القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

المغرب خلال النصف الأول من القرن 19م


المغرب خلال النصف الأول من القرن 19م

الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية قبيل معركة ايسلي: 
تعددت الأطماع الأوربية وتكالبت المخططات الاستعمارية على مغرب القرن التاسع عشر ليجد نفسه أمام مجموعة من التحديات تعود في عمومها إلى اختلال في موازين القوى بين أوربا صناعية ومغرب ما زال يجتر دواليب عتيقة موروثة عن الماضي . ولكي نقف على مختلف جوانب الضعف المغربي خلال القرن 19م نستنير بالأسئلة التالية:
 كيف يفسر المؤرخون ازدياد النهم الاستعماري خلال هذه الفترة بالذات؟
ما هي الظروف العامة التي عاشها مغرب النصف الأول من القرن 19م والتي كشفت الحجاب عن ضعف شامل؟الفصل الأول : الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية قبيل معركة ايسلي:
تحدثت المصادر التاريخية المغربية التي تناولت الفترة المدروسة عن تردي الأوضاع السياسية ابتداءا من نهاية القرن 18م وقد عبروا عن هذا التردي ببروز أزمة العرش التي تلت فترة حكم سيدي محمد بن عبد الله.
وسوف تتجدد هذه الأزمة بعد ذلك بسنوات أي بعد وفاة المولى سليمان رغم أنه سعى وكما يؤكد ذلك أكنسوس إلى نقل السلطة إلى خليفته عبد الرحمان بن هشام . كيف ذلك؟
يشير المؤرخ أكنسوس إلى أن المولى سليمان قد قطع الطريق أمام الفتنة بتعيينه المولى عبد الرحمان بن هشام خليفة له، وقد تمت هذه البيعة في أخريات شهر ربيع الأول سنة 1238هـ الموافق لأول دجنبر 1822م
غير أن الناصري الذي أورد هو أيضا نفس الخبر يشير في مجال آخر من كتابه إلى أن "بربر" الأطلس المتوسط بزعامة إبي بكربن مهاوش والحاج محمد بن الغازي الزموري قرروا رفض بيعة السلطان.يقول الناصري:"وربما شايعهم على ذلك بعض غواة العرب مثل الصفافعة والتوازيط من بني حسن وزعير وجل عرب تادلا" ص6ج9
إلا أن ثورة العرب و " البربر" هاته ما لبثت أن خمدت لأسباب تجملها الكتابات التاريخية في بروز عامل ديني صوفي ساهم في توحيدالصفوف ويتعلق الأمر بالشيخ عبد الله الدرقاوي المسجون عند الجيش السلطاني والذي أطلق سراحه مقابل تراجع محمد بن الغازي عن ثورته وهوأكبر أتباع الطريقة الدرقاوية وأبرز مريديها .
ولم تكن هذه هي المحاولة الوحيدة لسلب السلطة من المولى عبد الرحمان بن هشام بل كانت هناك محاولة أخرى لكنها أقل عنفا ويتعلق الأمر ببيعة المولى عبد الواحد بن المولى سليمان في تافلالت ثم تحركه من أجل استكمال بيعة أهل المغرب له لكنه تراجع عن ذلك لما رأى السلطان عبد الرحمان بن هشام قد سبقه إلى ذلك وضمن بيعة العاصمتين فاس ومراكش(كما ورد عند أكنسوس والناصري).
ويمكن أن نجمل ما كانت عليه الحالة السياسية قبيل معركة إيسلي فيما نقله إلينا صاحب الجيش العرمرم قال:"وحاصل الأمر أن هذا السلطان رحمه الله ( أي عبد الرحمان بن هشام) وجد الدولة قد ترادفت عليها الهزاهز، وصارت بعد حسن الشبيبة إلى قبح العجائز. قد تفانت رجالها وضاق مجالها..."
ومن أهم مناطق التوتر التي تحدث عنها أكنسوس شمال المغرب عند قبائل الأخماس المجاورة للشاون ، والتي تجددت فيها الثورة سنة 1248هـ الموافق ل1825م بعد ثورة أولى كانت على عهد المولى سليمان(1793ـ1799).وإذا كانت هذه الثورة قد أخمدت إلى حين (فستتجدد حسب الوثائق المخزنية سنة 1840م باعتداء الأخماس على جيرانهم ونهبهم أموالهم )فإن وضعية غمارة كانت ملفتة للانتباه نتيجة تردي أوضاعها الاقتصادية وظلم ولاتها وبطشهم.(وما يلفت الانتباه إلى غمارة هو وجودها غير بعيد عن أحداث الشرق أي أحداث احتلال الجزائر 1830م).
   ومن الأماكن الأخرى التي استرعت الانتباه بتوراثها الزاوية الشرادية (1244هـ/1828م).كان لثورة الزاوية الشرادية ذيول تاريخية تعود إلى فترة حكم المولى سليمان لكن الأمر ما لبث أن اسقر لفائدة السلطان الجديد الذي تلقى البيعة من المهدي بن محمدالشرادي نائبا عن أهل الزاوية .إلا أن ولاة السلطان بالمنطقة قد غالوا في البطش و"جمع الأعشار و الزكوات على غير وجهها الشرعي"كما هو مذكور عند الناصري ص18.فكان ذلك سببا في ثورة أهل زاوية الشرادي ، وكان لهذه الثورة عواقب وخيمةعلى الأمن بالمنطقة. وتتجلى قوة الزاوية الشراديةفي الاستعدادات الكثيفةالتي قام بها السلطان لردعها فقد :" كتب إلى أخيه المولى المامون (وهو عامله على مراكش)باستنفار قبائل الحوز وجمعها عليه ، وسار السلطان في جيش العبيد والودايا وأيت إدراسن وزمور وعرب بني حسن وبني مالك وسفيان ، وكتب إلى الشاوية ودكالة أن تكون خيلهم معدة حين يمر بهم ."الناصري ص18 .إلا أن اخماد ثورة الشرارد سبقتها اخماد ثورة هشتوكة وشياظمة بأحواز أزمور بعد أن تزايدت أخطارهم على التجار و الحجاج على حد سواء.
وقد انتهت ثورة الشرادة على ما تشير إلى ذلك الكتابات التاريخية بدخول السلطان إلى زاويتهم وفرار زعيمهم المهدي بم محمد الشرادي.
المنطقة الأخرى التي استرعن الانتباه وشكلت حلقة ضمن الوجه السياسي للمغرب قبيل معركة ايسلي هي منطقة زعير.
شكلت زعير عنصرا مساندا لثورة الأطلس المتوسط التي تحدثنا عنها سابقا . وقد دخلت في بيعة السلطان بعد اخماد   هذه الثورة لكن ما لبثت الثورة أن تجددت فيها خصوصا عند محاولة جباية الضرائب الشرعية (الزكاة والأعشار).ففي 1247هـ/1831م رفض عدد كبير منهم أداء الجباية وحاولوا القضاء على المحلة المخزنية.وقد تحدث محمد داود صاحب تاريخ تطوان ،ج 8 ص 229ـ230 عن هذه الحادثة قائلا:"فقتل منهم عدد كثير ، وقبض على عدد كثير ولولا أن الليل غشيهم لاستأصلت المحلة جميعهم."وتجددت ثورات زعير خلال سنوات 1845م و1849 م.
ومن المناطق الأخرى التي شهدت ثورات متباينة منطقة الجنوب الشرقي : تافلالت ،وتعود هذه الثورات إلى الصراع التاريخي القائم بين أين يفلمان وأيت عطا والذي اتخذ هنا شكلا جديدا بايذاء أيت عطا للأشراف تضييقهم الخناق عليهم ،في حين كان فيه أيت يفلمان يدودون عنهم ويبالغون في إكرامهم ، حتى ظهر بينهم ابراهيم يسمور اليزدكي الذي هزم أيت عطا ونال حظوة لدى السلطان الذي عينه نائبا عنه بالمنطقة فقال الناصري:"وطار ذكره وسرت فيه نخوة الرياسة فأراد الاستبداد واستحال حاله إلى الفساد ، حتى صار يرد على السلطان أوامره".ص68ج9.وانتهت ثورة هذا الأخير بقتله من طرف أحد أقربائه سنة 1854م.
   من لبن الثورات الأخرى التي شهدها مغرب النصف الأول من القرن 19م ثورة الأودايا المؤرخة بحوالي 1246م ـ1247م/1830م ـ 1831م، والتي ترتبت عن أحداث الجزائر من جهة وعن الخلل في تنظيم الجيش المغربي خلال هذه الفترة . لذلك سنرجئ الحديث عن هذه الثورة إلى حين الحديث عن ردود فعل المغاربة إزاء احتلال الجزائر ، على أن خلفيات هذه الثورة وعواقبها منصوص عليها في المصادر التالية: الناصري ، الاستقصا ،ج9ص32ـ41،وتاريخ تطوان لمحمد داود ج8 ص222 . وقد أورد محمد داود خطابا سلطانيا يشرح رغبة السلطان عبد الرحمان بن هشام في اصلاح وضع لودايا سلميا ، واستجاب السلطان لطلبهم الرامي إلى عزل عدد من ضباطهم إلا أن ثورتهم لم تخمد مما حذا بالسلطان إلى نقلهم وتشريدهم لتشتيت شوكتهم الاستقصا ،ج9 ص 38ـ41 .
خلاصة:
إن التمعن في الأحداث السياسية التي شهدها مغرب النصف الأول من القرن 19 تحيل على وجود ثورات امتدت في جميع أنحاء البلاد.ورغم اختلاف أماكن الثورة و حجمها وخطورتها على المخزن فإن هناك قواسم مشتركة بينها:
 امتدادها بين القبائل سواء كانت القبائل عربية أو أمازيغية
اصطباغها بصبغة دينية:الشيخ الدرقاوي،صلحاء الريف، اللجوء إلى الأضرحة اتقاءبطش المخزن، الزاوية الشرادية،شرفاء تافلالت ، انتهاك حرمة الحجيج بالنسبة لثورة شياظمة وهشتوكة....
كشفها عن أوضاع اقتصادية متردية :منها الرغبة في التملص من أداء الضرائب الشرعية ـ اعتراض سبيل القوافل التجارية ـالنهب المستمر للمحلات السلطانية...
كشفها عن أوضاع عسكرية خاصة:ـثورات في صفوف الجيش(جيش لودايا)ـ ضعف في التجهيزات وجود جيش نظامي ضعيف و ضرورة تعزيزه بالقبائل المستنفرةـ عدم وجود اختلاف بين أسلحة و مؤونة الجيش النظامي وأسلحة و مؤونة الثوار.
وأما هذه الوضعية السياسية المتردية كانت للسلطان عبد الرحمان بن هشام محاولات اصلاحية في المجال السياسي منها ما وقفنا عليه من رغبة في اخماد الثورات و الحد من امتدادها ومنها ماهو معروف عن السلطان من تخليه عن سياسة اسلافه في ترك مسؤولية السكان لزعمائهم المحليين دون تعيين ممثلين عن السلطة. وهذا ما يفسر توالي التمردات وامتدادها على طول مدة حكم هذا السلطان .إذ أن اجراءه هذا مفيد لسياسة المخزن بالمنطقة ولكنه مضر بالمصالح الخاصة لزعماء القبائل الذين شكلت ثوراتهم تعبيرا واضحا عن تضرر مصالحهم.

2 ـ الوضعيةالإقتصادية قبيل معركة ايسلي:
 سنقف خلال حديثنا عن الأوضاع الاقتصادية قبيل معركة ايسلي على أمور عدة منها ما هو رهين بالفترة المدروسة بذاتها ومنها ما هو موروث عن الماضي القريب، ومن هذه الأمور:
العلاقات الخارجية،وضعية العملة،النظام الضرائبي
أثرت الأزمات والأوبئة على النشاط الاقتصادي خلال النصف الأول من القرن 19م .
      أ)العلاقات الخارجية:
ارتباطا باحداث المغرب خلال النصف الأول من القرن 19م يصبح الحديث عن العلاقات الخارجية رهينا بالحديث عن الجهاد البحري. وإذا كانت ابعاد هذا الجهاد كما تشير إلى ذلك الكتابات التاريخية هو اظهار قوة الاسلام ( محمد داود، تاريخ تطوان،ج8ص142)فإن له نتائج ملحوظة على ازدياد مداخيل المرافئ المغربية من جهة والحد من المنافسة الخارجية من جهة ثانية وتتجلى هذه المنافسة في محاولات التهريب والتملص من أداء الضرائب الجمركية على المفروضة على السلع المصدرة.على أن اتساع حركة الاسطول البحري الأوربي عبر السواحل المغربية وازدياد النداء بحرية التجارة وضرورة القضاء على الجهاد البحري الذي دأبت الدول الأوربية على اطلاق اسم "القرصنة البحرية عليه".كل هذه العوامل ساهمت إلى حد بعيد في تراجع هذه السياسة .وإذا كانت الكتابات التاريخية قد اختلفت حول زمن التوقف النسبي عن ممارسة " الجهاد البحري"فإنها تكاد تتفق على أن محاصرة الأسطول النمساوي قرب العرائش في 31يونيو 1829 ثم قصف النمساويون لهذه المدينة كان سببا مباشرا في مراجعة السطان للعمل بهذا الإجراء. ويجعل الناصري من التحولات العامة التي عرفتها أوربا سببا في تضييق الخناق على المغرب ومنع أسطوله من تجديد سياسة الجهاد . يقول في ج9ص25:"فإنه رحمه الله (أي عبد الرحمان بن هشام ) لما أراد احياء هذه السنة صادف ابان قيام شوكة الفرنج ووفور عددهم وأدواتهم البحرية وصار الغزو في البحر يثير الخصومة و الدفاع و التجادل و النزاع ويهيج الضغن بين الدولة العلية ودول الأجناس الموالية حتى كاد عقد المهادنة ينفصم."
      وإذا كان الجهاد البحري يمثل وجها من وجوه العلاقات الخارجية فإن تعدد الاتفاقيات المبرمة مع الدول الأوربية في النصف الأول من القرن يمثل وجهه. وقد عانى المغرب من بداية القرن من محاولات اخضاعه لهذا الحلف أو ذاك ،خصوصا إبان التوسع النابليوني الذي كان يجد منافسة كبيرة له في الودود الانجليزي بالمنطقة.وإذا كان المغرب قد استطاع تفادي عواقب هذا التكالب بفعل سياسة المولى سليمان المنغلقة فإن الأمور قد تغيرت على عهد خليفته الذي حاول تجديد العلاقات الخارجية مع مختلف القوى الأوربية خدمة لأغراض تجارية.إلا أن محاولته هاته ستفتح الباب أمام التجار الأجانب وأمام البحث عن امتيازات جديدة بمختلف الموانئ المغربية.وفي هذا الصدد يشير الباحث تيمول عبد القادر في كتابهle maroc à travers les chroniques maritimes P273 إلى أن وصول عبد الرحمان بن هشام إلى الحكم سنة 1822م تزامن وظهور البحرية البخارية التي ستفتح عهدا جديدا في علاقات أوربا بالمغرب.واستطاع العاهل الجديد ،ذو السمعة التفتحية ،إعطاء نفس جديد للعلاقات الخارجية وذلك بارساله رسائل  إلى قناصل البلدان الممثلة في بلاده. وكانت هذه فرصة سانحة لإعادة فتح المغرب أمام التجارة العالمية. فالبرتغال ،الذين بحثوا لسنوات طوال عن حماية مضمونة لصياديهم المغامرين في السواحل المغربية،كانت أول من استفاد من هذه الاتفاقية سنة 1823م في حين جددت بريطانيا في 1824م معاهدة 1801م وتممتها ببعض البنود الجديدة . وفي ماي 1825م نقل القنصل الفرنسيsourdeauإلى السلطان نبأ تولية شارل العاشر الحكومة الفرنسية.كما سافر قنصل سردينيا Ermirioإلى فاس ونقل إلى السلطان نص معاهدة تم المصادقة عليها في وقت سابق.

    ب) وضعية العملة المغربية خلال القرن 19م
    شكلت العملة المغربية خلال القرن التاسع عشر موضوع العديد من الدراسات ،أهمها الكتاب القيم مسألة النقود في تاريخ المغرب ،سوس 1822م ـ 1906م للأستاذ عمر أفا،وتتفق هذه الدراسات جميعها استنادا إلى وثائق مغربية و أجنبية على ضعف القوة الشرائية للعملة . ومجمل ما يمكن تسجيله بخصوص وضعية العملة قبيل معركة إيسلي ما يلي: "فإلى بداية القرن التاسع عشر يعتبر مستوى استعمال النقود و الاحتياج إليها محدودا خاصة في الوسط القروي بين مختلف القبائل ، وذلك لبساطة الإنتاج، وعدم وجوده بكمية فائضة تقتضي قيام اقتصاد المبادلة ، وكذلك لوجود تقاليد اجتماعية تجعل كثيرا من السلع والخدمات تؤدى قيمتها بالمنتجات الفلاحية بدون داع إلى وسيط نقدي."عمر أفا ، مسألة النقود ،ص182.
وأمام هذه الوضعية النقدية البسيطة بساطة المخزن المغربي في تلك الآونة ، نشطت عملية تهريب العملة المغربية إلى الخارج , وإذا كانت هذه العملة تتكون بالخصوص من القطع الفضية ،وقطع الفلوس النحاسية والقطع الذهبية فإن الأوربيين دأبوا على تهريب النقود الذهبية والفضية.
وقد تفطن المخزن المغربي إلى هذه المسألة بعد استفحالها وبروز آثارها على الاقتصاد المغربي فأمر السلطان عبد الرحمان بن هشام عامله على تطوان محمد أشعاش بأن يشدد المراقبة على العملة وأن يمنع خروجها إلى الخارج يقول نص الرسالةالمؤرخة ب 14 ربيع الأول 1256هـ الموافق ل16 ماي 1840م:"إن الفضة كادت أن تنعدم بين أيدي الناس لخروجها في الغلاء السابق لا أعاده الله علينا ، لبر النصارى، واليوم بسط الله النعم والخير على عباده ، فالنصارى محتاجون إلينا ، فأردنا استرجاع ما صار إليهم بوجه خفي لا يشعرون به."( كتاب تاريخ تطوان ، محمد داود ، المجلد 8،ص332ـ333)
وإضافة إلى عملية التهريب هاته والتي كان لها الأثر الكبير على الاقتصاد المغربي والتي خلفت عجزا تجاريا ملحوظا، هناك ممارسة أخرى عرفها القرن 19م وهي عملية تزوير العملة . وإذا كانت هذه العملية ، كما تشير إلى ذلك الكتابات التاريخية قديمة فإنها ستستفحل خلال القرن 19م لتصل إلى أوجها في النصف الثاني من هذا القرن وهو ما سنقف عنده عند معالجة الأزمة المالية التي تلت حرب تطوان سنة 1860م.
وعموما شكلت العملة موضوع اهتمام السلطان عبد الرحمان بن هشام من خلال العديد من الإجراءات منها:منع تهريب العملة ومنها إصدار أوامر بالزيادة في ضرب الدراهم الفضية وكان ذلك سنة 1840م.كما دعا إلى الإكثار من الدراهم المغربية .

        ج) النظام الجبائي قبيل المعركة
إن الحديث عن العملة يستلزم الحديث عن مصادر هذه العملة،وإذا كانت مناجم الذهب والفضة والنحاس هي المصدر الأول الذي تتزود منه مراكز ضرب وسك العملة فإن تراكم العملة في خزينةالدولة ، والعكس صحيح ، يتعلق في جانب منه بما يسمى بالنظام الجبائي.
اختلفت موارد بيت المال اعتمادا على النظام الجبائي ،وهذه الارادات هي : الزكوات والأعشار ، الصك (وهو ما يؤدى من حقوق في أبواب المدن على السلع الواردة عليها من داخل البلاد )، المكوس ، الصاكة (وتستعمل في أداء الرسوم الواجبة على الصادرات بينما تستعمل كلمة التعشير في أداء الواجبة على الواردات) ،الجزية وغيرها.وإذا كانت الزكوات والأعشار من الضرائب المعروفة والشرعية فإن المكوس من الضرائب غير الشرعية . والمكس هو المستحقات المفروضة على السلع المعروضة بالأسواق والبهائم المبيعة ، وعادة ما يتم اللجوء إلى هذه الضريبة في حالة فراغ بيت المال ،كما حدث سنة 1762م بأمر من السلطان محمد بن عبد الله. وقد علق الضعيف الرباطي على نتائج هذا القرار قائلا:"وضاق الأمر بالناس غاية الغاية "ص168 . ونتيجة لهذه الردود الفعل العامة التي سجلتها المصادر التاريخية بخصوص فرض المكوس عمل السلطان المولى سليمان بعد توليته على اسقاطها جملة. ولم يخف الناصري ما لإسقاط هذه الضريبة عن الناس من آثار ايجابية في الحد من استياءالرعايا.قال في ج8ص169:"ومن وفور عقله وعدله اسقاط المكوس التي كانت موظفة على حواضر المغرب في الأبواب والأسواق نوعلى السلع و الغلل وعلى الجلد وعشبة الدخان."إلى أن يقول:"وكانت القبائل في دولته قد تمولت ونمت مواشيها وكثرت الخيرات لديها من عدله وحسن سيرته،فصارت القبيلة التي كانت تعطي عشرة آلاف مثقال مضاربة أيام والده يستخرج منها على النصاب الشرعي عشرون وثلاثون ألف مثقال."
لكن الأمور ستتغير على عهد السلطان عبد الرحمان بن هشام نتيجة المستجدات السياسية والاقتصادية التي تحدثنا عنها سالفا والتي تؤكد على تنامي حاجيات بيت المال لتطعيم الاصلاحات الضرورية سواء في مجال الجيش أو الاقتصاد.فعمد عبد الرحمان بن هشام عام 1266هـ/1849م إلى إحياء العمل بضريبة المكس تدريجيا .فبدأ بالجلد ثم البهائم إلى أن اتسع نطاقه في عهد السلطان محمد بن عبد الرحمان ، كما يشير إلى ذلك الناصري في ج9ص61 ومحمد داود في تاريخ تطوان ج8 ص122، والسنة المذكورة أي 1849م تحمل دلالات بالغة إذ أنها تلت مباشرة معركة إيسلي وشهدت عواقبها المالية والاقتصادية.
وإضافة إلى الزكوات والأعشار والمكوس المفروضة على المحليين هناك نوع آخر من الموارد مفروضة هذه المرة على أهل الذمة والأجانب والتي يصطلح عليها بالجزية.
لقد شكلت الجزية خلال النصف الأول من القرن 19م موردا مهما من موارد بيت المال وهو ما لن نجده في النصف الثاني من القرن لأسباب سنقف عليها لاحقا ـإن شاء الله.
كانت الجزية قبيل معركة إيسلي تؤدى لبيت المال المغربي على شكل نقود أو هدايا .ولم تعف أية دولة ممثلة في المغرب من أدائها.واختلفت قيمة هذه الجزية باختلاف حجم مصالح هذه الدول في المغرب.
هذه إذن بعض أنواع موارد بيت المال خلال النصف الأول من القرن 19م سيستمر بعضها خلال النصف الثاني في حين سيتلاشى بعضها الآخر.
وقد ارتبط هذا النظام الجبائي المتحول بفئة معينة من الجباة يسمون محليا بالأمناء أو الخراصون ومعناه القائمون بعملية الخرص وهي عملية احصاء الزكوات وتحديد مقاديرها بالنسبة لكل قبيلة أو دوار.وغالبا ما تكون العملية محاطة بظروف صعبة منها رفض بعض الجهات التخلي عن زكواتها وأعشارها مما ينتج عنه من ثورات سياسية مرتبطة في الأصل بسوء جمع الجباية أو ناتجة عن رفض بعض الجهات أداءها.ولا يخلو كتاب أو مصدر من مصادر تاريخ المغرب خلال هذه الفترة(كتاريخ الرباط،والجيش العرمرم  
و إتحاف أعلام الناس و الاستقصا)من إشارات دالة على تضرر السكان من عملية الجبي التي لا تراعي في بعض الأحيان الحالة الاقتصادية العامة للبلاد. ومن ثمة يشير صاحب
فتمثله "الديوانة".وقد كانت الديوانة تقدم مداخيل أغزر وكانت من جهة أخرى وكما يقول جرمان عياش في مقاله:جوانب من الأزمة المالية المغربية "ص87:" أكثر قابلية تاريخ تطوان(ج8ص197)إلى أن السلطان عبد الرحمان بن هشام وجه مذكرة إلى أهل الزيايدة يحاول من خلالها إقناعهم بأداء الزكوات ،وكان ذلك عام 1246هـ/1830م.
تمثل هذه الأنواع المشار إليها من الضرائب جانبا محليا من جوانب موارد بيت المال المغربي، أما الجانب الثاني للخضوع للرقابة"مما سيجعلها محط اهتمام أغلب المعاهدات والاتفاقيات وحتى الامتيازات التي سعى الأوربيون إلى كسبها على حساب بيت المال المغربي . يراجع بهذا الخصوص كتاب: هراج نعيمة التوزاني ، الأمناء في عهد الحسن الأول، 1873م/1894م. ويسمى في هذا المجال أمين المرسى أو أمين الديوانة (وقد عمل الناصري ضمن هذا الإطار فاشتغل بمرسى الدارالبيضاء ، مما جعله على بينة كبرى من بعض الأمور المالية والأزمات الاقتصادية التي عرفها النصف الثاني من القرن والتي سجلها في كتابه "الاستقصا ج9").
هذا وإن الحديث عن الديوانة يطرح لا محالة حديثا آخر عن التجارة أو ما اصطلح عليه بالصادرات و الواردات.وللوقوف على حجم هذه العملية لابد من التذكير بأن النصف الأول من القرن 19م عرف تراجعا ملحوظا عن سياسة المولى سليمان الاعتزالية. وإذا كان هذا التراجع مرتبطا برغبة السلطان الجديد في إحداث موارد جديدة فإن بعض الباحثين brignon
 et boutaleb et autresمؤلفي كتاب"
Histoire du Maroc" يركزون بالخصوص على التحولات الاقتصادية التي عرفتها أوربا والتي اقتضت البحث عن أسواق جديدة.فإبتداءا من 1830م شهدت أوربا نموا ديموغرافيا ملحوظا استوجب زيادة موازية في الموارد الفلاحية وبما أن المنتوجات المحلية في أوربا لا تفي بالغرض التجأت هذه الدول إلى جهات أخرى فكان المغرب سوقها الأكبر نظرا لتدني أسعار المواد الفلاحية بهذا البلد. كما أن ارتفاع أسعار الخيوط الصوفية والحريرية في أوربا نتيجة تزايد تصنيعها حتم على البلدان المنتجة البحث عن هذه المادة الخام في أسواق المغرب.وقد شكل المغرب إلى جانب ذلك فرصة سانحة لتسويق السلع الأوربية وخاصة تلك المصنعة بمانشستر .إلا أن العملية التجارية " الاستيراد والتصدير"لم تصل إلى مستوى العمليات الكبرى التي سيعرفها النصف الثاني من القرن 19م، والسبب في ذلك يعود إلى أمرين أساسيين أولهما : التزام المغاربة مبدأ الاحتياط من الوجود الأوربي بالمنطقة خاصة بعد احتلال الجزائر سنة 1830م، فكانت العمليات التجارية بين المغرب وأوربا تتم لأجل ذلك تحت مراقبة المخزن وممثليه وخاصة منهم "اليهود".وثانيهما:استمرار ارتباط الاقتصاد المغربي خلال النصف الأول من القرن 19م بالتجارة الصحراوية. وقد استفاد المغرب مرة أخرى من تحول طرق التجارة الصحراوية عن الشرق حيث الوجود الفرنسي لتنشط بعض موانيه الصحراوية ككولميم وتافلالت وتوات،كما عرف ميناء الصويرة نشاطا ملحوظا إذ تسوق عبره المنتوجات والمواد السودانية"ّالذهب والعبيد والعاج وريش النعام "إلى أوربا.

د)أثر الأزمات والأوبئة على النشاط الاقتصادي والاجتماعي خلال النصف الأول من القرن 19م قبيل معركة إيسلي:
                                        
لائحة بيبليوغرافية:
من أهم المصادر التي تناولت الموضوع :
الناصري :الاستقصاج9
محمد داود:تاريخ تطوان
أكنسوس:الجيش العرمرم
ابن زيدان :اتحاف أعلام الناس
الجعايدي :ديوان العبر في أخبار القرن الثالث عشر
توسع صاحب هذا المؤلف في ذكر الحوادث المهمة و الكوارث الاجتماعية من غلاء وأوبئة.

واهتمت دراسات حديثة  برصد آثار التحولات الطبيعية والكوارث الطبيعية على المجتمع المغربي خلال الفترة المدروسةومن أبرز المراجع المعتمدة لاستجلاء جوانب من الموضوع أعمال الأستاذ الباحث محمد الأمين البزاز وخاصة منها كتابه :المجاعات والأوبئة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ومقالته:" عمليات الإغاثة المخزنية خلال مجاعات النصف الثاني من القرن التاسع عشر" من كتاب دراسات مهداة للفقيد جرمان عياش ,ط1 ,منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط , 1994, مطبعة النجاح , ص 132 .

بعض الإشارات التاريخية المتناقضة حول طريقة تعامل المخزن مع هذه المآسي الطبيعية، ونورد هذه النصوص للفت الانتباه إلى بعض الذرائع التي استغلها مهندسو الحركة الاستعمارية لتبرير دخولهم إلى المغرب واستعمارهم له.   
فقد ورد في تقرير للطبيب الفرنسي كيول مؤرخ ب15 دجنبر 1868 (إن المخزن لا يقوم بأي عمل لمكافحة المجاعة، لأنه يعتبرها أنجع وسيلة لتشديده  قبضته على القبائل.) محمد الأمين البزاز (عمليات الإغاثة المخزنية خلال مجاعات النصف الثاني من القرن التاسع عشر) من كتاب دراسات مهداة للفقيد جرمان عياش ,ط1 ,منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط , 1994, مطبعة النجاح , ص 132 .
 وفي مراسلة أخرى للقنصل الفرنسي بالدار البيضاء في سياق حديثه عن مجاعة1878م يقول:(إن سلاطين المغرب ينظرون إلى بؤس السكان كأفضل وسيلة للمحافظة على عرشهم, ولا يعرفون مبدأ آخر للحكم غير الجشع والعنف لأنهم يخشون أن يؤدي رغد العيش إلى انتفاضة شعبهم.)نفس المرجع السابق
لكن المصادر تزخر بمراسلات تفصح عن ردود فعل مخزنية للحد من آثار الأزمات الاقتصادية ومنها ما ورد في رسالة سلطانيةيقول فيها السلطان محمد الرابع:" خديمنا... عبد القادر أشعاع ..إنا أدنا للحاج محمد الصفار في وسق مركب من القمح بقصد تطوان على أن يكتفي فيه بقليل من الربح ...لأن المقصود بتوجيه هدا القمح نفع الناسً"
وفي رسالة سلطانية ثانية يقول:"خديمنا ...اشعاع..وصلنا كتابك بينت فيه ماهم عليه ناحيتكم من الضعف ...وطلبت أن نأمر بوسق نحو مراكب ستة من القمح الجيد لأهل بلدكم ونواحيها "محمد داود (تاريخ تطوان) المجلد السادس , ص 35
ويزكي ذلك أيضا الرسالة السلطانية التي بعثها المولى عبد الرحمان إلى عبد الرحمان اشعاع بتطوان في 22شعبان سنة1244 وهذا نصها: "وبعد :فقد طلب منا جميع القنصوات أن لا يدخل لمراسينا السعيدة ما كان من ثياب اللباس قديمة ...وحوائج الفراش ...وغير ذلك مما يمكن أن يكون مكمونا فيه رائحة المرض ويعود بالضرر ويكون مظنة ذلك, فأجبناهم لما طلبوا ,لأنهم اعرف بأمور دنياهم, وعليه فكل ماورد من ذلك لا تقبلوه ".   محمد داود  .م.س .ص 175 .

3 الوضعية الاجتماعية بمغرب النصف الأول من القرن 19م

  يبدو الحديث عن الوضعية الاجتماعية بمغرب النصف الأول من القرن صعبا.فالكتابات التاريخية التقليدية وأعني بها هنا المصادر التاريخية المذكورة أنفا ، لا تهتم اهتماما مباشرا بهذا الموضوع بحكم ارتباطها المباشر بالأمور السياسية .لكن القراءة المتأنية في هذه المصادر نفسها وتعزيز هذه القراءة بما تحتويه كتب الرحلات الأوربية قد يساعد على إلقاء نظرة عامة على هذا الجانب المهم من تاريخ المغرب والذي ما يزال يحتاج إلى الكثير من البحث والتمحيص.
تناولت الدراسات الحديثة و المونوغرافيات المجتمع المغربي بكل مكوناته ،وإن كانت هذه الدراسات تصطدم بقلة اهتمام المصادر الرسمية و الإخباريين بجزئيات هذا المجتمع فإن تطور وسائل البحث وانفتاح البحث التاريخي على العلوم المساعدة كالانتروبولوجيا والسوسيولوجيا مكنها من استقراء المصادر الدفينة و انجاز دراسات يكمل بعضها البعض وتبحث في مواضيع كان البحث فيها مغامرة غير آمنة النتائج ومنها البحث في الأدوار الاجتماعية للمرأة"فاطمة العيسوي، المرأة والمجتمع في المغرب 1822- 1912، دكتوراه الدولة في التاريخ، إشراف عبد العروي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 2009.

ولابد من التأكيد هنا أن تاريخ المجتمع المغربي خلال النصف الأول من القرن19م ما هو إلا تأريخ للبادية المغربية التي يبرز الحديث عنها في المصادر المغربية إبان الأزمات و الثورات والحركات في حين شكلت فيه البادية نفسها الجانب المستهدف بالدراسة من طرف الكتاب الجانب وسنشير هنا للاستدلال لا الحصر إلى مؤلفات كل من :سالمون SALMONوميشوبيلير و كايي
SALMON ,Une tribus marocaines,la Fahciya,in Archives Marocaines ;1904
M BELLAIRS ,Les tribus arabes de la vallée de loukhous  ,in Archives Marocaines 1905
M BELLAIR ,le Gharb ;in Archives Marocaines 1913

الحديث عن المجتمع إذن هو حديث عن البادية ،فكيف كانت البادية المغربية في النصف الأول من القرن 19؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب الإشارة أولا إلى الصعوبة المنهجية والتاريخية في وضع الحدود البارزة المعالم بين البادية والمدينة المغربية.وللخروج من هذا الأشكال المنهجي سنتبنى الطرح الاقتصادي الذي يفترض في البادية والبدوي الاهتمام بأمور الأرض والفلاحة.لنشير إلى أن البادية المغربية خلال النصف الأول من القرن عرفت امتدادا واسعا على حساب المدن التي كانت معدودة كما وكيفا.وقد عانت هذه البادية ، حسب المصادر التاريخية،من الأزمات التي اتخذت أشكالا متنوعة .ففضلا عن الظروف المناخية الصعبة فإن البادية عانت إلى جانب ذلك من آثار الثورات والتحولات التي عرفها القرن 19م:إذ أنها شكلت موردا أساسيا من موارد بيت المال " الزكوات و الأعشار"وممولا بشريا للجيش المغربي القائم في جانب مهم منه على الاستنفار . ويبقى الوضع في البادية المغربية خلال النصف الأول من القرن أكثر انتعاشا مما هو عليه خلال النصف الثاني من القرن الذي سيعرف إضافة إلى المشاكل المعروفة سلفا ،اختلالا في التوازن بين البوادي الساحلية و البوادي الداخلية .كما سيتخذ هذا الإحتلال وجها آخر يتمثل هذه المرة في هيمنة المدن وبداية الهجرات الداخلية وإفراغ البوادي من سكانها.

خلاصة:
ستعيد من خلال هذه الخلاصة ما سجله أكنسوس صاحب الجيش العرمرم بخصوص وضعية المغرب خلال النصف الأول من القرن حيث قال:" وحاصل الأمر أن هذا السلطان رحمه الله :أي عبد الرحمان بن هشام وجد الذولة قد ترادفت عليها الهزاهز و صارت بعد حسن الشبيبة إلى قبح العجائز قد تفانت رجالها وضاق مجالها (...)" وقد استطاع السلطان الجديد وكما يؤكد ذلك العديد من الباحثين ومن بينهم ذ عبد العروي Histoire du Marghreb، أن يعيد الأمن إلى بلاده بعد النهاية المأساوية لحكم المولى سليمان ، فأعاد تنظيم الجيش، وأجبر شيخ الأطلس محمد بن الغازي على الخضوع
1822م وعين حكاما وعمالا جدد متحمسين وبسلطات غير محدودة وفي الجهات الحساسة ، كمراكش و وجدة .واتبع سياسة امتحان الزوايا في الداخل (حصار الزاوية الشرادية)وجدد العلاقات مع الدول الأوربية وقد مكنته هذه الجهود من اختبار قوة دولته و التفطن إلى مكامن الضعف بها وهذا ما يفسر موقفه من احتلال
الجزائر ، ورفضه بيعة التلمسانيين ، والاكتفاء بتدعيم مقاومة عبد القادر الجزائري، لكن المستجدات السياسية المحلية والدولية جعلت هذا السلطان يخوض غمار تجربة حربية أفقدت المغرب هيبته التي كان قد اكتسبها منذ معركة واد المخازن 1578م. 
تحدثت المصادر التاريخية المغربية التي تناولت الفترة المدروسة عن تردي الأوضاع السياسية ابتداءا من نهاية القرن 18م وقد عبروا عن هذا التردي ببروز أزمة العرش التي تلت فترة حكم سيدي محمد بن عبد الله.
وسوف تتجدد هذه الأزمة بعد ذلك بسنوات أي بعد وفاة المولى سليمان رغم أنه سعى وكما يؤكد ذلك أكنسوس إلى نقل السلطة إلى خليفته عبد الرحمان بن هشام . كيف ذلك؟
يشير المؤرخ أكنسوس إلى أن المولى سليمان قد قطع الطريق أمام الفتنة بتعيينه المولى عبد الرحمان بن هشام خليفة له، وقد تمت هذه البيعة في أخريات شهر ربيع الأول سنة 1238هـ الموافق لأول دجنبر 1822م
غير أن الناصري الذي أورد هو أيضا نفس الخبر يشير في مجال آخر من كتابه إلى أن "بربر" الأطلس المتوسط بزعامة إبي بكربن مهاوش والحاج محمد بن الغازي الزموري قرروا رفض بيعة السلطان.يقول الناصري:"وربما شايعهم على ذلك بعض غواة العرب مثل الصفافعة والتوازيط من بني حسن وزعير وجل عرب تادلا" ص6ج9
إلا أن ثورة العرب و " البربر" هاته ما لبثت أن خمدت لأسباب تجملها الكتابات التاريخية في بروز عامل ديني صوفي ساهم في توحيدالصفوف ويتعلق الأمر بالشيخ عبد الله الدرقاوي المسجون عند الجيش السلطاني والذي أطلق سراحه مقابل تراجع محمد بن الغازي عن ثورته وهوأكبر أتباع الطريقة الدرقاوية وأبرز مريديها .
ولم تكن هذه هي المحاولة الوحيدة لسلب السلطة من المولى عبد الرحمان بن هشام بل كانت هناك محاولة أخرى لكنها أقل عنفا ويتعلق الأمر ببيعة المولى عبد الواحد بن المولى سليمان في تافلالت ثم تحركه من أجل استكمال بيعة أهل المغرب له لكنه تراجع عن ذلك لما رأى السلطان عبد الرحمان بن هشام قد سبقه إلى ذلك وضمن بيعة العاصمتين فاس ومراكش(كما ورد عند أكنسوس والناصري).
ويمكن أن نجمل ما كانت عليه الحالة السياسية قبيل معركة إيسلي فيما نقله إلينا صاحب الجيش العرمرم قال:"وحاصل الأمر أن هذا السلطان رحمه الله ( أي عبد الرحمان بن هشام)وجد الدولة قد ترادفت عليها الهزاهز، وصارت بعد حسن الشبيبة إلى قبح العجائز. قد تفانت رجالها وضاق مجالها..."
ومن أهم مناطق التوتر التي تحدث عنها أكنسوس شمال المغرب عند قبائل الأخماس المجاورة للشاون ، والتي تجددت فيها الثورة سنة 1248هـ الموافق ل1825م بعد ثورة أولى كانت على عهد المولى سليمان(1793ـ1799).وإذا كانت هذه الثورة قد أخمدت إلى حين (فستتجدد حسب الوثائق المخزنية سنة 1840م باعتداء الأخماس على جيرانهم ونهبهم أموالهم )فإن وضعية غمارة كانت ملفتة للانتباه نتيجة تردي أوضاعها الاقتصادية وظلم ولاتها وبطشهم.(وما يلفت الانتباه إلى غمارة هو وجودها غير بعيد عن أحداث الشرق أي أحداث احتلال الجزائر 1830م).
   ومن الأماكن الأخرى التي استرعت الانتباه بتوراثها الزاوية الشرادية (1244هـ/1828م).كان لثورة الزاوية الشرادية ذيول تاريخية تعود إلى فترة حكم المولى سليمان لكن الأمر ما لبث أن اسقر لفائدة السلطان الجديد الذي تلقى البيعة من المهدي بن محمدالشرادي نائبا عن أهل الزاوية .إلا أن ولاة السلطان بالمنطقة قد غالوا في البطش و"جمع الأعشار و الزكوات على غير وجهها الشرعي"كما هو مذكور عند الناصري ص18.فكان ذلك سببا في ثورة أهل زاوية الشرادي ، وكان لهذه الثورة عواقب وخيمةعلى الأمن بالمنطقة. وتتجلى قوة الزاوية الشراديةفي الاستعدادات الكثيفةالتي قام بها السلطان لردعها فقد :" كتب إلى أخيه المولى المامون (وهو عامله على مراكش)باستنفار قبائل الحوز وجمعها عليه ، وسار السلطان في جيش العبيد والودايا وأيت إدراسن وزمور وعرب بني حسن وبني مالك وسفيان ، وكتب إلى الشاوية ودكالة أن تكون خيلهم معدة حين يمر بهم ."الناصري ص18 .إلا أن اخماد ثورة الشرارد سبقتها اخماد ثورة هشتوكة وشياظمة بأحواز أزمور بعد أن تزايدت أخطارهم على التجار و الحجاج على حد سواء.
وقد انتهت ثورة الشرادة على ما تشير إلى ذلك الكتابات التاريخية بدخول السلطان إلى زاويتهم وفرار زعيمهم المهدي بم محمد الشرادي.
المنطقة الأخرى التي استرعن الانتباه وشكلت حلقة ضمن الوجه السياسي للمغرب قبيل معركة ايسلي هي منطقة زعير.
شكلت زعير عنصرا مساندا لثورة الأطلس المتوسط التي تحدثنا عنها سابقا . وقد دخلت في بيعة السلطان بعد اخماد   هذه الثورة لكن ما لبثت الثورة أن تجددت فيها خصوصا عند محاولة جباية الضرائب الشرعية (الزكاة والأعشار).ففي 1247هـ/1831م رفض عدد كبير منهم أداء الجباية وحاولوا القضاء على المحلة المخزنية.وقد تحدث محمد داود صاحب تاريخ تطوان ،ج 8 ص 229ـ230 عن هذه الحادثة قائلا:"فقتل منهم عدد كثير ، وقبض على عدد كثير ولولا أن الليل غشيهم لاستأصلت المحلة جميعهم."وتجددت ثورات زعير خلال سنوات 1845م و1849 م.
ومن المناطق الأخرى التي شهدت ثورات متباينة منطقة الجنوب الشرقي : تافلالت ،وتعود هذه الثورات إلى الصراع التاريخي القائم بين أين يفلمان وأيت عطا والذي اتخذ هنا شكلا جديدا بايذاء أيت عطا للأشراف تضييقهم الخناق عليهم ،في حين كان فيه أيت يفلمان يدودون عنهم ويبالغون في إكرامهم ، حتى ظهر بينهم ابراهيم يسمور اليزدكي الذي هزم أيت عطا ونال حظوة لدى السلطان الذي عينه نائبا عنه بالمنطقة فقال الناصري:"وطار ذكره وسرت فيه نخوة الرياسة فأراد الاستبداد واستحال حاله إلى الفساد ، حتى صار يرد على السلطان أوامره".ص68ج9.وانتهت ثورة هذا الأخير بقتله من طرف أحد أقربائه سنة 1854م.
 من لبن الثورات الأخرى التي شهدها مغرب النصف الأول من القرن 19م ثورة الأودايا المؤرخة بحوالي 1246م ـ1247م/1830م ـ 1831م، والتي ترتبت عن أحداث الجزائر من جهة وعن الخلل في تنظيم الجيش المغربي خلال هذه الفترة . لذلك سنرجئ الحديث عن هذه الثورة إلى حين الحديث عن ردود فعل المغاربة إزاء احتلال الجزائر ، على أن خلفيات هذه الثورة وعواقبها منصوص عليها
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات