أخر الاخبار

الملك الأمازيغي بوكوس الأول (Bocchus I): مؤسس القوة السياسية لموريطنية القديمة


الملك الأمازيغي بوكوس الأول
الملك الأمازيغي بوكوس الأول

 

الملك الأمازيغي بوكوس الأول (Bocchus I): مؤسس القوة السياسية لموريطنية القديمة

يُعدّ الملك بوكوس الأول من أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ المغرب القديم، وأحد أهم الملوك الأمازيغ الذين لعبوا دوراً محورياً في الصراع الإقليمي مع القوة الرومانية خلال القرن الثاني قبل الميلاد. فقد حكم مملكة موريطنية، التي كانت تمتد في شمال المغرب الحالي، حوالي سنة 110 قبل الميلاد، ونجح في تحويل مملكته إلى قوة سياسية وعسكرية يحسب لها حساب في غرب البحر الأبيض المتوسط.

كان بوكوس الأول صهراً للملك الأمازيغي الشهير يوغرطة، ملك نوميديا (شمال الجزائر حالياً)، وقد جمعتهما في البداية علاقة تحالف قائمة على المصالح السياسية والعسكرية. فقد أعلن الملكان الأمازيغيان الحرب على الرومان في إطار مقاومة التوسع الروماني في شمال إفريقيا، وهي حرب جسدت إرادة الممالك الأمازيغية في الدفاع عن استقلالها وسيادتها.

تحالف المصالح وبداية الصراع

تحالف بوكوس الأول مع يوغرطة لم يكن تحالفاً عاطفياً أو عائلياً فقط، بل كان تحالفاً سياسياً مبنياً على طموح واضح: الحصول على الجزء الغربي من مملكة نوميديا. وقد تحرك الملكان معاً بجيوشهما في اتجاه قسنطينة، ودارت معارك عديدة تكبد فيها الرومان خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، مما جعل الحرب مكلفة ومعقدة بالنسبة لهم.

غير أن الرومان، المعروفين بدهائهم السياسي، استغلوا الخلافات التي بدأت تظهر بين بوكوس ويوغرطة، فعملوا على تفكيك هذا التحالف الأمازيغي القوي. فتوجهوا إلى بوكوس بطلب التوقف عن مساعدة يوغرطة وفتح باب المفاوضات، مقدمين له وعوداً سياسية وإقليمية مغرية.

مفاوضات بوكوس مع روما وتسليم يوغرطة

دخل بوكوس الأول في مفاوضات مباشرة مع الرومان، خاصة مع القنصل الروماني سولا (Sulla)، حيث طرح شروطه ومطالبه مقابل التخلي عن دعم يوغرطة. أرسل سولا سفراء إلى روما، وهناك تم دعم فكرة التحالف مع بوكوس على أساس أنه حليف جدير بالثقة وقادر على ضمان استقرار حدود موريطنية.

وبعد مفاوضات طويلة ومعقدة، وافق بوكوس على إرسال رسالة إلى يوغرطة يدعوه فيها للحضور بغرض التشاور، لكن تلك الدعوة كانت فخاً سياسياً محكماً. فبمجرد وصول يوغرطة، تم تسليمه إلى سولا، لتُسدل الستارة على واحدة من أقوى حركات المقاومة الأمازيغية ضد روما في نوميديا.

عقب ذلك، أبرم بوكوس معاهدة رسمية مع الرومان، وبموجبها أُضيف جزء من نوميديا إلى مملكة موريطنية، وهو ما مثّل توسعاً مهماً في رقعة نفوذه وترسيخاً لمكانته كملك قوي في المنطقة.

توسيع المملكة وتثبيت الحدود

ورث بوكوس الأول مملكة قوية عن جده باكا، غير أن الصراع مع يوغرطة دفعه إلى التفكير بشكل استراتيجي في تأمين حدوده الشرقية مع نوميديا. ولهذا السبب استولى على الجزء الغربي من مملكة يوغرطة، فوسّع حدود مملكته وجعلها أكثر تماسكا من الناحية الجغرافية والعسكرية.

كان بوكوس يمارس سلطة ملكية شبه مطلقة، لكنها كانت مقيدة بتوازنات العصبيات القبلية الأمازيغية، التي ظلت عاملاً حاسماً في الاستقرار السياسي. وقد نجح في التعامل مع هذه البنية القبلية بذكاء، عبر إشراك زعمائها في الحكم وإعطائهم مكانة داخل أجهزة الدولة.

نظام الحكم والإدارة

اعتمد بوكوس الأول نظاماً سياسياً منظماً نسبياً، فكان له:

  • مجلس شورى يضم أقاربه وأصدقاءه وبعض زعماء القبائل.
  • ديوان للكتابة يهتم بتدوين المراسلات وتدبير شؤون الدولة.
  • جهاز عسكري منظم أسند قيادته إلى ابنه فوليكس، مما يدل على وجود نوع من التخطيط الوراثي للحكم.

كما كان ينتقل بين عدة عواصم ومدن مهمة، من بينها:

  • طنجيس (طنجة)،
  • سيكا،
  • تمودة،
  • وليلي (فولوبيلس)،
    وهي مدن تعكس الامتداد الحضاري والسياسي لمملكته.

وقد سكّ النقود باسمه، وهو دليل قوي على سيادته السياسية واستقلاله الاقتصادي، كما عيّن خمسة سفراء للتواصل الدبلوماسي مع كل من روما ونوميديا، مما يعكس وعياً كبيراً بأهمية العلاقات الخارجية.

وفاته وتقسيم المملكة

توفي بوكوس الأول حوالي سنة 50 قبل الميلاد، وبعد وفاته انقسمت مملكة موريطنية بين ابنيه:

  • بوكوس الثاني، الذي حكم الشطر الشرقي،
  • وبوكود، الذي حكم الشطر الغربي.

وكان نهر ملوية هو الحد الفاصل بين المملكتين. غير أن هذا التقسيم لم يدم طويلاً، ففي سنة 38 قبل الميلاد استطاع بوكوس الثاني الاستيلاء على النصف الذي كان يحكمه أخوه بوكود، فأعاد توحيد المملكة من جديد.

خاتمة

يمثل الملك الأمازيغي بوكوس الأول نموذجاً للحاكم الأمازيغي الذي جمع بين القوة العسكرية والحنكة السياسية والدبلوماسية. فقد عرف كيف يحارب روما عندما اقتضت المصلحة، وكيف يتحالف معها عندما تغيّرت موازين القوى، ونجح في توسيع مملكته وترسيخ أركان الدولة في المغرب القديم.
إن سيرته تبرز أن تاريخ المغرب لم يكن هامشياً في التاريخ المتوسطي، بل كان فاعلاً ومؤثراً، تقوده شخصيات سياسية قوية استطاعت أن تناور بين الإمبراطوريات الكبرى وتحافظ على استقلال القرار الأمازيغي لأطول فترة ممكنة.

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -