس من أجلها اتحاد المغرب العربي خدمة لتطلعات شعوبنا» ودعوتهما للاجتماع، على هامش اجتماعات الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية، من السابع إلى التاسع من الشهر الجاري حسب بيان خارجيتها.



أما تونس فإن صمتها الرسمي يحمل في طياته معنى واحداً، هو أنها تتبنى بشكل تام وجهة النظر الجزائرية، وتنحاز لموقف جارتها الشرقية، غير أن السؤال هنا هو، هل أن نواكشوط التي عبّرت عن قلقها لتدهور علاقات جارتيها ووصولها إلى مرحلة القطيعة الدبلوماسية، وألمح وزير خارجيتها في مؤتمر صحافي عقده الخميس قبل الماضي، إلى أنها بدأت وساطة بينهما، حينما قال «أعلم أن الجميع وعن حسن نية يسألنا: أين أنتم؟ ولماذا لم تتحركوا؟ وأنا أقول إن هذا الصنف من القضايا يدار بحكمة وبقدر من السرية لكي يتم التوصل فيه إلى نتيجة» ستقدر فعلا على القيام بمفردها بذلك الدور؟ إن عوامل عديدة تجعل الأمر فوق طاقة الموريتانيين، ومع إن افتتاحية مجلة «الجيش الجزائري» وصفت قرار قطع العلاقات في عددها الاخير بـ»الحاسم والحازم» وقال عنه رئيس مجلس مجلة «الأمة» الجزائري صالح قوجيل بأنه كان «ضروريا وواجبا في الوقت نفسه» فإن ذلك التأكيد ليس قرآنا منزلا، وسيكون قابلا وبلا شك بتغير الظرف، للمراجعة. وربما كان من المفهوم أن لا يضع الجزائريون الآن، وفي فورة حماسهم وغضبهم وعلى جدول أعمالهم فرضية حصوله، لكن ألن يكون الجزم بأن لا يكون لتلك الفرضية أي حظ على الإطلاق في أن تحقق غدا لعناً مبكرا ومتسرعا للمستقبل؟



مهما كانت الدوافع التي جعلت مسؤولا جزائريا ساميا يخرج الجمعة الماضية ليقول لموقع «سبوتنيك» الروسي، إن العودة إلى الوضع السابق لما قبل تاريخ 24 أغسطس الماضي، أي الإعلان عن قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب «مستبعدة تماما في الوقت الحاضر وفي المستقبل» وإن «الجزائر ليست مستعدة لتكرار سيناريو يوليو 1988 الذي سمح للبلدين بإعادة العلاقات بينهما بعد 12 عاما من قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما» فإن تصريحه لا يعني أن الباب قد أوصد تماما ونهائيا أمام المحاولات التي انطلقت بالفعل، مثل محاولة الموريتانيين، أو تلك التي على وشك أن تطلق في الأيام المقبلة للوساطة، أو تقريب وجهات النظر بين الجارتين المغاربيتين. لكن السؤال هنا هو هل البلدان مستعدان ومهيئان في هذه المرحلة على الأقل للقبول، ولو مبدئيا، بفكرة التفاوض المباشر، أو حتى غير المباشر للوصول إلى حل؟ وهل إنهما يقبلان بالفعل بأي جهد أو مسعى إقليمي أو دولي لرأب الصدع بينهما؟ بغض النظر عن حجج الجزائر، وعن لائحة اتهاماتها الطويلة لجارتها الغربية، بأنها وحدها من تتحمل مسؤولية القطيعة، فإن دائرة الشروط الجزائرية لفتح صفحة جديدة مع الرباط قد توسعت وبشكل ملحوظ، ولم تعد تقتصر فقط، كما كان الأمر، ربما في فترة سابقة على بعض المطالب أو القضايا الثنائية فحسب، بعد أن دخلت إسرائيل على الخط. فالربط بين من تصفهم بالعدوين «الإسرائيلي والمغربي» والجمع بينهما في تصريحات ومواقف المسؤولين الجزائريين، بات يتكرر بشكل مستمر، منذ أن أعلنت الرباط أواخر العام الماضي عن استئناف علاقاتها بالكيان الصهيوني، إذ لم يتأخر في ذلك الوقت رئيس الوزراء الجزائري السابق عبد العزيز جراد في أن يقول، إن الهدف من وراء ذلك الاتفاق، هو ضرب استقرار بلاده، لكن هل يمكن أن يعني ذلك أن الجزائر باتت تضع الآن شرطا مسبقا أمام استئناف علاقتها بالمغرب وهو أن يقطع الأخير علاقته بإسرائيل؟



لا شك في أن المغرب يدرك تماما ما الذي يمكن أن يؤول إليه أي قبول بذلك، وما الذي يمكن أن ينجر عن قرار مثل ذلك من عواقب وانعكاسات مباشرة على ما يعتبره ملفا مصيريا بالنسبة له، وهو استكمال سيادته على كامل ترابه. ولا شك في أن التركيز المفرط من الجانب الجزائري على جمع الطرفين، أي الرباط وتل أبيب في سلة واحدة، يعطي الانطباع القوي بأن استئناف العلاقات الجزائرية المغربية يبقى في نظر الجزائر مرتبطا وبدرجة كبرى بفك ارتباط المغرب بإسرائيل، لكن المغاربة يخوضون حربا ضد الوقت، ويعلمون أن حسما سريعا وخاطفا في ملف الصحراء سوف ينزع من الجزائريين أقوى ورقة ضغط يملكونها، وهم يدركون أن كسب الدعم الإقليمي والدولي لأطروحتهم بالحكم الذاتي للصحراء، كحل نهائي وتوافقي للمشكل، سيدفع الجزائريين عاجلا ام آجلا للتخلي عن تصلبهم، كما أن أي تقدم سيحققونه على ذلك الصعيد سينعكس وبشكل مباشر على علاقتهم بجارتهم. وهم ينظرون للمسألة أيضا من أكثر من زاوية بما فيها تطلعهم لإعادة ترتيب علاقاتهم داخل الإقليم، بعد كل التطورات التي حصلت في أعقاب أزمة استضافة مدريد لزعيم البوليساريو. وليس مؤكدا بالمثل أن الرباط ترغب هي الأخرى في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتتطلع لاستئناف العلاقات الدبلوماسية مع جارتها الشرقية بأي ثمن، أو بالشكل الذي كانت عليه قبل الرابع والعشرين من الشهر الماضي. أما من يمكنه إقناع الجانبين بضرورة تقديم تنازلات متبادلة لبعضهما بعضاً والجلوس إلى طاولة حوار مفتوح؟ فلن يكون صدق نوايا الموريتانيين وحده كافيا للوصول لذلك. ولأنه ليس ممكنا حسم الأمور عربيا مثلما حصل بعد قطيعة 1976 أو من داخل البيت المغاربي المتصدع أصلا، فإن جهود نواكشوط لا بد أن تتعاضد وتتقاطع مع مساعي باقي الأطراف الإقليمية والدولية في ذلك الاتجاه. يبقى هل باستطاعة تصريح من هنا أو هناك أن ينسف تلك الجهود، أو يحكم عليها باكرا بالفشل الذريع؟ ما تدل عليه التجارب أن نجاح الوساطات يتطلب في أحيان كثيرة من الوسطاء أن يمتلكوا مهارات ليس أقلها صم آذانهم عن القيل والقال، والتقاط أي خيط أمل ولو كان ضعيفا وواهنا.



نزار بولحية

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات