القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

الجيش العثماني في الجزائر.


يعد التاريخ العثماني من بين أكثر التواريخ تأثيرا في العالم عبر عصور ممتدة عبر قرون عديدة، و قد لهذه الدولة تواجد في ساحة الأحداث العالمية و في مختلف المناطق و قد شهدت الدولة العلية مجموعة من الحروب التي قادتها في أحيان عديدة ضد أعداءها و في أحيان أخرى واجهتها فإنتصرت في بعضها و إنهزمت في بعضها الآخر.

و إنني إذ أحاول سبر غور جزئية ذات أهمية قصوى في أي دولة و في الدولة العثمانية بالخصوص و هي جزئية الجيش فإنني بدون أدنى شك أعترف بالصعوبة التي يواجها اي باحث سواء أكان مبتدأ في التعامل مع المصادر و المراجع الخاصة بالتاريخ العثماني أو كان ممن لهم تجربة طويلة مع هذا النوع من الوثائق، إذ أن ما هو متوفر يظل غير كافي على الاطلاق للإجابة عن مجموعة كبيرة من الاسئلة التي تطرح بإلحاح حول التاريخ العثماني.

و مع هذا الواقع العلمي فإننا و بدون أدنى شك ايضا نلاحظ وجود صحوة فكرية في ما يخص التاريخ العثماني قاده الكثير من الباحثين المشارقة و المغاربة على حد سواء كتبوا و بحثوا بكل جد في خبايا هذا التاريخ، و قد أفرزت هذه المجهودات مراجع لابأس بها تهدي الباحث المبتدأ و تنير طريقه خلال ملامسته للتاريخ الخاصة بالدولة العلية.

إن موضوع الجيش يكتسي بدون شك أهمية كبيرة لما لهذه المؤسسة من أهمية في حماية الدولة في مواجهة الخارج أو حتى في استتباب الأمن و الحفاظ عليه، فخصها السلاطين و قادة الدول بأهمية خاصة و عناية لم تحظى بها باقي الميادين بل إن الإشراف عليها كان في أغلب الأحيان من الإختصاصات المباشرة للسلاطين سواء في الدولة العثمانية أو في غيرها من الامبراطوريات و الدول، و إنني إذ أتناول هذه الجزئية لما أرى فيها من أهمية فإنني سأحاول قدر جهدي أن أضع تصور عاما للوضعية العسكرية للدولة العثمانية في الايالة الجزائرية، متجاوزا بذلك لنقص الحاصل في المادة المرجعية، و معتمدا على ما هو متوفر و متعارف عليه بالإضافة إلى بعض المقالات الخاصة المنشورة لباحثين جزائريين و أتراك.

عرفت الدولة العثمانية حسب بعض المصادر قيام أول جيش نظامي مهمته الوحيدة هي الدفاع عن الوطن و التوسع في مختلف المناطق و كانت هذه الفكرة التي لطالما اختمرت في أذهان السلاطين و المسؤولين العثمانيين ذات حدين ففي بداية تشكيل الانكشارية ساهمت هذه الفرقة العسكرية النظامية في التوسع و الانتشار غير أنها ما لبثت أن انقلبت على مهمتها الاساسية و اصبحت جزء من المشاكل التي عانتها الدولة العثمانية و عرقلت مصالحها و إصلاحتها لمدة طويلة قبل أن يتمكن محمود الثاني في مجزرة تاريخية من القضاء عليهم بشكل كاملو تخليص الدولة من شرورهم.

يذهب سامح التر في كتابه ” الاتراك العثمانيون في افريقيا الشمالية” إلى أن التشكيلات العسكرية في الدولة العثمانية بالجزائر لا تختلف كثيرا عن تلك الموجودة في كافة ربوع الامبراطورية و قد خصص حيز مهما من كتابه للكثير من المعارك و المؤامرات التي شاركت فيها تلك الفرق العسكرية، غير أنه في حديثه عن التشكيلات العسكرية العثمانية بالدولة العثمانية تحدث عنها بشيء من الاختصار دون الدخول في التفاصيل المعمقة.

فالجيش العثماني كان لمدة طويلة تحت إمرة السلطان و قيادته المباشرة و كان السلطان هو القائد الأعلى للقوات العسكرية في حين كان الصدر الأعظم نائبا له في القيادة قبل أن يتمكن من الوقوف على هذا الاختصاص السلطاني فصار حينها الصدر الأعظم هو القائد العام لهذه القوات.[1]

لقد كان الجيش العثماني يتكون من ثلاث فرق تنضوي تحتها مجموعة من الفرق الآخر، ( عبيد الباب أو ما يسمون بـ ‘قابي قول’ و هم حرس خاص خصصت لهم مجموعة من الثكنات العسكرية و يتقاضون رواتب مالية مقابل خدماتهم، أما الفرقة الثانية فهي عسكر الإيالة،  و الفرقة الاخيرة هي البحرية العسكرية).

لقد تم تقسيم “قابي قول” الى مجموعة من الأوجاق و على رأس كل أوجاق قائد يسمى آغا الأوجاق، و إذا ما أردنا حصر هذه الأوجاقات فإننا سوف نسردها على شكل سبع فرق كما هو وارد عند الباحث سامح التر، وهي كما يلي :

-          الانكشارية (يني جري).

-          الغلمان الأعاجم.

-          الجعبجيلر ( و هم أوجاق المدفعية اي المتخصصون في العمل على المدفعية).

-          الطوبجية ( و هي الفرقة العسكرية المكلفة بالمدفعية).

-          قومبرجي ( الفرقة المتخصصة في رمي القنابل).

-          طوب عربجي (المكلفون بعربات الدافع).

-          السفالر (و هم حملة الماء و تنحصر مهمتهم في خدمة العساكر).[2]

·         الانكشارية (يني جري):
يرجع تأسيس هذه الفرقة العسكرية إلى عهد مراد الأول و صدره الاعظم جندرالي خير الدين باشا، فقد شغل السلطان و حاشيته ضرورة إيجاد جيش دائم مهمته الوحيدة هي القتال و الحفاظ على المجالات التي توسعت فيها الدولة بالاضافة إلى التوسع بشكل اكثر في المجال المحاذي للدولة العثمانية.

في سنة 1363م، قرر السلطان مراد  و الصدر الاعظم باشا خليل أن يتم تجنيد الاطفال الصغار من الدول المسيحية التي يتم الإستلاء عليها و أن يتربى هؤلاء الأطفال على مبادئ الدين الاسلامي و الثقافة التركية على أن يكون ولائهم الأول و الأخير للسلطان بإعتباره القائد الأعلى و ‘الأب الروحي’ لهم، كان هؤلاء يرسلون إلى ثكنات عسكرية خاصة ” عجمي أوغلان” بمعنى شاب مستجد حتى إذا تلقوا تدريبا جيدا صاروا صاروا “يني جري عجمي أوغلان” اي شاب انكشاري مستجد، و قد حصل هؤلاء الشباب على تسليح عسكري متقدم بالمقارنة مع باقي الفرق العسكرية كما كانت هذه الفرقة تتلقى راتبها بشكل دوري (كل ثلاث أشهر حسب الكثير من الأبحاث) و يتم ذلك في إحتفال عسكري رسمي.[3]

و بالرجوع إلى إيالة الجزائر فقد كانت الإنكشارية تختلف كثيرا عن إنكشارية الأناضول ففي الوقت الذي كانت فيه هذه الأخيرة تتكون من “الدفشرمة”[4] فإن الأولى كانت في الغالب تتكون من عناصر “مغضوب عليها” خاصة من ذوي السوابق العدلية و محبي المغامرة و الحكايات و البطولات فقد كان هناك ممثلين لأوجاق الغرب يحملون أعلام و يتجولون في الاسواق منادين على من يود الحصول على المال دون تعب و لا جهد أن يلحق بهم، فكان هؤلاء يقومون بإرسال المتطوعين إلى الجزائر، على أن الشرط الوحيد الذي كان يجب توفره في العنصر المرسل الى الانكشارية بالجزائر أن يتوفر على الجنسية العثمانية و قد حضي هؤلاء بمكانة كبيرة في بلاد المغارب على حساب السكان المحليين.[5]

و مما يدل على هذه الرفعة التي حضي بها العنصر التركي – العثماني هو أن البربر و الأندلسيون و الكرغلية يمكنهم تأدية الخدمة العسكرية و الانضواء تحت فرق العساكر لكن لم يكن من الممكن أن يكونوا من الانكشارية أبدا.

يرى الباحث عزيز سامح التر أن الإنكشارية بالجزائر تراوح عددها ما بين 6000 و  22000 عنصر يقطنون في ثكنات عسكرية عرفت بالقصرية بها غرف عديدة تخصص كل غرفة لثلاث عناصر، و قد كانت بالجزائر المدينة سبع ثكنات لهم يسهر على خدمتهم فيها الأسرى. و إلى جانب الخدمة العسكرية مارس الانكشاري مهام أخرى كل حسب الصنعة التي يتقنها كما تزوجوا من الجزائريات المحليات غير أن أبناءهم لم يحضوا بنفس المكانة التي حضي بها آبائهم فقد سموا بالكرغلية أو بقول أغلو أي ابن العبد، و هؤلاء و رغم تميزهم على بقية الفئات الاجتماعية الجزائرية فإنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى الكثير من الرتب و المهام العسكرية و الإدارية.

 -          الغلمان الأعاجم أو الأغرار:

و يطلق عليهم ايضا “اليولداش” أي الرفاق و يطلق على من قضى في الخدمة منهم زمنا من الوقت ” اسكى اليولداش”، و حسب الاستحقاق و الأصل التركي فإنه يمكن لعنصر اليولداش أن يصل إلى رتبة آغا الانكشارية، و قد تراوح عدد البلوكباشي بالجزائر ما بين 40 و 60، و البلوكباشي هو رئيس رؤساء الاقسام الثلاثة بالانكشارية (الجنود الأغرار أو أعجمي نفرلري و مهمتهم التدريب و التعلم، الافراد المدربون الفعال و المقاتل، المتقاعدون و المستعملون في الخدمات الثابتة و الإجتماعية).[6]

·         علاقة الإنكشارية ببعض المجموعات العسكرية الأخرى.
أشرنا في السابق إلى أن العناصر الإثنية المحلية لا يمكنها الانضواء تحت لواء الانكشارية رغم السماح لها بالعمل في مراكز عسكرية أخرى من قبيل الخيالة، و هنا يورد الباحث عزيز سامح التر معلومة تستلزم الكثير من البحث فيها،  فقد أورد أن الدولة العلية ” قد شكلت مفرزة خيالة من السكان المحليين أطلق عليها لقب (المخازن)” لربما كان للأمر علاقة ما بنظام المخزن المتعارف عليه بالمغرب، يظل هذا الأمر مجرد تخمين يستلزم البحث بشكل أكبر.

فيما يخص علاقة الانكشارية بباقي الفرق العسكرية فقد أوردت الأبحاث أن العلاقة كانت أقرب بكثير إلى السوء منه إلى التفاهم و التعاون، فقد أورد الباحث “دي غراممنت هنري ديلماس” في كتابه تاريخ الجزائر تحت حكم الأتراك 1515 -1830، أن الإنكشارية كانت منضبطة فقط في حالة تولي آغا قوي رئاستها في حين تعرف نوعا من الطغيان في حالة ضعف الآغا و أن هذا الطغيان تميز بالعجرفة و التكبر و يضيف الباحث دائما حسب ما اورده عزيز سامح التر أن خير الدين برباروسا عمل على تكوين فرقة المهتدين[7] لخلق نوع من التوازن و السيطرة على الانكشارية و منعها من التمرد، و نظرا للقوة التي كانت تشكلها فرقة المهتدين فقد خشيتها الانكشارية و كانت تحسب لها آلف حساب و تتجنب التواجه معها أو المس بالنظام العام ما قد يشكل ضربة قاضية لهم و لمصالحهم بالجزائر، بل إن وفاة خير الدين بربروسا لم تمنح للإنكشارية فرصة للإنقضاض على الوضع العامة و التحكم في البلاد كما يحلو لها فقد تميز علج علي باشا “يعرف في بعض الكتابات بقلج” بالقوة و حافظ على الاسس التي قامت عليها الايالة زمن سلفه خير الدين.

ما إن بدأ عهد الأمراء حتى شاعت الفوضى بسبب الانكشارية الذين أخلوا بالنظام العام الأمر الذي دفع أمير الأمراء حسن باشا إلى التفكير بحل الانكشارية و تكوين جيش منظم و مطيع يعمل على الحفاظ على النظام و السير العام العادي للإيالة، غير أن هذه الفكرة كان مصيرها الفشل بعدما أشاع الإنكشاريون أن الامير حسن يعمل على تكوين جيش وطني كخطوة أولى للإنفصال عن الخلافة العثمانية.[8]

لقد تميزت البحرية على عهد خير الدين برباروسا بالانضباط و الخدمة الجدية، و كانت الخزينة مليئة بعائداتهم التي كانت تخصص جزء منها للباب العالي، غير أن الفساد سوف يدب في صفوفها عندما بدأت سيطرة الانكشارية تظهر للعيان و بعدما منح هؤلاء الحق لأنفسهم بمشاركة الرياس في الغزوات البحرية.[9]

سعى الكراغلة (يعرفون في بعض الابحاث و الكتب بالقولوغلية) إلى الحصول على بعض الامتيازات الخاصة و التي من شأنها أن ترقى بهم إلى مستوى العنصر التركي، غير أن الإنكشارية رأت في هذا المسعى إضرار بمصالحها و تهديد لها ما دفعها لصد كافة تلك المساعي و إحباطها و لم يشفع للكراغلة أنهم من نسل الانكشارية و إن كانوا من نساء محليات.[10]

نتيجة لطريقة تعامل الانكشارية مع تطلعات الكراغلة، عمل هذا الفصيل على التحالف مع السكان المحليين لإثارة القلاقل و الضغط على الانكشارية التي كانت في كثير من الاحيان تضغط على السكان لدفع الضرائب و الهدايا التي تعود بشكل كبير إليهم دون الدولة العثمانية، و لعل أكثر الأحداث الدموية التي تواجه فيها الانكشارية مع الكرغلية هي تلك التي حصلت في نهاية القرن السادس عشر(1005هـ/ 1596م)  فنتيجة الفساد الطاغي على الانكشارية و تحولهم إلى آلة للنهب و السرقة عمل الباشا خضر على غير عادة الباشوات الذين سبقوه على مواجهتهم و تسليح الكراغلية ما أدى إلى أنهار من الدماء أغرقت ازقة الجزائر .[11]

·         عساكر البحرية:
بعد حديثنا على فصيل الانكشارية الذي شكل إحدى ركائز الدول العثمانية و جيشها سوف أمر للحديث عن فصيل أخر كانت له أهمية لا تقل عن الانكشارية، إنهم عساكر البحر أو القوة البحرية العثمانية بإيالات الغرب، و هم جنود يعملون في ما يسمى بـ”الترسانات” أي دار صناعة السفن، يطلق عليهم إسم “اوجاق الترسانة” و تنضوي تحته العديد من الأوجاقات و يتألف هذا الاوجاق من صانعي السفن و من المحاربين فوق السفن (صنف الحرب)، و تعمل البحرية تحت إمرة قائد الاسطول (القبطان باشا).

عرفت الدولة العثمانية تأسيس قوتها البحرية سنة 1390م غير أن اوج القوة البحرية العثمانية سوف يكون مع محمد الفاتح الذي تمكن من جعلها مضاعفة لقوة البنادقة بعدما كانت إلى غاية 1470، و هكذا سار بايزيد الثاني على نهج والده في الاهتمام بالأسطول العثماني و محاولة تطويره بما يخدم الدولة و قوتها في مواجهة الأعداء، هذا الإهتمام استمر إلى غاية اعتلاء سليمان القانوني للعرض العثماني (1520 – 1566م) هذا السلطان الذي وازن بين اهتمامه بالجيش و بين اهتمامه بالأسطول بل إنه في كثير من السنوات خص الاسطول بعناية خاصة.[12]

ترجع بداية تأسيس أوجاق البحرية إلى بداية التواجد العثماني في السواحل المتوسطية بالحوض الغربي، و ذلك مع وصول عروج و رفاقه هؤلاء الذين زاولوا القرصنة (الجهاد البحري) و قد عرف هؤلاء بمرابطي البحر إذ عملوا على التصدي لكافة أشكال التحرشات المسيحية بالمناطق و السفن الاسلامية كما عملوا على نجدة أهل الأندلس و نقلهم إلى السواحل الاسلامية بعيدا عن آلة البطش النصرانية التي فتكت بهم بعد سقوط الاندلس في يدهم. لقد تميزت العلاقة ما بين ‘الريس’ و هو قائد السفينة و ما بين البحارة من مرافقيه بالودية و الأخوية و كانت هذه العلاقة الطيبة هي الدافع وراء خضوعهم له و الإنقياد لأوامره و كانوا يعتبرون الريس أكثرهم شجاعة و إقداما و قدرة على المناورة و القيادة في أحلك الظروف، و قد سارت البحرية العثمانية على هذا المنوال في عهد خير الدين إلى غاية توصلها بدعم من الباب العالي بعد بيعة الأول للثاني، و قد قدر الدعم بألفا إنكشاري و قد عمل هؤلاء على تأسيس أوجاق الجزائر لتوصلوا فيما بعد بـ 4000 متطوع جديد  لتأخذ البحرية شكلا رسميا مشابها إلى حد كبير أوجاق استانبول، غير أنها و رغم ذلك ظلت تحتفظ باستقلاليتها في إتخاذ القرارات و كيفية تنفيد المهمات التي يكلفهم بها وفق ضمانات يحصلون عليها، كما أن البحرية العثمانية ظلت مستقلة عن كافة أشكال الإدارة بالإيالة الجزائرية فهؤلاء كانوا بعيدين كل البعد عن قادة الانكشارية و عن الباشوات و لعل أبرز مظاهر استقلاليتهم تتجلى في عدم انخراطهم أو تضررهم من أحداث سنة 1596م.

تميز البحارة بالإحترام الشعبي داخل أنساق المجتمع العثماني – الجزائري، فنتيجة ظل الانكشارية هرب التجار و القادرون على إدارة الشأن الإقتصادي إلى خارج المدن ما جعل البحارة مصدرا مهما للرواج و الرخاء، و قد كانت الانكشارية تتجنب التواجه معهم لطبيعة العلاقة التي تجمعهم بالأهالي و تأكدهم من أن الناس سوف يقفون في صف البحارة في حالة نشوب اي صراع عسكري بينهما. تمكن قادة اوجاق الترسانة في سنتي 1615-1616م، من طرد رئيس البوابين و تولي إدارة الجزائر، وفي عهد الريس رجب و قفله حسن شهدت البحرية انتشار الظلم بعد اعتبارهم كل ما يطفو فوق البحر غنيمة لهم، الأمر الذي جعل “القرصنة” نشاط مدر للدخل و مصدر للثراء فعمل الأغنياء على صناعة السفن الخاصة بهم فين حين شارك الفقراء التجار في هذا النشاط و باعت النساء مجوهراتهن و شاركن بحصص من الارباح في السفن التي تعود محملة بالغنائم، هذه الوضعية التي أصبحت عليها البحرية خلقت جو من الفوضى العامة خاصة أن الريس لم يعود عندهم أدنى إهتمام بشرف ‘المرابطين في البحر’ و لم يخضعوا لتعليمات السلطان في استانبول الذي كان يأمرهم بعدم التعرض للسفن الفرنسية و التي و مع ذلك تعرضت إلى خسائر جمة قدرت بثمانين سفين و 1300 اسير ما بين سنتي 1628 و 1634م.[13]

لوحة لمعركة " نافارين" Navarin  سنة 1827م التي حطم فيها الاسطول العثماني -الجزائري.
لوحة لمعركة ” نافارين” Navarin سنة 1827م التي حطم فيها الاسطول العثماني -الجزائري.

معركة نافارين: بداية نهاية البحرية الجزائر العثمانية:
شهدت يوم 20 أكتوبر من سنة 1827م، معركة عظمى جرت فصولها في خليج ‘نافارين’  الذي حملت المعركة اسمه (معركة نافارين البحرية Navarin Deniz Muharebesi) ، دارت رحاها ما بين البحرية العثمانية مدعمة بالأسطول المصري والأسطول الجزائري و ما بين الأسطول الأوروبي المكون من الاسطول الفرنسي و البريطاني و الروسي، و قد إنتهت هذه المعركة بإنهزام الأسطول العثماني و تدمير الأسطول الجزائري بشكل شبه كامل.

وفقا لمقتضيات اتفاق لندن المؤرخ بالسادس من يوليو 1827م، ألزمت كل من فرنسا و بريطانية العظمى و روسيا على الحفاظ على الحكم الذاتي لليونان و حماية اليونانيين من أي انتقام قد تفكر فيه الدولة العثمانية ضدهم خاصة و أنهم ثاروا ضدها، توجه الأسطول الأوروبي إلى الخليج اليوناني قصد الحماية و كذلك في محاولة منه لإجبار الأسطول العثماني على مغادرة مياه الخليج اليوناني ‘نافارين’، غير أن الاستعراض الذي حاول الأوروبيون من خلاله إبراز قوتهم تحول إلى معركة حربية.

الملفت للنظر في هذه المعركة أن الأسطول العثماني كان متفوقا من حيث عدد الرجال و كذلك التجهيزات بل إنه كان يتجاوز قدرات الأوروبيين بأضعاف عدة، غير أنه فجع بالهزيمة النكراء التي لم يسعفه الدعم العثماني الجزائري في تجاوزها أو التخفيف منها، فخسر الكثير من سفنه و قتل آلاف من رجاله و تحطمت معنويات الدولة و صغرت في عين أعداءها، حتى أن الاستقلال اليوناني عن الدولة العثمانية كانت تلك المعركة هي الخطوة الأولى فيه، غير أن ما يهمنا في موضوع هذه المعركة أن الهزيمة فيها كانت بداية لاحتلال الجزائر و هو الأمر الذي تم بعد ثلاث سنوات من تاريخها اي بعد أن فقد الدولة العثمانية هيبتها و بعدما فقد الاسطول الجزائر مكانته في حوض البحر الأبيض المتوسط.[14]


[1]  سامح التر، ص 130

[2]  نفسه.

[3]  يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية، المجلد الثاني، ص.ص، 388،389.

[4]  الدفشرمة  و هي عملية جمع الشباب الذين يتم جمعهم من مختلف المناطق المسيحية و تكون أعمارهم ما بين ثمان سنوات إلى غاية 18 سنة على الأكثر، هؤلاء يخضعون لتداريب عسكرية و يتلقون مبادئ الدين الاسلامي و الثقافة العثمانية ليصبحوا من نخبة الجيش العثماني.

[5]  سامح التر، ص 133.

[6]  المرجع السابق، ص 134.

[7]  المسيحيون الذين دخلوا في الدين الاسلامي.

[8]  سامح التر،ص 138.

[9]  المرجع السابق، ص 139.

[10] نفس المرجع، ص 281.

[11] المرجع السابق، ص،ص. 272-278.

[12] يلماز، ص،ص. 421-422.

[13]  التر، ص.ص، 277-280.

[14]  مقال بموقع قصة الإسلام مقتبس من كتاب : “أيام لا تنسى.. صفحات مهمة من التاريخ الإسلامي” لمؤلفه تامر بدر.

بقلم الطالب الباحث: مهوشي سفيان – كلية الآداب و العلوم الانسانية – جامعة ابن طفيل.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات