القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

وثيقة 13 يناير1944بين الحضور كحدث وغياب كذاكرة


وثيقة 13 يناير1944بين الحضور كحدث وغياب كذاكرة

الخضري لحسن*

إثر هزيمة فرنسا في الحرب العالمية الثانية وتكسير صورة الدولة الحامية، وأيضا دخول الحلفاء وأمريكا على الخط من خلال الإنزال الأمريكي1942و مؤتمر آنفا 1943، انتقل الوطنيون من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال، بعدما قال لهم محمد الخامس إلى متى سوف تظلون تطالبون بالإصلاحات فبادرت الجبهة القومية بالشمال إلى تقديم أول عريضة تطالب بالاستقلال في نفس السنة التي انعقد فيها مؤتمر آنفا 1943، وتبعها الحزب الوطني بعدما غير اسمه إلى حزب الاستقلال فقدم عريضة 11يناير 1944، وأردفت الحركة القومية بعريضة مماثلة يوم 13 يناير 1944 لمؤازرة بقية مكونات الحركة الوطنية في مطلب الاستقلال، لكن من بين كل هذه العرائض ظلت في الذاكرة وثيقة حزب الاستقلال والشخصيات الحرة، حيث لم تحظى عريضة الحركة الوطنية بالشمال ولا عريضة الحركة القومية بنفس الحضور، حاول الشوريون إزالة الغبار عن عريضتهم وخاصة زعيمهم محمد حسن الوزاني الذي أشار إليها في مذكرات حياة وجهاد،كما يقول المؤرخ إبراهيم بوطالب في مساهمته بالمعلمة، حول نفس الموضوع، رغم انه كما يقول أستاذ التاريخ الراهن والباحث في تاريخ الحركة الوطنية محمد معروف الدفالي ” لم يعلم بخبر المطلب إلا بعد تقديمه” وذلك من خلال مساهمته بمعلمة المغرب بمادة حزب الشورى والاستقلال، ويضيف “في سنة 1944تزامن تقديم المطالبة بالاستقلال مع استمرار وجوده –الوزاني- بالمنفى، وكان أنصاره قد ساندوا المطلب وقدموا وثيقة خاصة بهم يوم 13 يناير 1944غيروا على إثرها تنظيمهم ليصبح الحركة القومية الاستقلالية …



وبسبب مسار تطور العمل الوطني ناقش الوزاني طريقة تقديم مطلب الاستقلال، واقترح من منفاه سنة 1945 تصورا بديلا ينتزع الاستقلال ويضع الفرنسيين أمام الأمر الواقع”، لم يعلم الوزاني بخبر تقديم المطلب من طرف أنصاره لأن محمد الخامس طلب من عبد الهادي بوطالب المدرس آنذاك بالمعهد المولوي أن يقدم أعضاء الحركة القومية وثيقة حزبهم حتى لايجد المقيم العام غابرييل بيو أي مهرب، أو أن يتكأ على عدم الإجماع الوطني حول مطلب الاستقلال، أما الفصل الآخر من قصة 11و13 يناير 1944 فدار بين عبد الكريم غلاب في تاريخ الحركة الوطنية الجزء الأول وأحمد معنينو في ذكريات ومذكرات الجزء الثالث، بينما حاول عبد الهادي بوطالب –المتوفي حديثا- في نصف قرن في السياسة أن يكون موضوعيا في هذا الأمر، فالأستاذ عبد الكريم غلاب عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال حكا الأمر كما يلي”أكد غابرييل بيو للملك أن الحزب وحده- الاستقلال-هو الذي يطالب بهذا المطلب الشاذ، وصادف أن قدم على القصر ساعتئذ ممثلوا الحركة القومية يحملون عريضة تأييد تتضمن نفس المطلب، فجابه الملك المقيم العام قائلا بل إن الحزبين متفقين “وأضاف” وقد وقفت الحركة القومية التي كان يرأسها الأستاذ محمد حسن الوزاني، المنفي آنذاك في ايتزر، موقفا مؤيدا للاستقلال، تخابر حزب الاستقلال مع قادتها قبل تقديم الوثيقة فامتنعت من الانضمام وطلبت مهلة للتفكير، وبعد أن قدم الحزب الوثيقة، أعدت وثيقة مماثلة وأمضاها أعضاؤها وتقدمت بها إلى جلالة الملك، وبذلك تحقق الإجماع الشعبي للمطالبة بالاستقلال”، فلم يعجب هذا الكلام أحمد معنينو الذي انبرى يقول “هذا مؤرخ وعضو بارزفي اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال عبد الكريم غلاب يتهم صراحة وبأي تحفظ في كتابه الحركة الوطنية زعيم الحركة القومية محمد بن الحسن الوزاني بامتناعه عن إمضاء وثيقة 11يناير 1944 التي وجهت له بمنفاه السحيق بايتزر يقول المؤرخ بأنها أرسلت إليه في الوقت المناسب بواسطة الشاب الحسن بن شقرون، هكذا حاول هذا المؤرخ التشكيك في موقف احد أقطاب الحركة الوطنية المغربية من استقلال البلاد من الاستعمار الغاشم وبدون أن يعتمد في كتابه على مستندات صحيحة ولا على رواية صادقة ” وأضاف قائلا ” وقد جاء في حديث الأستاذ عبد الهادي بوطالب أحد المسؤولين عن الحركة القومية انه وزميله محمد الجناتي، كانا على اتصال مع الأستاذ المهدي بن بركة، أحد المسؤولين في حزب الاستقلال، قصد الإمضاء في الوثيقة باسمه الشخصي، و بينمهما جالسان في بيت الأستاذ أحمد بلافريج ينتظران المجيء بالوثيقة -11يناير- إذ قيل لهما إن الجماعة تقدمت بالوثيقة لجلالة الملك وللجهات المختصة، هذا هو التلاعب بالأشخاص و القيم و المصالح العامة للبلاد” ومادام الأمر يخص عبد الهادي بوطالب لنترك له الكلمة ليقول لبن بركة” إذا كان أمر تقديم العريضة قد تقرر من لدنكم، فانا أريد أن تخبر لجنتكم التنفيذية أنني مستعد للتوقيع على العريضة ومعي الأستاذ محمد الجناتي –المحامي – بالرباط عضو الحركة القومية وطلبت منه أن يضيف اسم الحركة القومية لنوقع نحن الاثنين بالنيابة عنها، فقال بن بركة سأعرض الأمر على الإخوان “، وفي هذه النقطة يعود أحمد معنينو ليقول”ألم يكن من الأفضل الموافقة على الاقتراح الذي تقدمت به الحركة القومية من أجل تكوين جبهة وطنية موحدة تظم الحزبين والشخصيات المستقلة من أجل تقديم هذا المطلب الهام و العمل صفا واحدا من أجل تحقيقه تحت القيادة الرشيدة لملك البلاد”، ويعود عبد الهادي بوطالب ليواصل كلامه”توجهنا أنا والجناتي إلى منزل بلافريج ووجدنا أعضاء الحزب الوطني و مجموعة من قدماء التلاميذ في حالة استنفار، مرتدين ملابس من الصوف لأن الجو كان باردا و ممطرا. وكانوا ينتظرون أن يلقى عليهم القبض بين الفينة والأخرى ويبدو أنهم كانوا قد استعدوا لمقاومة البرد و زنازن السجون فلبسوا لباسا دافئا وقالوا لنا لقد أصبح يتعذر أن توقعا على العريضة لأنه تم التوقيع عليها من ممثلي جميع جهات المغرب ولم يعد بالإمكان تغيير نصها بإدماج اسم الحركة القومية فقلت فليكن توقيعنا بدون اسم الحركة القومية وانتظرت حتى الساعة الواحدة صباحا بمنزل الحاج أحمد بلافريج الذي كان يعج بالزوار ثم قالوا لي أن العريضة لم تصلنا بعد وما أظن انه بإمكانكما التوقيع عليها “ويضيف ” وفي صباح يوم 13 يناير حضر وفد من الحركة القومية إلى القصر حاملا عريضة خاصة موقعة من فروع الحركة بالمغرب وهي تواقيع تم جمعها في أقل من 48 ساعة، وتقدمنا بها إلى جلالة السلطان الذي قال لنا –هذه العريضة لها أهمية كبيرة عندي سأستدعي المقيم العام لأقول له: هاهي عريضة الجماعة الوطنية التي قلت لي إنها غير موافقة على المطالبة بالاستقلال “ويزيد على هذا الكلام توضيحا آخر ” وفيما بعد عرفنا أن محمد بن الحسن الوزاني استقبل المبعوث في إقامته المحروسة بايدزر ووافق على المطالبة بالاستقلال لكنه انتقد شكل العريضة ” فلماذا رفض الوزاني شكل عريض حزب الاستقلال و الشخصيات الحرة؟، يجيبنا بوطالب بقوله ” الوزاني كان يحب الإتقان، ويميل إلى الإطناب فيما يكتب و التوسع في عروضه السياسية ولما اعترض الوزاني على شكل العريضة –وليس مضمونها – اعتبر الاستقلاليون انه امتنع عن تزكية العريضة “. ولكن يظهر أن هذه العرائض لم ترق الوزاني الذي بعدما غير اسم حزبه إلى حزب الشورى و الإستقلال يقدم مذكرة 23 شثنبر 1947 التي لخص فيها طريقة الحوار مع فرنسا و نوعية الحكومة التي يجب أن تؤسس في انتظار أن ينال المغرب استقلاله. لكن هذه الأحداث ظلت في ذاكرة أصحابها، حاول بعض الباحثين الخوض فيها وهي اليوم تقبع بين سطور الكتابات الأكاديمية، فهذه الذواكر الوطنية ملك للأجيال جميعها ومن حقها أن تطلع على صفحات مجيدة كتبها رجال عرفوا معنى الكفاح والنضال من أجل الحرية والاستقلال،ليس غرضنا من هذه المساهمة إظهار الخلاف الشوري – الاستقلالي،وإنما إظهار حدث مغمور وترسيخه في ذاكرة الجيل الجديد،الذي صارت له مسافة زمنية مع الأحداث تمكنه من الحكم عليها بموضوعية.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات