المغرب يسجل موسماً قياسياً في إنتاج الزيتون: قفزة نوعية نحو الأمن الغذائي والريادة العالمية
في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها القطاع الفلاحي بالمغرب، يأتي الإعلان عن موسم استثنائي لإنتاج الزيتون ليعكس نجاح الاستراتيجيات الوطنية المعتمدة ويعيد الثقة إلى الفلاحين والمستهلكين على حد سواء. فمع ذروة موسم جني الزيتون، كشفت وزارة الفلاحة المغربية عن أرقام قياسية تبشر بوفرة غير مسبوقة في الأسواق المحلية، وتفتح آفاقاً واعدة للتصدير نحو الأسواق العالمية.
أرقام قياسية تعكس انتعاشاً كبيراً
أعلنت وزارة الفلاحة المغربية أن إنتاج المملكة من الزيتون سيتضاعف خلال الموسم الحالي ليصل إلى مليوني طن، وهو رقم يعادل ضعف الإنتاج المسجل في المواسم السابقة تقريباً . هذا الإنتاج القياسي سيرفع الإنتاج الإجمالي لزيت الزيتون إلى نحو 250 ألف طن، مما يشكل نقلة نوعية في قدرات المغرب الإنتاجية .
وتأتي هذه الأرقام المبشرة لتؤكد التوقعات التي كانت قد أعلنتها الفيدرالية المغربية لإنتاج الزيتون في وقت سابق، حيث توقعت تحقيق "قفزة نوعية" في الإنتاج بعد عام صعب شهد تراجعاً في المردودية وارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار . ويرى المهنيون أن هذه الوفرة الكبيرة ستعيد التوازن للسوق المحلية، خاصة بعد معاناة المستهلكين من غلاء الأسعار خلال المواسم الماضية.
انخفاض الأسعار: خبر سار للمستهلكين
من أبرز الانعكاسات الإيجابية لهذه الوفرة الإنتاجية، الانخفاض الكبير المتوقع في أسعار زيت الزيتون. فقد أكدت الفيدرالية المغربية لإنتاج الزيتون أن الأسعار ستنخفض إلى النصف تقريباً، حيث من المتوقع أن تتراوح بين 50 و55 درهماً للتر، بعدما كانت قد وصلت إلى مستويات قياسية تجاوزت 100 درهم خلال الموسم الماضي .
ويؤكد محمد رشيد بنعلي، رئيس الفيدرالية المغربية لإنتاج الزيتون، أن سعر لتر زيت الزيتون لن يتجاوز 52 درهماً، محذراً في الوقت نفسه من أن الظروف المناخية ستظل تلعب دوراً حاسماً في الأسابيع المقبلة وخلال موسم الحصاد . من جانبه، كان رئيس الحكومة عزيز أخنوش قد وصف الموسم الحالي بأنه "استثنائي"، مؤكداً أنه سيخفف الضغط على المستهلك ويعزز مكانة الزيتون المغربي كركيزة أساسية في الفلاحة الوطنية .
عوامل النجاح: من "المغرب الأخضر" إلى "الجيل الأخضر"
لا يمكن فهم هذا الإنجاز القياسي بمعزل عن الجهود المتواصلة التي بذلها المغرب على مدى سنوات لتطوير قطاع الزيتون. فوفقاً لرئيس الفيدرالية المغربية لإنتاج الزيتون، فإن من بين أسباب ارتفاع العائدات المتوقعة تأثيرات مخطط "المغرب الأخضر" ، وهي خطة وطنية تضع تطوير زراعة الزيتون الحديثة والمروية في قلب الاستراتيجية الزراعية الوطنية .
وقد تم استكمال هذه الجهود عبر استراتيجية "الجيل الأخضر 2020-2030" ، التي تركز على تحديث زراعة الزيتون، ورفع الجودة، وتثمين الإنتاج، وتعزيز الابتكار الزراعي والتعاون التقني لمواجهة التغير المناخي . ويؤكد حميد صبري، رئيس جمعية منتجي زيت الزيتون المغربية، أن مزارع الزيتون الحديثة من المتوقع أن تنتج ما يصل إلى 40 طناً من الزيتون للهكتار الواحد، وهي كمية وصفها بأنها "تاريخية" .
كما ساهمت الظروف الجوية المواتية خلال أهم أوقات موسم الزيتون في تعزيز هذه النتائج الإيجابية. فقد أدى هطول الأمطار في شهري مارس وأبريل إلى تحسن كبير في الإنتاج، مما ساعد على تعويض سنوات الجفاف التي أثرت سلباً على المحاصيل السابقة .
تحديات رغم الوفرة: إكراهات الإنتاج والتسويق
على الرغم من التفاؤل الكبير الذي يلف هذا الموسم الاستثنائي، إلا أن هناك تحديات حقيقية تواجه المنتجين. فقد كشف عدد من منتجي الزيتون في مناطق مثل الحوز وقلعة السراغنة عن جملة من الإكراهات التي يعانون منها، وأبرزها ارتفاع تكاليف اليد العاملة، حيث بلغ سعر جني كيلوغرام الزيتون حوالي درهمين، وهو ما يفوق ثلث ثمن بيع المحصول بالجملة .
كما يشكو الفلاحون من ندرة اليد العاملة، خاصة في بعض المناطق، مما قد يساهم في تأخر موسم الجني هذا العام ويحرم الأشجار من فترة الراحة الضرورية قبل الدخول في دورة إنتاج جديدة . وتشير التقارير أيضاً إلى صغر حجم حبات الزيتون هذا الموسم، نتيجة الارتفاع الاستثنائي في إنتاج الأشجار، وهو ما يؤثر على مردودية القنطار من الزيتون التي تتراوح بين 14 و16 لتراً فقط، مقارنة بـ22 لتراً في المواسم الأفضل .
آفاق التصدير: فرص واعدة في الأسواق العالمية
مع تحقيق هذا الفائض الكبير من الإنتاج، تبرز فرص التصدير كأفق واعد لتسويق المنتج المغربي. ويقدر الاستهلاك الداخلي للمغرب من زيت الزيتون بحوالي 140 ألف طن سنوياً ، مما يعني أن هناك فائضاً كبيراً يمكن توجيهه نحو الأسواق الخارجية.
وتعد الولايات المتحدة سوقاً واعدة بشكل خاص، حيث تفرض رسوماً جمركية أقل على زيت الزيتون المغربي (10%) مقارنة بالمنتجات الأوروبية (15%) والتونسية (20-28%) . كما أن الجودة العالية للمنتج المغربي تجعله مطلوباً في أسواق الاتحاد الأوروبي، سواء بين المستهلكين أو المصدرين.
وتتراوح واردات الولايات المتحدة من زيت الزيتون البكر المغربي بين 1500 طن و4500 طن سنوياً، مما يشير إلى إمكانيات نمو كبيرة يمكن استغلالها خلال هذا الموسم القياسي .
ريادة دولية: المغرب على رأس المجلس الدولي للزيتون
يأتي هذا الإنجاز الإنتاجي ليتوج باعتراف دولي بمكانة المغرب في قطاع الزيتون. ففي خطوة تعكس الثقة الدولية في الخبرة المغربية، تم تعيين المملكة على رأس المجلس الدولي للزيتون لعام 2026، خلال الجلسة العامة المنعقدة في قرطبة بإسبانيا .
وقد مثل المغرب في هذا الحدث أحمد البواري، وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، الذي أبرز المكانة الاستراتيجية لزراعة الزيتون في النموذج الفلاحي الوطني. وأوضح البواري أن الزيتون يغطي أكثر من 1.2 مليون هكتار، أي 65% من الأشجار المثمرة، ويوفر أكثر من 51 مليون يوم عمل سنوياً، كما يساهم بـ 2.1 مليار درهم سنوياً في الميزان التجاري للمملكة .
موسم استثنائي في سياق طموح
يمثل الموسم الحالي نقطة تحول مهمة في مسار قطاع الزيتون بالمغرب، حيث تترجم الأرقام القياسية المحققة نجاح السياسات الفلاحية المتبعة وقدرة الفلاحين المغاربة على التكيف مع التحديات المناخية. ومع انخفاض الأسعار واستقرار السوق الداخلية، وفتح آفاق تصديرية واعدة، يبدو أن شجرة الزيتون المباركة تواصل أداء دورها المحوري في الاقتصاد الوطني، مؤكدة أن "الذهب السائل" المغربي قادر على المنافسة عالمياً وتعزيز الأمن الغذائي محلياً.
ويبقى الرهان الأساسي على استدامة هذا النجاح، من خلال مواصلة الاستثمار في تحديث وسائل الإنتاج، ودعم الفلاحين الصغار، ومواجهة تحديات التغير المناخي التي تظل الهاجس الأكبر للمستقبل. فالمغرب، الذي أثبت قدرته على تحقيق الوفرة، مدعو اليوم إلى ترسيخها وجعلها قاعدة ثابتة لمستقبل أكثر إشراقاً لقطاع الزيتون الوطني.
* تنبيه !
- سوف يتم نشر تعليقكم بعد مراجعته
- التعاليق التي تحتوي على كلمات نابية وأرقام الهواتف أو نشر روابط أو إشهار لجهة ما لن يتم نشرها.