القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

الإسلام السياسي -2-

سعيد الوجاني
إن ظهور منظمات الاسلام السياسي مند الربع الأخير من القرن الماضي ، يؤكد عدم صحة الاطروحات التي تريد التعميم في الحكم في هذا المجال ، لأنه إذا كان من الخطا ان نماثل كاثوليكية العمال البولنديين بكاثوليكية الدكتاتور فرانكو ، دون القيام بدراسة معمقة للخصائص المشتركة للتاريخ الزراعي في اسبانيا وبولندة ، او دراسة العوامل المشتركة في المحتوى السياسي والإيديولوجي لكاثولكيتهما الخاصتين ، فان التحليل للظواهر كذلك يمنعنا من نضع في جانب واحد اوكفة واحدة ظواهر تختلف بمثل الاختلاف القائم بين بروز الحركات الاسلامية في حلتها المعروفة والمختلفة في كل من مصر ، سوريا ،الاردن ،لبنان ، العراق ، تونس الجزائر المغرب ...بمعنى اخر ان السياق التاريخي لظهور هذه الحركات ليس واحدا في مجموع البلاد العربية ، الامر الذي يفسر اختلاف المنطلقات والتوجهات الايديولوجية والسياسية والقابلية الى العنف ، ثم الاهداف الاستراتيجية التي كانت ولاتزال تلك الحركات تصبوا لتحقيقها في اوطانها . لذا فان طبيعة المهادنة او الصدام وتحديد شكل التعامل بينها وبين السلطة او بينها وبين بعضها الاخر ، كانت ولاتزال تختلف باختلاف الانظمة السياسية الحاكمة في مجموع البلاد العربية ، وهذا ما يفسر اختلاف طرق الوصول الى المشاريع العامة لهذه الحركات بما ينسجم تدريجيا مع المشروع العام السائد في الدولة ، أي حتى لا تكون هناك اثارة تؤدي الى اقبار المشروع الاسلامي في المهد .

من جهة اخرى يجب القول انه توجد هناك اختلافات في بنية وتكوين تلك الجماعات السياسية وتوجهاتها بين ، حين تكون في السلطة )حسن الترابي في السودان) ، او حين يكون هناك نظام سياسي يدعمها في فترة من الفترات سواء لدعمه ( انوار السادات)، او لاستخدامها كوسيلة لمواجهة معارضيه ( المغرب في بداية السبعينات )، او استعمالها كورقة رابحة في إقامة التوازنات العامة ( ادريس البصري والتيار السلفي) الذي استخدمه لمواجهة( اليسار الماركسي )،( جماعة العدل الاحسان) و(الضغط على حزب العدالة والنتمية( ، او عندما تكون تخوض حربها المسلحة ضد السلطة بدعوى التكفير والتخوين ( الجزائر).

إن هذا يعني كذلك، ان الحركات الاسلامية المتطرفة تختلف من حيث التحالفات التي تنسجها مع الانظمة السياسية الدكتاتورية التي مثلها ضياء الحق في باكستان ، جعفر النميري وعمر البشير في السودان او تلك التي يمثلها القدافي الان ..اوحينما تكون تخوض حربها الضروس باسم الدين كما حصل في افغانستان باكستان ولبنان ، اضافة الى هذا ففي كل بلد عربي هناك جماعات اسلامية متعددة منها من دخل اللعبة من بابها الواسع مثل( حزب العدالة والتنمية) المغربي الذي يشكل القوة الثانية في البرلمان ، او( جماعة العدل والاحسان) التي تمارس معارضة شعبية قاعدية على الطريقة الغاندية ( غاندي )،او تنظيمات محصورة العدد تتحرك ضمن جمعيات حقوق الانسان ووسط الطلبة ، ك (البديل الحضاري) و(الحركة من اجل الامة (، ودون ان ننسى التيار السلفي التقليدي الذي مثله الفزازي والذي لايتوانى من تكفير كل من يختلف معه في التفكير والتوجه.

يلاحظ ان حتى الظواهر التي تبدو متماثلة بشكل واضح ، كنمو حركة الاخوان المسلمين ذاتها في البلاد العربية ،يكمن وراءها في الواقع ، تنوع في المحتوى والدور السياسي الذي تحدده اهدافها المتوخاة والمباشرة والآنية ،ذلك انه فضلا عن الاتفاق حول المساءل السماوية والاتفاق حول المساءل الحياتية ، وحتى عندما توجد مثل هذه الاتفاقات ،وعلى الرغم من التشابه بل التطابق في الاشكال التنظيمية والتسميات ،، فان جميع الحركات الاسلامية تبقى في جوهرها حركات سياسية ، وبالتالي فهي تعبر عن مصالح اجتماعية سياسية نوعية ودنيوية للغاية ، أي ان استراتيجيتها الاخيرة هي الحكم من اجل الحكم .

2-لم يكن ثمة اقحام للاسلام في السياسية ، ولم تكن هناك دوافع جمة توجب خلط الاسلام كدين بالسياسة كعلم ومعطى وهدف . ان الاسلام في الحقيقة ومنذ ان كان ، هو دين سياسي لايمكن فصله عن السياسة . انه دين عبادات ومعاملات . لذا فان مطلب القوىالنصف علمانية في العالم العربي وفي المغرب من شيوعية ، اشتراكية وقومية بالدولة العلمانية ، لم يكن ليجد صدى رحبا لدى عموم الشعب ووسط العامة ، انها تنظيمات وتيارات هامشية إذا ما اردنا مقارنتها مثلا بالكمالية في تركيا التي حطمت موروث الخلافة باتجاه العلمانية ، وان كان انتصار ووصول الاسلاميين الى الحكم قد اعتبر من طرف بعض المحللين بمثابة انقلاب ابيض للاسلاميين على الكمالية وعلى العلمانيين ، لكن المدقق في اللعبة ، سيكتشف ان الاسلاميين في تركيا ، وباستثناء بعض المظاهر والديكورات ، فهم اكثر علمانية من العلمانيين انفسهم ، زيادة على هذا ان لتركيا معاهدات مع( الناتو) ومع المجموعة الاروبية تكبل اية مجازفة من قبل الشرائح التي تتطلع الى حنين العثمانيين . ان الاتصالات والتنسيق بين تركيا الان وبين الدولة الصهيونية اكثر كثافة عما كان عليه الحال ايام حكم الاحزاب العلمانية . الم تتستر تركيا( حزب العدالة والتنمية) على الضربة الاسرائيلية الاخيرة لسورية ، رغم علمها بها مسبقا ؟. ان هذا الواقع المدفوع بالمد الشعبي الجماهيري في تكوين صورة وقوة الاتجاهات الاسلامية ، حتم على جميع التنظيمات والاحزاب العلمانية العربية ، تجنب انتقاد الدين " كافيون مخدر للشعوب تستخدمه الطبقة الحاكمة في مواجهة معارضيها لتثبيت سلطتها وتوسيع نفودها "وكعامل معيق للتحرر والانعتاق من التبعبية والتخلف ،بل اكثر من هذا بدات تلك الاحزاب والمنظمات توظف الدين كعامل ايديولوجي وسلاح شعبي في صراعها ضد الحكم و لدفع تهمة التكفير عنها كمحاولة للتقرب اكثر من الشعب المدغدغ العواطف ، وما نغمة الاسلام التقدمي المتفتح الا نهجا نشازا في هذا الصدد ، وهنا ينبغي التذكير بان الاحزاب في المغرب رغم ادعاءها النصف علماني ، فانها لم تقطع مع الموروث الايديولوجي ومع الاسلام ، بل في فترات الاحتلال الكلونيالي للمغرب ، فان ما يسمى باحزاب الحركة الوطنية وظفت الاسلام في حشد الشعب المغربي لمواجهة سلطات الاحتلال ومشاريعها التي بلغت خطورتها في الظهير البربري الذي كان يهدف الى تقسيم المغرب الى قسمين عرب من جهة وبرابرة من جهة اخرى ، وبواسطة الاسلام فشلت جميع الدعاوى التي كانت تستهدف عمق الامة وعمق الشعب ووحدة البلاد،وبخلاف الايديولوجية القومية التي كانت عامل تحرر البلاد العربية المشرقية . بل ان الاحزاب النصف علمانية المغربية لم تتردد في توظيف الاسلام لسحب البساط من تحت الحكم طيلة الفترة التي تلت الاستقلال ،ومن تحت اقدام الحركة الاسلامية التي تستعمل الاسلام في تغلغلها وسط الشعب .

-3ماهو التموضع الطبقي الذي يمكن ان نرتب فيه جميع الحركات الاسلامية بالمغرب وبالوطن العربي ؟ هل يجب ان نعتبرها فئات برجوازية صغيرة او متوسطة ؟ هل هي ميالة الى نمط الاستهلاك الغربي رغم انتقادها له ؟ هل هي ذات سمات وخصائص متميزة في الدفاع عن طبقة معينة او مجموعة طبقات داخل المجتمع ؟ هل هي معادية للطبقة العاملة بحكم مستوى استهلاكها وانتماءها الوظيفي والطبقي ؟..الخ.ثم في اية خانة يمكن ان نصنف بعض النضالات التي تقوم بها في العديد من الأقطار العربية ؟هل نضالاتها تعتبر تقدمية ؟ قومية ؟ أممية إسلامية ؟ديمقراطية ؟..أم انه رغم طابعها المعادي للغرب الرأسمالي وللسلطة المحلية في بلادها ، فان سلوكها لا ينفي ولا يحجب كون إيديولوجيتها وبرنامجها يعتبران رجعيان بحكم جوهريهما وبحكم تعريفيهما ؟.

إن المحلل لمختلف الأدبيات السياسية التي تروج لها كل تلك الحركات والاتجاهات الاسلامية ، سيستنتج بكل سهولة ان الهدف الرئيسي الذي تعمل تلك الجماعات بلوغه هو ما جاء على لسان أبي الأعلى المودودي من جعل الحاكمية لله في ميدان السلطة والتشريع والاقتصاد والاجتماع ، مع الوقوف في مواجهة جميع المحاولات والجهود التي تريد استعمال العقل في تفسير النصوص والاحكام ، ثم تاويلها وتفسيرها وتكييفها مع الظروف الجديدة ونوع العلاقات التي اصبحت تتحكم في نسج الخيوط واستشراف المستقبل على ضوء تقييم الواقع،حيث ان الدول العربية لا تعيش في كوكب اخر غير كوكب الكرة الاضية ، وهو ما يحتم عليها ابتكار القوانين المحافظة على الأصل وبما لا يتعارض مع العلاقات الدولية . ان المقصود بالسير على خطى السلف الصالح ، و دولة الخلافة الراشدة او العثمانية ، والرجوع الى حياة اربعة عشر قرن مضت ، ومعارضة كل محاولات استعمال العقل والمنطق في تفسير الظواهر ونسج العلاقات ، يدل بكل بوضح على الطبيعة التركيبية والمشروع السياسي الذي تريد جماعات الاسلام السياسي بلوغه ،لذا يكون من الخطا ، بل من العبث نعت تلك الحركات بالحركات الثورية ، وانتفاضتها ضد الأنظمة بالثورة ، مهما كانت الشعارات التي ترددها ومهما كانت العمليات التي تقوم بها . ان الحركات السياسية الاسلامية في الوطن العربي وبالمغرب ، نعتبرها حركات برجوازية صغيرة ومتوسطة وما فوق المتوسطة سواء بطبيعة برنامجها أو إيديولوجيتها النصية الجامدة او بتركبتها الاجتماعية وعلاقاتها المتشابكة ، وحتى الاحوال الاجتماعية لمؤسسيها . ان هذه الجماعات تجد ايديولوجيتها واطاراتها المنظمة بين المثقفين الكلاسيكيين والمثقفين العضويين والتابعين للبرجوازية الصغيرة والمحكوم عليهم بان يظلوا في الدرجات والمراتب التحتية ، أي المدرسين الصغار وصغار الموظفين والحرفيين وبعض اصحاب المهن غير القارة ، اضافة الى قمتها المكونة من محامين ، اساتدة ، مهندسين ، اطباء ..وفي فترات صعودها تجد الجماعات السياسية الاسلامية مجموعة واسعة من الطلبة في الجامعات والكليات والمدارس العليا وسائر محلات انتاج المثقفين ، حيث ان هوية هؤلاء لا تزال مشروطة باصولهم الاجتماعية اكثر مما هي مرتبطة بمستقبلهم المرتقب والمتقلب في العديد من المراحل التي يقطعونها في مسارهم .

4 – في جميع البلاد التي تمكنت فيها الجماعات الاسلامية ومنظمات الجهاد من تحقيق طفرات نوعية في التوغل في بعض القطاعات او مواصلة بعض النضالات وقيادة بعض المواجهات مع السلطة والانظمة الحاكمة ، كانت الظروف المعيشية للبرجزوازية الصغيرة والمتوسطة في تدهور مستمر بحيث لم تستطيع ان تواجه معوقات الراسمال المحلي ،ولم تستطيع ان تساير موجات التحديث المتسارعة رغم توافر بعضها على بعض العوامل الاقتصادية المهمة ، مثل النفط الذي وظفته في خدمة مريديها نحو مشاريع استهلاكية غير منتجة ، وظاهرة الاستثمارات التي قام بها الشيخ اسامة بن لادن في العديد من الاقطار العربية مثل السودان ، المملكة العربية السعودية ، اليمن ، وبافغانستان تبقى غنية عن كل تاكيد .

ومن جهة اخرى يلاحظ ان الشعارات التي روجت لها الانظمة السياسية العربية في بعض الاقطار العربية مثل مصر ،سورية ،الاردن ، الجزائر والعراق لم تستطيع ان تمنع هزيمة العرب المذلة في حرب يونيو 1967 بعد ان اضاعت فلسطين في سنة 1948 ، كما انها لم تنجح في اقامة الديمقراطية السياسية والاقتصادية التي كانت من اسباب قفزها على الحكم ، والشيء الاخطر انها غرقت حتى النخاع في الشعارات ، لكنها اخفقت في تحقيق الوحدة العربية التي باسمها فتحت السجون على مصراعيها لدعاة التنوير والاصلاحيين بمختلف توجهاتهم السياسية والايديولوجية ، فكان الفشل وكانت الانتكاسات المتوالية والمدوية بسبب تغييب الجماهير والشعب من المشاركة الفعالة في التقرير في المسائل الاستراتيجية التي تهم مستقبل الامة والشعب ،وتعويضها بالحلول الفوقية التي سرعان ما كانت تصل الابواب المسدودة بسبب تغير مزاج الحكام الذين كانوا مرتبطين بمصالحهم الضيقة المدعمة لانظمتهم اكثر منها ارادات قوية في بناء الوحدة العربية .

ان هذه العوامل وغيرها كثير ، جعلت الانظمة السياسية العربية وبمختلف اتجاهاتها السياسية ، ان تصبح عرضة للانتقادات والتهجمات ليس فقط من قبل التنظيمات الشيوعية والمنظمات الماركسية اللينينية التي انشقت عن الاحزاب الأركاييكية من شيوعية ،ناصرية ، اشتراكية و بعثية ، لكنها والى جانب كل هذا ، فقد فرشت ارضية من حرير للتيارات الاسلامية و الجهادية التي وجدت الساحة فارغة في طرح مشروعها الايديولوجي القروسطوي الرجعي الذي يمحور ازمة العرب السيكولوجية والحضارية في مشروع الخلافة الاسلامية . وقد ساهم في تدعيم هذه الظاهرة فشل اليسار الثوري في انجاز مشاريعه الايديولوجية العامة وعلى اساسها الجمهورية ، وفشل الاحزاب القومية في تحقيق الوحدة وهزيمتها المذلة امام اسرائيل،ثم افراغ المجهود في الصراع بين القومين من ناصريين وبعثين واحزاب برجوازية صغرى شيوعية ، وبين اليسار الجديد الذي حمل تلك المجموعة المسؤلية المباشرة عن جميع الانتكاسات التي حلت بالامة والشعب ، فاعتبر ان الهزيمة ،هي هزيمة للطبقة البرجوازية التي خاضت الحرب ، وليس هزيمة الشعوب التي بقيت مبعدة عن ساحة المعركة بدعوى الخوف وفقدان الثقة في الجماهير التي قد تنقلب على مشاريع تلك الانظمة التي فرضت وصاية فوقية استبدادية لتحصين وجودها حفاظا على مصالحها

-5اذا كانت منظمات الاسلام السياسي قد حققت بعض النجاح في التوغل في العديد من القطاعات التي كانت حكرا على اليسار بشقيه التقلدي والماركسي اللينيني مثل الحركة الطلابية ( الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ) التي لا تزال معلقة منذ المؤتمر الوطني السابع عشر الفاشل ، قطاع الاطباء ، المهندسين ، التعليم من ثانوي الى الجامعي ، قطاع المحاماة ...الخ فان اشكال تقدمها ومحتوى برامجها والشعارات التي ترفعها ودورها السياسي والايديولوجي يختلف من بلد الى اخر في جميع الاقطار العربية . ان( حركة النهضة) في تونس مثلا ، رغم الضربات التي تلقتها من طرف النظام ، فانها لاتزال تفعل في المجتمع بطرق شتى ومختلفة ، وهو ما يدل على ان ضربات النظام لم تقتلعها من الجذور ، بل ان( حركة النهضة) وبخلاف ماكان مامولا منه ، استطاعت وعلى غرار( جماعة العدل والاحسان) المغربية ، ان تحدث انقساما افقيا وعموديا في صفوف الطلبة واستطاعت ان تحتل المرتبة الاولى في العديد من المواقع على صعيد الجامعات ، الكليات والمدارس العليا ، كما استطاع التيار الاسلامي في تونس ان يحتكر الساحة الثقافية التي كان يحتكرها اليسار الجديد التونسي طيلة سبعينات وثمانينات القرن الماضي،حيث تعددت مواجهاته وانقسم مجهوده بين مواجهة الحركة الاسلامية التونسية وبين مواجهة الطلاب المسخرين من طرف الحزب الحاكم او الموالين للسلطة .واذا كان اليسار الماركسي التونسي ، بسبب فشله في حسم اشكالية الحكم بسبب الضربات التي تلقاها ، فانعكس هذا على وضعيته التنظيمية التي انشطرت الى عدة منظمات صغيرة ، وتحولت الى شتات يصعب اعادة جمعه ،فان الامر بالنسبة للتيار الاسلامي كان العكس ، إذ تمكنت( حركة النهضة) من اعادة تنظيم صفوفها وتغيير تكتيكها واستراتيجيتها في افق التحضير لما يخبئه ويخفيه المستقبل ، وعلى نفس المنوال سارت خطة( حركة الاتجاه الاسلامي) ، و(حزب التحرير الاسلامي(

اما في سورية ، فان الحركة الاسلامية تعتبر القوة المعارضة الاولى بدون منازع الى جانب( حزب العمال السوري) ، و(الحزب الشيوعي الكادر الحزبي) للبونابارتية البعثية ، حيث استخدم العنف الذي وصل حد القتل بين الطرفين في عدة محطات مختلفة. تستمد حركة( الاخوان المسلمين) في سورية قوتها من كون النظام الحاكم يتسم بطابع الاقلية العلوية الطائفية ، وهذا يعني توسيع قاعدة المعارضة للنظام ، وهي معارضة في طابعها سياسي ايديولوجي يقوده( الحزب الشيوعي الكادر الحزبي) و(المكتب السياسي) ، (حزب العمال السوري) ، بعض الحركات الناصرية والبعثية التي كانت موالية للبعث العراقي ، اما المعارضة السياسية في الخارج والمسلحة في الداخل فتقودها جماعة الاخوان المسلمين التي قامت بالعديد من الهجومات على معاقل النظام وضرب رموزه كالهجوم على الكلية العسكرية ودبح مجموعة من الضباط التلاميذ، حيث قابلها النظام برد قاس وصل الى حد تدمير مدينة حلب بالكامل على رؤس سكانها ، كذلك لاننسى بعض الهجومات التي قام بها التيار السلفي المرتبط بمنظمة القاعدة وبجماعات جهادية وتكفيرية ، وبعد التطورات التي حصلت بالمنطقة العربية خاصة بعد حادث 11 شتنبر ، تحولت المعارضة المدعومة من الخارج خاصة من جانب الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا ،الى معارضة باسم منظمة حقوق الانسان كما هو الحال في العديد من الاقطار العربية كالمغرب ، ورغم ان( حركة الاخوان) في سورية تعد القوة الاولى في معارضة نظام الاقلية العلوية الطائفية ، الا ان الطبيعة التكوينية للجماعة سياسيا وايديولوجيا وحتى تنظيميا ، و تنسيقها مع المخابرات الامريكية والفرنسية ، تلغي فرصها في الاستيلاء على السلطة بشكل منفرد ، لأنها لا تستطيع وحدها وعلى اساس برنامجها المتشدد ان تجند جميع القوى الضرورية التي تعمل على اسقاط دكتاتورية البعث ، كما ان قدرتها في ان تدير لوحدها بلدا ذا مشاكل سياسية واقتصادية معقدة هو من قبيل المستحيل .

في مصر وللاسباب نفسها ، فان افاق استيلاء حركة الاخوان المسلمين اوجماعات الجهاد على السلطة تبدو مستحيلة ،سيما وان نفوذها النسبي اقل اهمية عن مثيلتها في سورية . وفي كل من البلدين تصلب عود الحركة الاسلامية في مجرى صراع طويل مع انظمة ما فتئت تدعي التقدمة والتمسك بالقومية في مواجهة العدو الصهيوني ، الامر الذي جعل برنامجها العام يتسم بطابع رجعي ومتخلف ، فضلا عن ذلك فان حجم مشكلات مصر الاقتصادية بذاته يقلص من مصداقية طموح الحركة الاسلامية الى الحكم . ان البرجوازية المصرية تدرك ذلك جيدا فتظهر كثيرا من التسامح إزاءها لانها ودائما في نظرها، أي البرجوازية ، تشكل الحركة الاسلامية ببرامجها المنغلقة طابورا خامسا مثاليا في قلب الحركة الجماهيرية ، أي جسما مضادا ذا فعالية خاصة ضد اليسار بشكليه التقليدي والماركسي ، ولهذا السبب فان البرجوازية المصرية لايقلقها ان ترى اليوم الحركة الاسلامية خاصة جناحها ، الاساسي الاخوان المسلمون ،في هاذين المجالين يقلص من تقدم اليسار بالمقدار نفسه . وفي نظرنا نعتبر ان موقف البرجوازية المصرية ازاء الحركة الاسلامية المصرية هو الموقف الذي تقفه ووقفته كل برجوازية اروبية تواجه ازمة اجتماعية عميقة ازاء اقصى اليمين من احزاب فاشية ونازية .

عرف المغرب كغيره من البلاد العربية بروز نوعين من التنظيمات السياسية المتطرفة ،كلها كانت في برامجها العامة تستهدف الحكم لتطبيق برنامجها الايديولوجي العام .

النوع الاول من هذه التنظيمات ، يتكون من الحركات التي انشقت عن الاحزاب السياسية المغربية ،( خاصة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ) التي انفصلت عنه( منظمة 23 مارس) الماركسية اللينينية ، وما تفرع عنها من بعد من سلالات كحركة ( لنخدم الشعب ) ،( رابطة العمل الثوري بالمغرب) التي عاودت الانتماء الى حزب ( الطليعة )، ثم( منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ) التي اندمجت في الحزب( الاشتراكي الموحد)،و حزب ( التحرر والاشتراكية ) الذي اصبح ( حزب التقدم والاشتراكية) التي خرجت عنه ( منظمة الى الأمام) ذات الاتجاه الماركسي اللينيني . الى جانب هذه المنظمات الرئيسية ظهرت في بداية السبعينات جماعات راديكالية صغيرة نذكر منها( اسود الريف)التي أسسها سليم رضوان ،( المقاتلون) ( الشعلة الحمراء). لكن هذه التيارات لم تستطيع الصمود ، وسرعان ما عاود مناضلوها الانتماء اما الى منظمة( الى الامام) او ( منظمة 23 مارس(.

يتكون النوع الثاني من المنظمات المتطرفة التي عرفها المغرب في سبعينات القران الماضي والى الان ، من تيارات الاسلام السياسي ، من قبيل منظمة( الشبيبة الاسلامية) ،( لجنة التنسيق الاسلامي بالمغرب )، ( منظمة المجاهدون) ، " (الحركة الثورية الاسلامية) ،( حزب التحرير الاسلامي)،( حركة الشباب الاسلامي الثوري) ،( المسلم الثائر) ،( الجماعة الاسلامية المقاتلة المغربية)( الجماعة السلفية للدعوة والقتال ) التي تحولت الى تنظيم القاعدة في المغرب الاسلامي ،حيث يقال انها تظم مغاربة في صفوفها ، لكن هذا يبقى امرا غير مؤكد ، حيث لم يسبق لهذا التنظيم ان هاجم المغرب، كما ان عدد المغاربة المنخرطين فيه يبقى غير معروف ، اضافة الى عدم معرفة اصولهم الاجتماعية ، المناطق التي ينحدرون منها ، مستواهم الثقافي. فبدون وجود ادلة قاطعة على انتماء مغاربة للتنظيم ، يبقى الامر مجرد دعاية للنفخ في قدرة وقوة التنظيم ليس الا . كما عرفت تلك الفترة ظهور جمعيات اسلامية مختلفة تمارس الاسلام الدعوي ومنها من اتخذ مبدا التقية ظاهريا كوسيلة لتمويه السلطات في انتظار الوصول الى الاستراتيجية التي كانت لا تختلف في شيء عما كان يطمح له التيار الجهادي العنيف . لقد عرف المغرب ظهور ظواهر اسلامية متباينة بسبب اختلاف قناعات مؤسسيها، هكذا فانه عرف ظهور( الجماعة الاسلامية) التي انشقت عن( حركة الشبيبة الاسلامية)،( حركة الاصلاح والتجديد) ( حركة التوحيد والاصلاح) وكل هذه الحركات كونت ( حزب العدالة والتنمية المغربي) ( رابطة المستقبل الاسلامي)( البديل الحضاري)( جند الله)( جمعية نادي الفكر الاسلامي) ( جمعية الشروق الاسلامية )، ( جمعية الاحسان والتوعية)( الدعوة والتبليغ)( الدعوة الى الخير والنصح)( التبيين)( الدعوة الى الحق)(جمعية البعث الاسلامي)(اصل اللواء)(اصل الحق)(الدعوة الاسلامية)(تنظيم الجهاد المقدس)( الافغان المغاربة)( العدل الاحسان)( الحركة من اجل الامة) ،( الاختيار الاسلامي ) ... ومنذ الحادي عشر من شتنبر ، برزت مجموعات اخر من الاسلاميين المتاثرين اوالذين تاثروا بنهج القاعدة في تكفير كل ما لا يتوافق مع اطروحاتهم ، رافعين اسلوب العنف ضد مجتمع " الجاهلية "، والدولة وكل من يدور في فلكها من احزاب وجمعيات . وقد تجسد هذا التيار في عدة امثلة غطت عدة محطات كان اخرها مجموعة عبد القادر بلعيرج الملقب بالياس .

وللتذكير فان خلق منظمة ( الشبيبة الاسلامية) كان بايعازمن الدولة لاستخدامها في مواجهة سيطرت اليسار التقليدي والجديد على الشبيبة التعليمية والطلابية في اطار( الاتحاد الوطني لطلبة المغرب)، لكن وحيث ان الرياح لا تهب كما تشتهي السفن اوالعصافير ، فقد انقلبت عليه ، عندما بدات تخطط لما بعد الحسم مع اليسار ، أي القفز على الحكم عندما تصبح الظروف ناضجة وتسمح بذلك .

السؤال هل تشكل تلك الجماعات خطرا على الحكم في المغرب وفي البلاد العربية ؟. هنا لا أتحدث عن( حزب العدالة والتنمية) الذي لايختلف في شيء عن غيره من الاحزاب التي تنشط ضمن المشروعية وطبقا للقوانين الجارية .( ان حزب العدالة والتنمية) يعترف بالملكية الدستورية وليس البرلمانية ، يعترف ويؤمن بامارة امير المؤمنين ، لا يعارض الملك مشروعيته الدينية ، يعترف بالفصل 19 من الدستور ، يتشبت بمغربية الصحراء وبالوحدة الوطنية للشعب والدولة . انه ضد جميع دعاوى الانفصال او التمييز بين ابناء الشعب المغربي الذي هو شعب واحد من طنجة الى العيون ... لكن ما هي مشكلة( العدالة والتنمية)؟ ان مشكلته ليست مع الملك او مع النظام الملكي ، بل هي مع الاقصائيين الذين يريدون اقصائه من كل مشاركة في العملية السياسية . ان مشكلته هي مشكلة تنافسية ، وتبقى مشروعة ، مع غيره من الاحزاب المناوئة التي تريد ان تبقى لوحدها تحتكر الساحة وتتصرف في الشان العام ، رغم ان الشارع قد لفظها في الانتخابات التشريعية الاخيرة ، انها منافسة على المقاعد البرلمانية والمناصب الوزارية ، وبعدها على المناصب السامية . ولما لا وقد كانت مرتبته الثانية في الانتخابات بعد حزب الاستقلال ،ويشكل القوة الثانية من حيث العدد في مجلس النواب ، ويمارس معارضة بناءة للحكومة وليس للنظام .

كذلك لا اتحدث عن ( جماعة العدل والاحسان) التي تنظر للخلاص ، او التخلص من النظام بشكل سلمي ودعوي . ان السؤال بالنسبة لهذه الجماعة وبالنسبة لكل متتبع للشان العام المغربي . هل يمكن التخلص من النظام المسنود جماهيريا بدون اراقة الدماء ، وبدون ضحايا من كلا الطرفين ؟ شيء لا يستسيغه عقل سليم . ربما قد تكون اضغات احلام مادام ان الجماعة تؤمن بالتغيير بواسطة الاحلام والرؤى. ومع ذلك نطرح السؤال من جديد . ان أي تغيير جدري للنظام ، أي قلبه يكون اما بانقلاب من فوق ، او بثورة من تحت . فما هو خيار الجماعة في قلب النظام او التخلص منه ؟ هل سيكون من فوق او من تحت ؟ اما ترديد مقولة نبد العنف ونهج الاساليب السلمية في الوصول الى السلطة ، يبقى وبالنسبة للظرف الراهن نوعا من التقية التي تمارسها الجماعة ، التي لاتتردد ساعة في استغلال جميع الظروف والمناسبات لتعريض قاعدتها العريضة اصلا مقارنة مع غيرها من التنظيمات الاخرى التي تنشط في الساحة . والا كيف يبرر العنف الممنهج الذي يمارس في القطاع الطلابي ؟. اعتقد ان لجماعة العدل والاحسان فرصة ذهبية لا تعوض لوضع يدها مباشرة في يد الملك الشاب الطموح الذي يحتاج خاصة في هذا الظرف الدقيق الذي يمر به المغرب لمن يرشده الى مكامن العلل ومصادر المشاكل من مفسدين يخربون ولا يصلحون ، ينهبون ويجمعون ولا يبقون ، يفقرون ولا يغنون . وان فعلت الجماعة تكون قد ساهمت مع ولي الامر في احداث القفزة النوعية لهذا الشعب المسكين المستضعف المغلوب على امره ، اما اذا ظلت على نفس المنهاج ، وبنفس القناعات ، فان على أحفادها ، هذا اذا ظلت متماسكة ولم تشملها موجة الانقسامات ، وهذه سنة كونية،انتظار ثلاثين سنة قادمة ، ليقبلوا بدون شروط على المشاركة في الانتخابات التشريعية التي سينظمها المولى الحسن الثالث ، كما فعل( حزب الطليعة( الذي داب على مقاطعة جميع الاستحقاقات السياسية ايام الحسن الثاني رحمه الله ، وبعد ان اعيته السنوات العجاف ، قدم شيكا على بياض بمشاركته في الانتخابات التشريعية الاخيرة ،دون ان يتحقق ادنى شيء من المطالب السياسية التي كان يبرر بها مقاطعة الانتخابات منذ( الاتحاد الوطني للقوات الشعبية( ، والى( الاتحاد الاشتراكي اللجنة الادارية الوطنية) واخيرا( حزب الطليعة الديمقراطي الشعبي(

كذلك لا اتحدث عن ( حزب البديل الحضاري) المعتدل الذي يؤمن بجميع الثوابث والمرجعيات للدولة المغربية. ان ما اصاب الاستاذ مصطفى المعتصم والركالة ، نتمتى ان تكون اخطاء مبنية على سلوكات ترجع الى الماضي . ان( حزب البديل الحضاري) المحدود قد شارك في الانتخابات التشريعية الاخيرة ، كما نبذ كل اشكال العنف ايا كان مصدره ، ونفس الشيء بالنسبة للسيد المرواني عن ( الحركة من اجل الامة(.

ان القصد من السؤال هو الجماعات التي تتكون من بضعة اشخاص قد تكون لهم بعض الارتباطات هنا او هناك . ان هذه الجماعات مثل جماعة بلعيرج لا تشكل خطرا استراتيجيا على النظام الذي يبقى بعيدا عن الخطر، لكن خطورتها انها تساهم في خلط الاوراق ونشر البلبلة ، وتقديم صورة نمطية عن المغرب من قبل اعداءه ، كما انها تساهم في تعطيل عجلة العملية السياسية لصالح التشدد في الضبط الامني ، وتمكن كذلك من انتعاش العناصر المتغلغلة في اجهزة السلطة والامن التي تتغدى من هكذا خرجات غير مسؤلة لخدمة مصالحها بالتضخيم والتهويل والتخويف لمزيد من نهب الاموال العامة التي يدفعها الشعب في شكل ضرائب مختلفة ، تثقل كاهله ،وتحد من قدرته الشرائية التي تزيد في تقليصها الارتفاعات المهولة لاسعار.. الى درجة ان هؤلاء اختلط عليهم الامر فوضعوا تقريرا قرائه السيد وزير الداخلية وضع فيه في سلة واحدة جماعات يجمعها فقط الاختلاف والتناحر وليس هناك ما يوحد بينها ، وهو ما يعني ان التقرير الذي قدم للسيد الوزير لم يكن احترافيا صادرا من محترفين بل فقط من هواة يبحثون عن التضخيم للاستمرار في مناصبهم ينهبون . واذا كان الارهابي هو من يعمد الى ازهاق ارواح الابرياء لبلوغ اهداف ليست نبيلة ، فان العديد من التحليلات اجمعت على ان مجموعة بلعيرج ، وبسبب الاسلحة التي كانت تتوفر عليها ، والاشخاص التي كانت تستهدفهم من ضباط سامين في الجيش والامن وبعض المسؤلين وربما استهداف شخص الملك شخصيا ،وبالنظر الى المستوى الاجتماعي والثقافي للمتهمين، فانها مجموعة ليست" ارهابية"، بل انها تستهدف عمق النظام لقلبه . وهنا فان المجموعة تكرر ما قامت به (
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات