القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

النيني بارون المخدرات الأسطورة.. انبطح أمامه مدراء السجون وصنف كسجين فوق العادة


في ساعة متأخرة من مساء التاسع من شهر يوليوز 2010، حطت على أرضية مطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء طائرة الخطوط الجوية الملكية القادمة من مطار باراخاس في مدريد، في رحلة رقم AT 791، وعلى متنها سجين فوق العادة اسمه محمد الوزاني، الملقب بالنيني مهرب المخدرات المشهور، الذي سلمته إسبانيا للمغرب بناء على طلب صدر قبل سنتين من قبل هذا الأخير، ووافقت عليه السلطات الاسبانية، بعد فراره من السجن المركزي بالقنيطرة واستقراره في إسبانيا حيث اعتاد مهربو المخدرات اللجوء إليها من أجل الإفلات من العدالة…


النيني بارون المخدرات الأسطورة.. انبطح أمامه مدراء السجون وصنف كسجين فوق العادة


فمن يكون هذا البارون؟ وكيف كان يقضي عقوبته خلف القضبان؟ وكيف دبر عملية فراره المثيرة للجدل من سجن القنيطرة إلى الديار الإساية؟ وما هي الصعوبات التي واجهت طلب تسلمه من إسبانيا؟


أثارت حالة التأهب القصوى في صفوف شرطة الحدود بمطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء، في ذلك اليوم من أيام شهر يوليوز الحارة، فضول الحاضرين في البهو المخصص لاستقبال المسافرين، على الرغم من أن عملية تسليم بارون المخدرات الملقب بالنيني أحيطت بسرية تامة.


ويأتي تسليم النيني عقب طلبات ملحة من السلطات المغربية بعد هروبه المدوي من السجن المركزي بالقنيطرة المعروف بالحراسة المشددة حيث كان يقضي عقوبة حبسية بثمان سنوات نافذة من أجل جنحة الاتجار في المخدرات، الشيء الذي طرح عدة استفهامات حول ظروف وملابسات فرار أشهر مهرب للمخدرات بالمغرب، مما دفع النيابة العامة إلى تكليف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء لفك هذا اللغز بالبحث مع المعني بالأمر لتقديمه أمام العدالة لمحاكمته طبقا للقوانين الجاري بها العمل… فمن يكون بارون المخدرات النيني؟


بطاقة هوية

اسمه الحقيقي محمد الوزاني، 34 سنة، ينحدر من مدينة سبتة المحتلة حيث رأى النور من أبوين مغربيين، الطيب ورشيدة، يقيمان بهذه المدينة الواقعة شمال المغرب والمطلة على البحر الأبيض المتوسط. ترك محمد المعروف أيضا باسم محمد طيب أحمد المدرسة في وقت مبكر جدا، كما دخل إلى دوائر العصابات الإجرامية في الحي الساخن “إل برانسيبو” في سن مبكرة أيضا.


أعجبت روحه المرحة، وجرأته وقسوته تجار المخدرات المنتشرين في المنطقة حيث لم يجدوا صعوبة في توظيفه كمروج لسمومهم بعد أن تأكدوا بعيون فاحصة صلاحه لمزاولة هذا النشاط الإجرامي، الذي لم يخل يوما من شجار لتحديد منطقة نفوذ كل مروج.


هذه الشجارات، التي كانت لا تتوقف إلا لتبدأ مرة أخرى وفي مكان آخر وبعنف أكثر حيث لازالت أثار الندوب على جسد محمد الوزاني شاهدة على تلك الشجارات جراء ضربة تلقاها بواسطة أداة حادة على رأسه، وشاهدة أيضا على كيفية نجاحه في التخلص من مطاردات الشرطة المتكررة لإيقافه.


لكن بالرغم من هذا النجاح، فإن سجله لدى الشرطة ثقيل بالتهم إذ توجد بحوزته 17 حالة اعتقال بتهم مختلفة تبدأ بارتكاب أربع جرائم قتل بما في ذلك تصفية رجل أمن وبالضرب والجرح بواسطة مجرفة، مرورا بحالات أخرى لا تحصى من عمليات الاتجار في المخدرات، وصولا إلى الإخلال بالنظام العام والتمرد والمس بسلطة الجيش وغيرها.


لعبة القط والفأر

كان النيني يعتمد في لعبة القط والفأر مع الشرطة، التي كان يتقنها، تكتيكا كلفه ثمنا غاليا سنوات بعد ذلك. هذا التكتيك كان يرتكز على إطلاق ساقيه للريح باتجاه المغرب كلما علم بأن الشرطة الإسبانية تطارده حيث يستمر في ممارسة نشاطه في تهريب المخدرات تحت هويته المغربية، مغتنما بذلك الفرصة لإنشاء شبكته الخاصة في المناطق النائية.


وهكذا، أهله ممارسة نشاطه بهذه الطريقة إلى التعرف على جميع بارونات المخدرات في تطوان ونواحيها، من قدماء المهربين إلى الثعالب الشابة، التي تبحث لنفسها عن موطئ قدم في عالم هذه التجارة المربحة، حيث يسود قانون الصمت. مرورا بكبار البارونات الذين ذاع صيتهم في مجال الاتجار في المخدرات على الصعيد الدولي.


وعلى الرغم من ابتعاد النيني عن الديار الإسبانية، فإنه ظل يزود هذه السوق بأطنان من الحشيش كان يهربها من القصر الصغير إلى كوستا ديل صول بالجارة الشمالية.


وأمام ازدهار تجارته أصبح يتوفر في وقت وجيز على أسطول من الزوارق السريعة سرعان ما أغرقت أوروبا بالحشيش القادم من الضفة الجنوبية للمتوسط. هذا الإغراق خلق للنيني عدة أعداء في صفوف مهربي المخدرات الذين بلغوا عنه لدى مصالح الشرطة الإسبانية كمهرب كبير للمخدرات، سطع نجمه بسرعة فائقة حتى أصبح الآن يعتبر واحدا من تجار المخدرات المعروفين على الصعيد الدولي، والمعروفين أيضا لدى جميع قوات الأمن الإسبانية.


فالفتى الشقي الذي كان بالأمس يتطلب اقتفاء آثره من قبل مطارديه لإيقافه الإكتفاء بالسير على الأقدام في أزقة سبتة الضيقة، باتوا اليوم مطالبين بإخراج أسلحتهم الثقيلة، حيث كانت عناصر الحرس المدني والجمارك الإسبانية تلجأ عند مطاردته إلى استعمال طائرات عمودية وزوارق سريعة، في حين كان يهرب بضاعته بكميات كبيرة على متن زوارقه.


ومن هنا، أصبح اسمه المستعار النيني يردد كلازمة في جميع عمليات حجز للمخدرات في أوروبا. ففي تلك الحقبة، كان لقبه يحكي طويلا عن أسطورته في كونه ملك الزوارق الذي كان يعيش حياة ترف وفسق وبذخ إلى درجة أن حتى  إمبراطور المخدرات الرماش لم يعد يساوي شيئا أمامه. إذ أصبح النيني مليارديرا، وبات يجلس على ثروة طائلة بالعملة ألأوروبية طبعا، وسنه لم يتجاوز بعد 25 سنة حيث قدرت الشرطة الإسبانية حسب ما جاء في مذكرة رسمية حجم ثروته بـ30 مليون أورو.


ولإثبات براءته من التهم الموجهة إليه، كان يختار بعناية دائما أفضل المحامين في اسبانيا لكي “يغسلوا خطاياه” ويبيضوا سجله الإجرامي. وفي كثير من الأحيان، كان يخلا سبيله لعدم كفاية الأدلة التي تدينه… فكيف كان إذا يقضي النيني  عقوبته الحبسية خلف القضبان؟


النيني خلف القضبان

للإجابة على هذا السؤال، لابد من الرجوع سنوات إلى الوراء، وبالضبط إلى سنة 2003 حينما تمكنت الشرطة المغربية من توقيف النيني. ومن ثمة التحقيق معه في التهم المنسوبة إليه. هذه التهم، تبدأ بمحاولة القتل العمد إلى تكوين عصابة إجرامية، مرورا بتهمة الاتجار الدولي في المخدرات، ثم أحالته بعد ذلك على محكمة الاستئناف في تطوان، التي أصدرت في حقه حكما بالسجن لمدة ثماني سنوات نافدة قضى جزءا منها بسجن واد لو بالقرب من مدينة تطوان المعروف بحراسته غير المشددة وبالفوضى المنتشرة بين جدرانه… إلى درجة بات يتساءل فيها المرء، عمن يحرس من؟


أصبح النيني بفضل الرشوة، التي كان يوزعها بسخاء على سجانيه الفاسدين، يفعل ما يشاء داخل هذا السجن حيث كان يتمتع فيه بامتيازات كثيرة جعلت منه سجينا فوق العادة. إلى درجة أنه بات بإمكانه، ليس فقط الخروج من بوابة السجن ثم العودة إليه من نفس البوابة للمبيت في زنزانته، بل أصبح بإمكانه قضاء الليالي خارج أسواره أكثر مما كان يمضيها في زنزانته المكيفة. كما كان بإمكانه أيضا قضاء عقوبته الحبسية كما لو أنه كان يقضيها في فندق خمس نجوم.


إلا أن النيني لم يكن بارون المخدرات الوحيد الذي يوجد في ضيافة سجن تطوان، بل كان هناك بارونات آخرين مما أجج الصراع بينهم داخل أسوار هذا الفضاء حيث دبر خصومه تمردا حين كان هو خارج السجن، مما أدى إلى انكشاف أمره، ليؤشر بذلك هذا الحادث على نهاية حياة الترف والبذخ الذي كان يترفل فيه حتى وهو داخل السجن.


سنة بعد ذلك، طلبت السلطات الإسبانية تسليمها النيني بتهمة الاتجار الدولي في المخدرات، وكان محاموه يقفون بالمرصاد في وجه مثل هذه الطلبات حيث كانوا يبرؤونه دائما من مثل هذه التهم… فكيف لا يبرؤونه اليوم لاسيما وأن  الأمر يتعلق بمسألة بسيطة للغاية لا تتطلب سوى إثبات أن النيني ليس هو محمد طيب أحمد المطلوب من قبل السلطات الإسبانية، بل هو أيضا محمد الوزاني مغربي الجنسية. وبالتالي، فإن القانون المغربي واضح في هذا الباب، إذ ينص على أن المغاربة لا يرحلون إلى الخارج. وبالتالي، تم رفض الطلب الإسباني بشأن تسليم النيني.


لكن في سنة 2005، اندلعت مشاجرة بين النيني وعصابته من جهة، وتاجر المخدرات الملقب بولد هوريس وزمرته من جهة أخرى. إلا أن الغلبة كانت من نصيب هذا الأخير الذي بات يبسط سيطرته داخل السجن. فلم يبق أمام محمد الوزاني لإنقاذ حياته من بد سوى الفرار إلى الخارج. لكن عندما اقتحم رجال الشرطة أسوار السجن لإعادة النظام لم يتم العثور على النيني، الذي خرج ولم يعد إلا بعد مرور بضعة أيام.. لكن بناء على رغبته.


سجين فوق العادة

شكل هروب أحد أكبر بارونات المخدرات في العالم بكل هذه السهولة فضيحة مدوية، شكلت بسرعة مادة دسمة للصحافة المحلية والإسبانية، وباتت بالمقابل مديرية السجون التي كانت حينها تحت إشراف وزارة العدل محط مساءلة. فقررت نقل محمد الوزاني الملقب بالنيني من سجن واد لو بتطوان إلى السجن المركزي بالقنيطرة الأكثر أمانا من بين السجون المغربية والمعروف بإجراءاته الأمنية المشددة، والشهير بممر الموت، وبوجود عدد من معتقلي السلفية الجهادية المحكومين على خلفية أحداث 16 ماي الإرهابية.


مرة هناك، تم تخصيص زنزانة فسيحة شبيهة بسكن وظيفي للنيني كسجين فوق العادة، تتكون من غرفة كبيرة زلجت أرضها وجدرانها ومجهزة بمكيف، وتم مد مرحاضها وحمامها بالماء الساخن، قبل أن يتم تأتيثها بتلفزة بلازما وبجهاز (دي في دي) وثلاجة، وسرير، ودوالب، وزينت أيضا بأربعة تحف مزخرفة من بينها مركب شراعي صغير، ربما كتذكار للسنوات التي قضاها في البحر، كما كان يتوفر على حاسوب مرتبط بشبكة الانترنيت 3G ، مسجل لدى مزود إسباني والذي يقدم خدماته في كل التراب الوطني عبر الأقمار الصناعية. أما بالنسبة للهواتف المحمولة، فلا حاجة للحديث عنها لأن معظم المعتقلين متسلحين بها.


هنا أيضا، لم يسلم محمد الوزاني من الألقاب حيث تم منحه لقب الـ ”  VIP “. وفي الحقيقة، فهو مدلع من قبل الجميع، بما فيهم الحراس والمراقبين التربويين. ويكفي لقاءه صدفة لتراه يسلم أوراق نقدية من فئة 100 إلى 500 درهم. ولا تغلق أبدا الأبواب الحديدية في وجهه، بل يستطيع التجول بإرادته ليلا ونهارا في السجن. كما كانت زوجته تأتي لزيارته في نهاية كل أسبوع وقضاء الليلة برفقته. ومن وقت لآخر، كان النيني يسير جنبا إلى جنب مع مدير السجن، ويسمح لنفسه بوضع يديه الطويلتين على كثفيه والذهاب برفقته وهما يتبادلان الضحكات على مرأى ومسمع من الجميع.


رسالة مجهولة المصدر

لكن، هل كان النيني يغادر السجن المركزي بالقنيطرة إلى وسط المدينة للتجوال وارتداء الحانات والمطاعم في الميناء القديم اليوطي؟


تفيد رسالة مجهولة المصدر بأن النيني كان يغادر السجن بتواطؤ من بعض الحراس، الذين كانوا يسمحون له بالخروج لكي يقوم بنزهات ليلية. لكن التحقيقات التي أجرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية المكلفة بالقضية لم تتوصل إلى أي دليل مادي.


وعلى كل حال، فلو أراد النيني الفرار من السجن، لكان قد فعل ذلك عندما كان يمضي عقوبته الحبسية في سجن واد لو حيث كانت إمكانية الهروب سلسة مقارنة مع السجن المركزي للقنيطرة. وبالتالي لماذا سيفعل ذلك الآن ولم يبق من عقوبته سوى أربع سنوات؟ وأمام غياب أدلة تؤكد ما جاء في الرسالة المجهولة المصدر، تم حفظ القضية.


وفي 14 دجنبر 2007، توصل أحد وكلاء الملك بالقنيطرة بمكالمة هاتفية من مجهول. وكان على الطرف الآخر من الهاتف شخص رفض الكشف عن هويته، مكتفيا بتقديم نفسه على أنه فاعل خير، أخبر وكيل الملك بأن النيني غير موجود بالسجن.


وعند قيام وكيل الملك بالتدقيق في صحة هذه المعلومة، وجد أن سجل معتقلي الجناح حيث توجد زنزانة النيني يحمل توقيع المسؤول نور الدين الذي يشير إلى أن محمد الوزاني لم يغادر السجن، إلا أن البحث أكد على أن زنزانة المعني بالأمر كانت فارغة وألا أثر للنيني في السجن المركزي للقنيطرة.


وبالتالي كان هذا المعطى كاف ليهز ليس أركان مديرية السجون فحسب، بل والرأي العام أيضا، بالإضافة إلى كونه صنع الحدث وبات مادة دسمة فتحت شهية وسائل الإعلام المحلية والدولية بمختلف أشكالها وتلاوينها…


تحديد المسؤوليات

ولفك ظروف وملابسات اختفاء النيني وتحديد المسؤوليات كلفت النيابة العامة مصالح الشرطة بالقنيطرة بالقضية. وقد مكن التحقيق، الذي أجرته مصلحة الشرطة القضائية بخصوص هذه القضية، بسرعة من معرفة أن النيني غادر المؤسسة السجنية قبل أسبوع، وبالضبط في 7 دجنبر 2007 في حوالي الساعة 18:30، كما أظهر التحقيق أيضا أن المعني بالأمر اعتاد مغادرة السجن المركزي بالقنيطرة لفترات قصيرة، لكنه كان يعود بعد ذلك.


ومن هنا، تمكن فريق المحققين من إعادة تكوين برنامج أحداث اليوم بناء على تصريحات موظفي المؤسسة السجنية المذكورة الذين تم إخضاعهم جميعا للاستجواب. بيد أنه ساعات قليلة قبل ذلك، وفي حوالي الساعة 13:00 بالضبط، توصل المفتش (حسن أل ج) بمكالمة هاتفية بمنزله في القنيطرة، من قبل زميله (ميلودي أ)، الذي جاء ليخبره بخروج السجين الوزاني في اليوم نفسه على الساعة 18:30. “كما جرت العادة”.


بعد مباشرة عمله على الساعة 15:00، وفي حوالي الساعة 18،30، كان (ميلودي أ) مرفوقا بالمراقب (حسن آل ج) وبتواطؤ مع رئيس المركز (يحيى ب) ونائبه (يونس أ) بالإضافة إلى (نور الدين.ه) رئيس الحي “م” حيث كان الوزاني قد وقع في سجل الحضور مسجونا، تم السماح للمعني بالأمر بمغادرة زنزانته ورافقوه إلى الباب الرئيسي للمؤسسة المحروس حينها من قبل (طارق.أ) الذي كان يتواجد خارج السجن المركزي. فامتطى النيني سيارة من نوع “أونو” في ملكية الحارس (حسن آل ج)، الذي نقله إلى حدود حانة دارنا الواقعة بشارع عنترة بالقنيطرة، حيث كانت تنتظره سيارة أخرى مجهولة، يقودها شخص غريب، ولم يتم التأكد حينها من شيء آخر سوى أنها سيارة فارهة.


وفي الحقيقة، ليست هذه المرة الأولى التي غادر فيها النيني السجن. فقد اعتاد على مغادرة هذه المؤسسة ليلا، بفضل التواطؤ الفعلي لهؤلاء المراقبين التربويين الستة الفاسدين والذين يشتغلون كموظفين في هذه المؤسسة السجنية، حيث كان يتسلم كل واحد منهم حسب درجة مسؤوليته، رشوة تتراوح قيمتها بين 1000 و1500 درهم للخرجة الواحدة. وقد صرح واحد من بين الشهود أنه صادف خارج أوقات العمل النيني ثلاث مرات وسط المدينة.

وأمام هذه الأدلة الدامغة تم توقيف الموظفين الستة الفاسدين وتم تقديمهم إلى العدالة، التي أصدرت في حقهم أحكاما بالسجن تتراوح مدتها ما بين 8 أشهر إلى 4 سنوات حيث سيدخلونه هذه المرة كسجناء وليس كمسؤولين بالمؤسسة السجنية.


العودة إلى المهد

يبدو أن النيني قد دبر عملية هروبه من السجن المركزي للقنيطرة بشكل جيد، حيث تمكن من جعل الجميع يصدق حكايته عن رغبته في العودة الطوعية إلى سجن واد لاو، ويصدقون أيضا حكايته بأنه لم يبق من عقوبته سوى ثلاث سنوات سيمضيها وسيغادر السجن مرفوع الرأس. لكن ماذا جرى للنيني لكي يتصرف على هذا المنوال؟


تمكن فريق المحققين من التوصل إلى بعض الإجابات عن هذا السؤال، وعند تدقيقها توصلوا إلى أن النيني ليس لديه مشاكل في اسبانيا، والشرطة في هذا البلد ليس لديها أي أسباب لكي تزعجه لو أراد الذهاب إلى هناك. كما يوجد معطى آخر ويتعلق بالتسليم الوشيك للمدعو (أباسا) بارون المخدرات المغربي الشهير الذي تم توقيفه في إسبانيا والذي يخشى النيني بأن يدلي باعترافات خطيرة يمكن أن تطيل بقاءه خلف القضبان.


كما توصل المحققون أيضا وسط ذهول الجميع إلى معطى جديد كشف على أن النيني لا زال مستمرا في تسيير شبكته الإجرامية انطلاقا من زنزانته وأنه كان على علم بكل شيء.


وعلى كل حال، فبالنسبة للنيني، الذي قضى حياته في نقل أطنان من الحشيش بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، فإن انتقاله إلى سبتة يبقى مجرد نزهة. فصديقه (السبتاوي محمد) الملقب ب(شينكو) يمكن أن ينقله في رمشة عين على متن زورق سريع.


ومرة هناك، غير النيني اسمه من محمد الوزاني إلى محمد طيب أحمد، يحمل الجنسية الإسبانية، ويسمح لنفسه حتى بالذهاب لتسلم بطاقة هويته الجديدة من مفوضية المدينة وينقط في قواعد بيانات الشرطة. كما ذهب إلى محكمة بغرناطة لتسوية أحد القضايا المعلقة منذ سنوات طويلة. فهل كان النيني على علم بأن السلطات المغربية أصدرت مذكرة توقيف دولية باسم محمد الوزاني الملقب بالنيني مسجلة فعلا ضده وتوجد في قواعد بيانات الجارة الشمالية؟


الصراع القانوني

في 18 دجنبر 2007، أصدر وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالقنيطرة مذكرة بحث دولية في أفق تسليم محمد الوزاني الملقب بالنيني، المدان بعقوبة حبسية بثمان سنوات نافذة من أجل جنحة الاتجار في المخدرات والهروب والرشوة..، وهي أعمال يعاقب عليها القانون الجنائي المغربي.


وقد عمم مكتب الأنتربول في الرباط على جميع أنحاء العالم البيانات الضرورية حول النيني، وبدأ يتابع عن قرب تطورات ملفه. كما أن ضابط الاتصال المغربي بمدريد الذي كان يتابع هذا الملف، حاول تفكيك لغز تبخر النيني بإجراء تحقيقاته الخاصة واللجوء عند الضرورة إلى زملائه في المصالح المركزية بالعاصمة مدريد.


وبفضل عملية خبرة مقارنة البصمات، لاسيما وأن مصالح الأمن الإسبانية تتوفر على كل المعطيات الجينية بخصوص شخصية وهوية النيني المعروف لديها منذ وقت بعيد كمهرب خطير للمخدرات، تم التوصل إلى تحديد هوية صاحب البصمات، ويتعلق الأمر بكل من محمد الوزاني ومحمد الطيب أحمد اللذان يعنيان نفس الشخص، وهو الذي يحمل لقب النيني، ليتم تغيير مذكرة التوقيف الدولية في النهاية لتتركز على هذه الهوية.


قطع التوصل إلى هذا المعطى الطريق أمام دفاع المتهم، الذي ظل ينكر أن يكون النيني قد فر من السجن المركزي بالقنيطرة وبأن الهارب محط مذكرة البحث الدولية ليس هو النيني، بل يتعلق الأمر بشخص آخر، اسمه محمد الوزاني، بينما اسم النيني الحقيقي هو محمد الطيب أحمد.


اعتقال النيني

حضي توقيف بارون المخدرات الملقب بالنيني، من قبل قوات الحرس المدني الإسباني مساء يوم 23 أبريل 2008، بمدينة سبتة، باهتمام كبير من طرف الصحافة بالمدينة المحتلة، التي كتبت بالبنط العريض على صدر الصفحات الأولى لأعدادها الصادرة في 24 من الشهر نفسه، خبرا من العيار الثقيل، تحت عنوان ” إلقاء القبض على النيني في سبتة “. أما الصحافة الوطنية التي كانت لا تزال تحت وقع صدمة الهروب على الطريقة الهوليودية لتسعة معتقلين من السلفية الجهادية، فإن قصاصة توقيف النيني مرت دون أن تثير انتباهها.


لكن ليس بالنسبة لمكتب الأنتربول بالرباط، الذي بعث برسالة استفسار في الموضوع إلى نظيره بمدريد إذ لم يتأخر في تأكيد خبر توقيف المسمى محمد الوزاني الملقب بالنيني والمعروف أيضا في سجل وثائق مصالح الشرطة الإسبانية بمحمد طيب أحمد والذي يحمل نفس اللقب. ليبقى أمام السلطات المغربية مسافة زمنية تقدر بأربعين يوما لتقديم الوثائق الضرورية لتسليم الهدف عبر القنوات الدبلوماسية.


لكن اعتقال المعني بالأمر من قبل الشرطة الإسبانية لا يعني البتة أن ترحيله إلى المغرب سيمر بشكل سلس. لأن تسلم هذا المجرم من السلطات الإسبانية شكل العقبة الكأداء التي واجهت السلطات المغربية. لأن النيني يحمل الجنسيتين المغربية والإسبانية من جهة، ولأن إسبانيا مثلها مثل المغرب لا تسلم رعاياها إلى بلد أجنبي من جهة ثانية. لتبقى الورقة الوحيدة التي بيد المغرب كحل لهذه المعادلة الصعبة هو تجريد النيني من جنسيته الإسبانية طبقا للقانون المغربي. لكن هذا الإجراء ليس بالأمر الهين في مواجهة شخص كان بإمكانه اختيار أفضل مكاتب المحاماة في إسبانيا للدفاع عن ملفه.


صحيح أن حقوق الإنسان مبدأ نبيل وجيد في الآن نفسه، ولكن الصحيح أيضا هو أن توظيفه في غير أهدافه لن يستفيد منه سوى المجرمون الذين يسخرون كل إمكانياتهم لانتزاع براءتهم بأي ثمن على الرغم من كونهم مذنبين. لأن المواطنين الشرفاء يتجنبون ما أمكن صداع العدالة. والنيني وأمثاله يدركون هذا جيدا، ولا يتورعون في استخدامه وانتهاكه كوسيلة لتبرئتهم. فشح الأدلة وعيوب المساطر كانت ولا تزال تشكل طوق نجاة لهؤلاء.


وبالتالي، فهذه المرة، سنتابع معركة قانونية ستستمر على مدى سنة ونصف حيث تراهن هيئة الدفاع على ثلاث نقط أساسية، وهي: الإبقاء على الجنسية الإسبانية لموكلهم، والتعذيب المزعوم في السجون المغربية، والفرق المزعوم بين هوية محمد طيب أحمد ومحمد الوزاني، اللذان يحملان معا لقب النيني.


التراشق بالأدلة

بخصوص هذه النقطة، كان من الواضح جدا أن كلا الاسمين متطابقين، ولكن يتعلق الأمر هنا بمناورات تسويفية الغرض منها تأخير مجرى المحاكمة، وذلك بتكثيف طلبات الخبرة والخبرة المضادة. فبالنسبة لمسألة التعذيب في السجون المغربية فإن هذا الدليل يبعث على الضحك لاسيما وأن القضاة الإسبان كانوا على اطلاع كامل على مظاهر البذخ الذي كان يرفل فيه النيني داخل السجن. ليبقى العمل على تجريد النيني من جنسيته الإسبانية يتطلب طرح المزيد من الأدلة المقنعة.


وفي الحقيقة، ليس للقضاة الإسبان ما يجهدون أنفسهم التفكير بشأنه، لاسيما وأن النيني تم تجنيسه عن طريق قانون الاختيار الذي شمل كل السبتاويين.


لكن ما يؤاخذ على النيني هو أنه تجرد من جنسيته الإسبانية في اليوم الذي طلبت فيه السلطات الإسبانية تسلمه من المغرب حيث طرح حينها محاموه على الطاولة جنسيته المغربية للحيلولة دون ذلك، الشيء الذي فسره القضاة الإسبان كسوء نية يضرب في العمق مصداقية هذا الاختيار، لأن المدعى عليه يعمل على توظيف جنسيته وفقا للظروف. مما اعتبر انتصارا للجانب المغربي حيث غمر المسؤولين المغاربة سرور عميق وهم يقرأون الحكم الذي أصدره القاضي فرانسيسكو مانويل غوتييريز روميرو بمحكمة مدريد:

.« accordar la perdida de la nationalidad espanola de opcion de Mohamed Taieb Ahmed »

 فليس من الضروري أن يكون المرء يتقن عدة لغات لفهم أن المحكمة جردت المدعى عليه من جنسيته الإسبانية.


التسليم والترحيل

أمام حكم المحكمة بنزع الجنسية الإسبانية عن النيني، تابعنا جملة من الطعون المقدمة من قبل دفاع هذا الأخير في قرار المحكمة الوطنية الإسبانية. لكن على الرغم من ذلك، فقد أكد القضاة عدم صلاحية الجنسية الإسبانية والتسليم الناتج عنها. وفي تقريرها، فإن المحكمة قررت قبولها في المرحلة القضائية، ودون المساس بالقرار النهائي لحكومة الأمة بالتسليم الذي طلبته السلطات القضائية في المغرب (…) ولإنجاز ما تبقى من العقوبة الحبسية مدتها ثلاث سنوات وثمانية أشهر وسبعة أيام.


وفي اجتماعه في 21 يونيو 2009، صادق مجلس الوزراء الإسباني على قرار ترحيل وتسليم أحمد الطيب الوزاني، الملقب بالنيني، ويأتي قرار المجلس الحكومي الإسباني امتثالا للحكم الصادر عن المحكمة الوطنية الإسبانية يوم 11 شتنبر 2008، والقاضي بتسليمه إلى المغرب. ويأتي أيضا رغم قبول المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ البت في الطلب الذي رفعه دفاع النيني، أحد أكبر بارونات المخدرات اعتمادا على الجنسية الأسبانية التي يتمتع بها المعني بالأمر، وذلك بهدف تجنب تسليمه إلى المغرب بعد فراره من السجن المركزي بالقنيطرة، وبعد أن رفضت المحكمة الدستورية الطعن في قرار المحكمة العليا والتي أمرت بتسليمه.. وقد تم نشر القرار المذكور دون تأخير في موقع الحكومة على الأنترنت.


وعلى الرغم من الاحتجاجات اليائسة ضد قرار المحكمة القاضي بتجريد النيني من جنسيته وعلى قرار الحكومة الإسبانية بتسليمه إلى السلطات القضائية المغربية، فإن تلك الاحتجاجات لم تغير شيئا من أمر التسليم الصادر عن المحكمة الوطنية الإسبانية.


هذا التسليم الذي يأتي عقب طلبات ملحة من السلطات المغربية بعد هروبه المدوي من السجن المركزي بالقنيطرة المعروف بالحراسة المشددة حيث كان يقضي عقوبة حبسية بثمان سنوات نافذة من أجل جنحة الاتجار في المخدرات. وقد تم ترحيله بالفعل إلى المغرب حيث تم تقديمه أمام العدالة لمحاكمته طبقا للقانون، والبحث معه حول ظروف وملابسات فراره من السجن المركزي بالقنيطرة، ولقضاء ما تبقى من العقوبة الحبسية المحكوم بها. كما أن ترحيله إلى المغرب هو رسالة واضحة إلى بارونات المخدرات بأن ليس هناك ملاذ آمن لكل مهربي هذه السموم للإفلات من العقاب.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات