القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

مصطفى خزار قاتل بن جلون: الاغتيال كان مناسبة للتخلص من قيادة التيار الإسلامي

 مصطفى خزار قاتل اليساري المغربي بن جلون: الاغتيال كان مناسبة للتخلص من قيادة التيار الإسلامي

 

 

حاتم البطيوي
صباح يوم الجمعة 18 ديسمبر (كانون الاول) عام 1975، توجه شابان مغربيان في بداية عقدهما الثاني هما مصطفى خزار وسعد احمد، الى الحي الذي يوجد فيه منزل عمر بن جلون، القيادي البارز في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وقبعا ينتظران خروجه، ولما اهل بن جلون بادلاه اطراف الحديث، وبعد نقاش تحول الى مشادات دامت ربع ساعة تقريبا سقط بن جلون بعد ان طعنه خزار بمبرغ طعنة قاتلة يتمت اطفالا، وحزبا كان يستعد لخوض معركة سياسية جديدة في مغرب جديد.

غيبت الطعنة القاتلة وجها بارزا كان منتظرا ان يكون لاعبا أساسيا في مرحلة الانفتاح السياسي، الذي قاده الملك الراحل الحسن الثاني، بعد تنظيم المسيرة الخضراء، واسترجاع الصحراء من الاستعمار الإسباني، وهو الانفتاح الذي اصطلح عليه في المغرب بـ«انطلاق المسلسل الديمقراطي». لعب عمر دورا محوريا في صياغة التقرير المذهبي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي شكل قطيعة فكرية مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وهو التقرير الذي انتقل بموجبه الحزب من تبني الخيار الثوري الى تبني ما سماه «النضال الديمقراطي». كان المغرب بالفعل يخطو باتجاه مغاير لحالة الالتباس والتصادم التي ميزت سنوات ما بعد الاستقلال. وفي مقابل ذلك كان هناك من يتربص عند مفترق الطرق للإجهاز على المسلسل ورموزه. مات عمر.. مات أمل الحزب ونجمه الصاعد. سال مداد الصحف كثيرا.. وزاد الاحتقان رغم بزوغ شمس الانفتاح. شارك الاتحاد الاشتراكي في انتخابات 3 يونيو (حزيران) 1977. واصل النضال في صفوف المعارضة وفي قلب مناضليه غصة غياب عمر وفقده. ما اشبه اليوم بالامس.. كان يوما حزينا وكئيبا زادته أجواء طنجة الملبدة بالغيوم كآبة، يوم سمعت من والدي خبر اغتيال عمر، وعمري وقتذاك تسع سنوات. آنذاك لم يخطر ببالي قط انني سألتقي قاتل عمر في يوم غائم، بعد مرور 29 سنة. اعتقدته انسانا جبارا.. فوجدته هزيلا نحيفا يمشي بصعوبة ويتحرك بشق الأنفس، ولولا العكاز الطبي لعُدّ من المشلولين.

كان سبب اللقاء به، قيام «الشرق الأوسط» بنشر الوثيقة (الرسالة)، التي بعث بها سبعة من المتورطين في عملية اغتيال عمر بن جلون، الى عائلة الضحية، قبل 17 سنة، وهي الوثيقة التي اعترف فيها المتورطون لاول مرة بانهم تلقوا تعليمات من عبد الكريم مطيع، زعيم منظمة الشبيبة الاسلامية المحظورة تقضي بتصفية بن جلون باعتباره من اكبر المناوئين للأصوليين في المغرب.

اتصل خزار هاتفيا بـ«الشرق الاوسط» نافيا ما تضمنته الوثيقة من اتهام للشبيبة الاسلامية، مشددا على انه بصفته مرتكب عملية الاغتيال، فانه إذن يبرئها من دم عمر، بل ويعتذر لها عما طالها وباقي الحركة الاسلامية من ضرر نتيجة اقحام الدولة لها في القضية، بسبب فعلته.

بعد ذلك، زار خزار مكتب «الشرق الأوسط»، فكان معه الحوار التالي الذي رفض فيه الاعتذار لعائلة بن جلون.. ولم يتزحزح عن موقفه هذا قيد أنملة، لانه يخشى ان يُستَغل اعتذاره سياسيا، ويُفهم منه ما يُفهم.. وهذا موقف لا يؤشر إلا على قساوة قلبه رغم سنوات السجن الطويلة.

* ما قولك في الرسالة (الوثيقة) التي أرسلها سبعة من المعتقلين على ذمة قضية اغتيال عمر بن جلون؟

ـ أنا لم أوقع الوثيقة، وما جاء فيها ليس صحيحا، ذلك انني لا أعرف عبد الكريم مطيع، او كمال ابراهيم، ولم يسبق لي ان التقيت بهما. وتصريحاتي امام الشرطة القضائية وقاضي التحقيق لم يرد فيها شيء من هذا القبيل.

* لكن سعد احمد الذي شاركك في جريمة اغتيال بن جلون، اتهم في الوثيقة الشبيبة الاسلامية بالوقوف وراء الاغتيال، فهو شخص متورط معك؟

ـ أنت تتحدث عن الاخ سعد. انا الذي امامك اسمي مصطفى خزار، المتهم الرئيسي في القضية، وأنا هنا أنفي نفيا مطلقا ما جاء في الوثيقة، وأبرئ الشبيبة الاسلامية مما نسب اليها. والاخ سعد نفسه تراجع عن ذلك الاتهام في تصريحات صحافية، وتراجع عما سبق ان قاله.

* وما هي في نظرك الاسباب التي جعلته يتراجع عما سبق له الإدلاء به؟

ـ ان للسجن بعض الضغوط، والانسان احيانا يبحث عن غطاء ما للخروج منه.

* لكن الرسالة أرسلت الى عائلة بن جلون وقتها؟

ـ اولا، انا لم يكن في علمي انها ارسلت ام لا. ثانيا، انا هو المتهم الرئيسي في القضية، وتصريحاتي سواء لدى الضابطة القضائية (الشرطة القضائية) او لدى قاضي التحقيق او تصريحاتي الصحافية، كلها تؤكد ان الشبيبة الاسلامية ليس لديها اية علاقة باغتيال بن جلون، بل اكثر من ذلك، واكرر القول، وانا أتحدث معك بتحرر من اي ضغوط، وانت تنظر الى حالي، لا أقوى على الحركة، وامشي بمساعدة عكاز، ومريض نتيجة اضرابات عن الطعام قمت بها اثناء سنوات سجني، اقول ان الدولة هي التي ارادت ان تقحم بشكل او بآخر الشبيبة الاسلامية في القضية. باعتبارها تيارا اسلاميا وحركة اسلامية لديها منظور جديد لإسلام شمولي، وخاصة قيادتها المتمثلة في عبد الكريم مطيع، ونائبه كمال ابراهيم. فعملية اغتيال بن جلون جاءت في ظروف ملائمة لها، فالأمر يتعلق بقيادي في اليسار هو عمر بن جلون قضى نحبه، وهي مناسبة للتخلص ايضا من قيادة التيار الاسلامي التي بدأت تظهر على الساحة السياسية. فالدولة اذن ضربت عصفورين بحجر واحد.

* بما انك تتهم الدولة بانها ضربت عصفورين بحجر واحد ألا ترى انك قدمت خدمة للدولة من خلال ضرب احد هذين العصفورين بقتلك لابن جلون؟

ـ انا لا أقول انني قدمت خدمة للدولة. كما انني والاخ سعد لم نتوجه الى عمر بن جلون بنية قتله بل من اجل تقديم النصيحة له.

* ما هي طبيعة هذه النصيحة؟

ـ أن يكف عن نشر ما كان يكتبه في صحيفة «المحرر»، ذلك ان توجهه كان مخالفا للاسلام. كان هناك الاتحاد الوطني للقوات الشعبية فتحول الى الاتحاد الاشتراكي من خلال التقرير المذهبي للحزب، فاذا به يتبنى الاشتراكية السوفياتية والاوروبية بشكل واضح. فهذه مسائل غريبة في بلد مسلم مثل المغرب.

* لكن يبقى لكل انسان الحق في تبني الافكار التي يقتنع بها؟

ـ انا متفق معك، لكل واحد الحق في ان تكون له افكاره، ولا إكراه في الدين. واكرر القول انني والاخ سعد توجهنا الى بن جلون لنصحه وليس للأضرار به، فتطورت الامور الى ما تطورت اليه. أما لو كان القصد، كما يشاع ويقال، باننا اردنا اغتياله، لتم الامر بطريقة اخرى وبوسائل اخرى. ولو كانت تقف وراء القضية حركة سياسية او الدولة لأخذت الامور مجرًى آخرَ. وهنا اتساءل كيف تمت عملية اختطاف واعتقال المهدي بنبركة؟ وهي عملية لا يعرف الشعب خباياها. فالدولة لها وسائلها الخاصة للقيام بذلك. فكيف لهذه الاخيرة ان تدفعني لارتكاب ما قمت به، وتعتقلني مدة 27 سنة دون ان توفر لي ولزملائي حتى المطالب الأساسية للتغذية في السجن، إذ لم نكن نتوفر عليها، وحالتي الصحية شاهدة على ذلك. فقد اصبت بالشلل، وسقطت اسناني، وقل نظري وسمعي، واصاب قلبي الوهن، فكيف يعقل ان يحرم هؤلاء الذين دفعتهم الدولة لارتكاب ما ارتكبوه، من ابسط متطلبات الحياة داخل السجن، ذلك اننا لم نتمتع ببعض الحقوق الا عندما توفي احد اخواننا في السجن واسمه عبد المجيد خشان، بعد ان أضرب عن الطعام.

* انت قتلت عمر بن جلون وتعترف بذلك، فهل تعتبر نفسك مجرما؟

ـ لا، يكفي ان بعض المنظمات اعتبرتنا معتقلين سياسيين، فما هو المعتقل السياسي؟ هو الشخص الذي يريد ان يصل الى هدف بفكرة او منظور او رؤية، فنحن لم نتوجه الى بن جلون من اجل سرقته او ابتزازه، فهناك تصارع في الأفكار، واختلاف في التوجهات العقيدية والمذهبية.

* لكن هناك قتل في نهاية الامر؟

ـ ولو، لكن ما هو الدافع؟ لانه (القتل) نتيجة لأسباب ودوافع، إذن ما هي دوافع هذا القتل التي أوصلتنا الى هذه النتيجة.

* لكن الاختلاف في الرأي ليس مبررا لقتل من تختلف معه؟

ـ انا اعيد واكرر القول انه لم يكن في نيتنا قتل بن جلون. ذهبنا اليه من اجل نصيحته، فاذا بالامور تتطور.

*حينما التقيتم عمر لأول وهلة ماذا قلتم له؟

ـ تحدثنا معه بخصوص ما كان ينشر في صحيفة «المحرر»، فاذا به يثور ويرغد ويزبد.. فوقع ما وقع.

* كم استمرت مدة الحديث والجدل الذي دار بينكم؟

ـ تقريبا ربع ساعة.

* وهل شاهد الناس ما جرى بينكم؟

ـ بن جلون كان يسكن في منطقة بالدار البيضاء تقل فيها حركة الناس، وحينما توجهنا اليه لم تكن هناك حركة بالفعل.

* قبل توجهكم الى بن جلون اكيد وضعتما تخطيطا معينا وحددتما وقتا معينا لذلك؟

ـ لم يكن هناك تخطيط، ولم تكن هناك دراسة، لان العملية تمت بشكل بسيط جدا، فنحن اناس لنا رؤية اسلامية وتصور اسلامي. رأينا ان هناك اشياء غير عادية وخارجة عن الطريق الصحيح فأردنا تقديم النصيحة للرجل وابلاغه ان ما ينشر في «المحرر» يخالف الاسلام. على هذا الاساس توجهنا الى بن جلون. ان الامر شبيه بمرور اي شخص في الشارع فيلاحظ وجود اشياء غير مستقيمة يقوم بها البعض، فيتوجه اليهم بالنصح لـ«إن الدين النصيحة»، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام.

* الدين النصيحة وليس قتلا؟

ـ اكرر القول للمرة التريليون لم يكن في نيتنا قتل بن جلون.

* لكن كانت هناك اداة لارتكاب هذه الجريمة؟

ـ كان هناك مبرغ، اخذته من سيارة عمر، فنحن لم نتوجه اليه مسلحين.

* بالنسبة للمعتقلين الستة الآخرين، هل شاركوا في عملية الاغتيال أم حشروا في القضية؟

ـ الدولة ارادت ان تبرز ان هناك مجموعة او خلية فَحُشِروا في القضية.

* معنى هذا انه لم تكن لديك اي علاقة او اتصال بهم؟

ـ البعض منهم درس معي.. ولكن ليست لهم اي علاقة بقضية بن جلون. انما الدولة ارادت ان تضخم القضية، وتؤكد ان هناك جماعة او خلية حتى تعطي المصداقية لطروحاتها.

* إذن المعتقلون الستة في قضية بن جلون أقحموا في القضية ودفعوا ثمن جريمة ارتكبتها انت؟

ـ بالفعل.

*هل انت نادم على ارتكاب جريمة قتل بن جلون؟

ـ ما وقع وقع، ولم يكن في نيتي فعل ما فعلته، حتى انني فوجئت، ولكنني أومن بقدر الله، اذ وقع ما وقع، وقضيت بسبب ذلك عقوبة.

* إذن، انت لست نادما على اغتيال بن جلون؟

ـ لم اقل انني نادم. لقد قلت لك انني فوجئت بما وقع.

* المسألة بالنسبة لك مجرد قضاء وقدر؟

ـ نعم.

* ألا يؤنبك ضميرك انك بعملك هذا رملت زوجة ويتمت أطفالا وتركت أما مكلومة؟

ـ هذا قضاء الله، لان بن جلون كان ربما سيموت في حادثة سير. فقدره ان يموت في ذلك الوقت وبالطريقة التي مات بها، فكلنا سنموت بشكل او آخر.

* المفارقة انك اعترفت بارتكابك الجريمة، ولكن ليست لديك القدرة على القول إنك نادم او على الاقل تقديم اعتذار لعائلة بن جلون؟

ـ يجب ان اعتذر للحركة الاسلامية بكل فصائلها لأنها هي التي اصيبت بضرر من جراء مقتل بن جلون. واصبحت قضية مقتله سيف دمقليس المسلط عليها، واصبحت الحركة الاسلامية متهمة بالتطرف والإرهاب ولا تؤمن بالتعايش والديمقراطية وغير ذلك من المغالطات. والآن أجدد اعتذاري للحركة الاسلامية بعموم فصائلها سواء الشبيبة الاسلامية، او التوحيد والإصلاح، او العدل والإحسان، او البديل الحضاري، لانهم هم الذين أصابهم الضرر بما قمت به.

* لماذا أنت مُصِرّ على عدم الاعتذار لعائلة بن جلون؟

ـ لماذ اعتذر؟ لقد قلت لك ان ما وقع لم يكن في نيتي القيام به.

* لم يكن في نيتك هذا شيء آخر، ولكنك يتمت أطفالا ورملت زوجة وتركت اما مكلومة؟

ـ وقع الذي وقع، والأمر أمر الله. فانا لو اعتذر للعائلة سيعتبر ان هناك شيئا ما، وهذا الجانب أنا أتحوط منه.

* حينما خرجت من السجن ألم تتصل بعائلة بن جلون؟

ـ لا أبدا.

* ألا تخشى من انتقام أحد افراد العائلة؟

ـ لقد قلت لك إن الأقدار بيد الله. اذا كان مكتوبا لي ان اموت بطريقة ما، فلن يحول بيني وبين ذلك أي شيء، وأينما ذهبت، واذا كنت سأموت مقتولا فذلك قدر الله.

* كلنا سنموت، ولكن ألا تخشى الانتقام؟

ـ انا رجل سلمت امري لله.

* هل تقرأ صحيفة «الاتحاد الاشتراكي»؟

ـ نعم، أقرأها في بعض الأحيان.

* حينما تقرأ الصحيفة وتنظر الى صورة بن جلون الدائمة النشر في الصفحة الاولى، ما هو الاحساس الذي ينتابك؟

ـ احساس عادي. لقد مرت 29 سنة على رحيله.

* معنى ذلك انها لا تحرك فيك اي ساكن؟

ـ المسألة اصبحت عادية. كان هناك شيء من هذا القبيل في البداية، على الرغم من أنني لم أكن أرغب في حدوث ما حدث.

* اصبحت متعايشا مع الأمر الواقع؟

ـ نعم.

* في الوثيقة التي نشرتها «الشرق الاوسط»، قالت المجموعة التي وقعتها، انه كان هناك اعتقاد ان بن جلون سيضيق الخناق على التيار الاسلامي. كيف كنتم تنظرون الى طبيعة تضييق هذا الخناق؟

ـ التيار الاسلامي هو وليد العقيدة الاسلامية، وهذه الاخيرة مصدرها الله تعالى ورسوله. إذن هي في حد ذاتها منصورة من قبل الله، وانت ترى الآن التوجهات الاسلامية تنتشر على مستوى العالم والعالم الاسلامي، وبالتالي لا أظن ان قوة سياسية كيفما كان نوعها، يمكنها ان تقف امام الاسلام لأن الشعب المغربي شعب مسلم، والدول التي تعاقبت على حكم المغرب كلها قامت على اساس الاسلام، حتى المقاومة في حد ذاتها كانت منطلقاتها الاولى اسلامية. ولنأخذ البطل عبد الكريم الخطابي، فهو انطلق في مقاومته للاستعمار في منطقة الريف من منطلقات اسلامية، ونفس الامر بالنسبة لموحا حمو الزياني وغيره.

* تقول الوثيقة إن عبد الكريم مطيع، امر عبد العزيز النعماني بتشكيل خلية لاغتيال بن جلون وان اجتماع الخلية عقد في منزلك؟

ـ ابحث في ملفي القضائي وستجد ان مثل هذا الكلام غير موجود البتة، ورغم التعذيب الذي تعرضت له، لم أقل قط ان عبد الكريم مطيع، او كمال ابراهيم، زاراني في منزلي، فلو كنت اعرفهما لكان ذلك شرف عظيم وكبير بالنسبة إلي، لأنني لا أعرفهما. والقول إني اعرفهما مثل القول إنني اعرف حسن البنا، او عبد الكريم الخطابي، ولكن للأسف لم التق بهم جميعا.

* الرسالة (الوثيقة) تقول ايضا انكم كنتم تعتزمون ايضا الاعتداء على استاذ اسمه عبد الرحيم الميتاوي، فهل كنت تفكر ايضا في الذهاب اليه لتقديم النصح؟

ـ هذه اشياء لا اساس لها من الصحة. فالقضية فقط هي قضية بن جلون.

* المفارقة الكبرى في وضعيتك هو انك ارتكبت جريمة وخرجت من السجن بعفو ملكي، وتطالب ايضا بتعويض عن فترة السجن مثلك مثل اي معتقل سياسي. ألا تخجل من نفسك؟

ـ دعني اسألك يا أخي. ألا تعتبر انني كنت معتقلا سياسيا؟

* إننا أمام جريمة قتل؟

ـ ولو. انها تمت بدوافع سياسية وعقيدية وفكرية، وليس بدوافع مالية في حد ذاتها. يجب تناول الأمر من هذا المنظور، بمعنى يجب معرفة ما هي الأسباب التي تجعل المرء يقع فيما وقع فيه. اذن هناك دوافع، واقول هنا انه كانت لدي دوافع سياسية، اذن يجب ان ينظر الي من خلال هذه الدوافع التي قادتني الى ارتكاب ما قمت به.

* هل تؤيد مثلا أن أقتل شخصا بيني وبينه خلاف فكري وسياسي، واعتبر نفسي معتقلا سياسيا؟

ـ لقد شرحت لك انني لم اذهب لقتل بن جلون، وانما تطورت الامور وآلت الى ما آلت اليه. فانا معتقل سياسي.. وانت ترى حالتي الصحية كيف هي. وبالتالي من حقي على الاقل الحصول على تعويض.

* تعويض على جريمة؟

ـ انها (الجريمة) تمت بدوافع سياسة وليس من اجل السرقة. فما يكفي القضية هو دوافعها.

* نفيت في تصريحات صحافية سابقة انتماءك للشبيبة الاسلامية.. ولكنك في نفس الوقت تدافع عنها بحماسة منقطعة النظير وقدمت لها اعتذارا. فما سر هذه العلاقة العاطفية مع الشبيبة. هل يمكن وصفك بانك مناضل باطني وسري فيها؟

ـ لست مناضلا باطنيا ولا سريا ولا مدفوعا، انما اردت ان يعرف الرأي العام حقيقة ما وقع عام 1975 لاسيما ان هناك تراكمات صحافية، تركت في أذهان الرأي العام صورة ما، فانا بصفتي المتهم الرئيسي في القضية اعتبر ان لدي دَيْنا إزاء الشبيبة الاسلامية وذلك إحقاقا للحق.

* الغريب انك متحمس للاعتذار الى الشبيبة الاسلامية؟

ـ (مقاطعا) والحركة الاسلامية كلها.

* وتنأى بنفسك عن الاعتذار لعائلة الضحية؟

ـ أخاف ان يستغل اعتذاري.. ويُفهم منه ما يُفهم.

* كيف ذلك؟

ـ مثل ان تستغلها اطراف سياسية وتلعب به. وهذا ما لا أقبله. فانا لا اريد ان ادخل في هذا الباب حتى لا أجد نفسي امام شيء آخر.

* انت تخاف من استغلال اعتذارك سياسيا، ولكن من يسمع ما تقوله يستغرب من قساوة قلبك؟

ـ الأمر ليس كذلك، وما وقع قدر مكتوب.

* كيف استقبلت احداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة؟

ـ لا توجد معطيات كثيرة بشأنها. وهناك من يتهم «الموساد» الاسرائيلي بالوقوف وراءها.

* لكن تنظيم «القاعدة» وزعيمها اسامة بن لادن اعلنا تبنيهما لها.

ـ لكن هناك تحليلات اخرى تقول ان الموساد يقف وراء ذلك. وانا هنا اطرح علامات استفهام كثيرة. واتساءل، من يقف وراء العملية، لانه كما وقع لقضيتنا وأولت، ممكن ان يقع في مثل ما حدث في 11 سبتمبر.

* لكن القاعدة وبن لادن تبنيا ما سمياه غزوة نيويورك وغزوة واشنطن امام الرأي العام الدولي؟

ـ ذلك شأنهما، وانا لا دخل لي في اختياراتهما. وفي حالة ما اذا كان ذلك صحيحا اشك في صحة ذلك. فذلك اختياره (بن لادن)، وليتحمل مسؤوليته، وإن كنت اضع علامات استفهام وتعجب، لان كثيرا من الاحداث تأول، فبينما يكون لونها احمر يصبح بفعل التأويل ازرق. فكثير من الاحداث لم تعرف حقيقتها بعد.

* طيب، ماذا تقول عن احداث 16 مايو (ايار) 2003 في الدار البيضاء؟

ـ هناك من اتهم المخابرات بالوقوف وراءها. لكن هل وراءها اسلاميون.. لا يمكنني ان اجيب عن هذا السؤال لانني لا أتوفر على معطيات اكيدة، وبالتالي لا يمكنني ان اتهم اي طرف.

* بالنسبة لسعد احمد، شريكك في قتل بن جلون، هل انت على اتصال دائم به بعد خروجكما من السجن؟

ـ نرى بعضنا بعضا بين الفينة والأخرى.

* كيف هي علاقتك معه؟

ـ علاقة عادية.

* بعد خروجك من السجن كيف ينظر اليك الناس خاصة سكان الحي الذي تقطن فيه والذين يعرفون انك قتلت بن جلون؟

ـ ينظرون إلي نظرة عادية بل اكثر من عادية، ثانيا المجتمع السياسي هو الذي يهتم بهذه القضية. أما الناس العاديون فلهم اهتمامات اخرى مثل البحث عن لقمة العيش.

* قبل وقوع عملية اغتيال بن جلون ما هي الكتب التي كنت تقرأها، وأثرت في مسارك وجعلتك على ما أنت عليه الآن؟

ـ كنت اقرأ كتبا اسلامية مثل كتب الاخوان المسلمين جميعهم، المصريون منهم والسوريون واللبنانيون، وقرأت بعض كتب أبي الأعلى المودودي أيضا.

* قبل اغتيال بن جلون من كان مثلك الأعلى؟

ـ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته وباقي العظام الذين تركوا اثرا في التاريخ مثل عبد الكريم الخطابي، موحا حمو الزياني، الامام حسن البنا، ومصطفى السباعي (سورية)، ابو الاعلى المودودي، وغيرهم فهؤلاء جددوا نظرة الناس للاسلام.

* خلال فترة السجن هل واصلت قراءة الكتب؟

ـ نعم، كنت اقرأ. فالسجن في حد ذاته كان فترة قراءة، فما دام الانسان قابعا في السجن فمن الأفضل له ان يستغل وجوده هناك لتثقيف نفسه وتكوينها.

* هل كانت ادارة السجن هي التي تزودكم بالكتب؟

ـ لا، عائلتي هي التي كانت تزودني بها. كما ان السجناء كانوا يتبادلون الكتب فيما بينهم.

* تعرف مناطق كثيرة من العالم حالة عنف وارهاب. ما هو موقفك من العنف والارهاب؟

ـ العنف لا يولد إلا العنف، فكثير من احداث العنف يجب ان تقرأ في محيطها وبيئتها. لماذا وقعت؟ وكيف وقعت؟ وما هي الدوافع التي ادت الى وقوعها؟ اذن فكثير من احداث العنف يجب ان تدرس بعمق. وبالتالي لا يجب اتهام الحركة الاسلامية جزافا وإلصاق التهم بها.

* ماذا تعني لك السلفية الجهادية؟

ـ توجه اسلامي له اجتهادات.

* هل تتعاطف مع هذا التيار؟

ـ انا لست منتميا للتيار السلفي، ولكني اتعاطف مع علماء أجلاء معتقلين مثل، ابو حفص الكتاني، والفيزازي وغيرهما، استغلالا لحادثة ما. وإني اشك ان يكون هؤلاء وراء تلك الاحداث. فكما وقع لنا نحن، وقع لهما.

* ماذا تقصد بـ«نحن» انت أم الشبيبة الاسلامية؟

ـ اقصد انا.. نحن المغاربة نتحدث دائما عن انفسنا مستعملين «نحن».

* لكنك اعترفت بانك ارتكبت جريمة قتل بن جلون بدون قصد، وبالتالي فلا مجال للمقارنة بينك وبين هؤلاء، وعموما كانت هناك تفجيرات وضحايا في الدار البيضاء؟

ـ اريد ان أوضح لك انه مثلما استغلت قضيتنا نحن وتم إلصاقها بالشبيبة الاسلامية، فان تفجيرات الدار البيضاء قد تكون استغلت بدورها، وانا هنا ليست لدي معطيات دقيقة.

* ماذا يعني لك حزب العدالة والتنمية؟

ـ هم اناس ناصرونا كمعتقلين اسلاميين، جازاهم الله عنا خيرا كما ناصروا جميع المعتقلين الاسلاميين. ومن هذا المنبر اشكرهم.

* الآن، انت تعتبر نفسك معتقلا اسلاميا سابقا؟

ـ نعم انا معتقل اسلامي سياسي سابق، فهم ناصرونا في وقت تخلى فيه الجميع عنا، وخافوا من القضية ومن تداعياتها، فموقفهم من قضيتنا هو موقف تاريخي.

* ما رأيك في الدكتور عبد الكريم الخطيب مؤسس حزب العدالة والتنمية؟

ـ شخصية لها ماض معروف في المقاومة.

* الشيخ عبد السلام ياسين؟

ـ شيخ له توجه اسلامي وجماعة اسلامية، والله سبحانه وتعالى يبارك في اعماله واعمال الجماعة الاسلامية. قرأت كتبه، وجميل ما يكتبه.

* أي جماعة إسلامية ضمن الجماعات الموجودة حاليا في المغرب تفضل ان الانخراط فيها؟

ـ أنا الآن غير منخرط في اي جماعة اسلامية.

* ألا تفكر في خوض غمار العمل السياسي؟

ـ ربما مستقبلا، اما الآن فلا أعتقد، ذلك ان الانسان له رؤية وتصور، ويجب ألا يكتفي بمشاهدة ما يدور حوله.

* هل من الممكن ان نراك مرشحا في الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها عام 2007؟

ـ (ضاحكا)، الامر يتطلب حصولي على تزكية من حزب سياسي.

* حينما خرجت من السجن هل اتصلت بعبد الكريم مطيع؟

ـ لا أعرفه.. وشرف عظيم لي ان اتصل به وأتعرف عليه، تنتابني سعادة كبيرة لو التقي به، وهذا شرف لم أنله حتى الآن.

* كم كان عمرك حينما دخلت السجن؟

ـ تقريبا 22 سنة.

* ما زلت حتى الآن أعزب؟

ـ نعم

* اتفكر في الزواج قريبا؟

ـ انا عاطل عن العمل، واعيش مع أخي، فكيف اتزوج وانا على هذه الحال.

* قتلت بن جلون وعمرك 22 سنة معناه ان رأسك كان وقتها ساخنا جدا؟

ـ (ضاحكا) اسأل كل الناس الذين كانوا يعرفونني قبل الحادثة. لو كان رأسي ساخنا لوقعت مشاكل عدة. اسأل مثلا موظفي السجن الذي كنت معتقلا فيه عن سلوكي وتعاملي مع السجناء. فسيحكون لك الواقع، بل اكثر من ذلك ان بعض موظفي السجن حينما كانوا يرونني للمرة الاولى يتساءلون هل هذا هو خزار (قاتل بن جلون). معتقدين انني...

* جبار؟

ـ ان الاعلام هول النظرة إلي.. انه كسلطة رابعة كيَّفَ النظرة إليَّ.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات