القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

المغرب في عهد السعديين

الحسن أوشنتي
تميز المغرب خلال بداية القرن 16 م بوجود سلطة مركزية ضعيفة غير قادرة على توحيد البلاد و عجزها عن الوقوف في وجه الغزو البرتغالي المتزايد مما أتاح فرصة تقوي نفوذ الزوايا ومشايخها التي أصبحت تتولى مهمة تأطير حركة الجهاد ضد المستعمر إلى أن تهيأت الظروف في جنوب المغرب حيث ظهور السعديين كقيادة جديدة بالمغرب و تمكنوا من تنظيم مقاومة ضد البرتغاليين واستعادة وحدة البلاد و الوقوف في وجه الأطماع الأجنبية كما عرفت دولة السعديين أزهى عهودها خلال فترة المنصور اكتملت خلالها تنظيمات الدولة وتقوي نفوذها ليشمل جميع مناطق المغرب و أجزاءا من إفريقيا الغربية كما ازدادت هيبتها على الصعيد الدولي بفضل السياسة الخارجية المحكمة التي نهجها المنصور الشئ الذي كان له دور في استقرار الأوضاع الإجتماعية بالمدن و البوادي المغربية و انفتاح المغرب على تيارات حضارية مختلفة و انتعاش الحياة الاقتصادية و الفكرية خلال النصف الثاني من القرن 16.

الأوضاع العامة بالمغرب و قيام دولة السعديين.
اتسمت أوضاع المغرب إبان حكم الوطاسيين بالتجزئة و الضعف, لعدم توفرهم على القوة العسكرية الضرورية لبسط نفوذها على مجمل التراب المغربي وفشلهم عدة مرات في إعادة وحدة البلاد . إذ لم يتعدى نفوذهم المناطق الواقعة شمال أم الربيع بالإضافة إلى وجود مناطق متعددة شكلت كيانات مستقلة لا تعترف بالحكم الو طاسي إلا بتبعية اسمية كتطوان التي خضعت لإمارة بني المنظرين والشاون لأسرة بني راشد و كلاهما من أصول أندلسية.

المغرب في عهد السعديين


بالإضافة إلى تمرد بعض القبائل ضدهم خاصة أثناء جباية الضرائب التي تٌكلف الوطاسيين جهودا كثيرة , هذا وقد أدت هذه الأوضاع إلى عزل دولة الوطاسيين وزادت الكوارث الطبيعية دون تعميق الاختلال ومعاناة السكان و زاد من ضعف الوطاسيين و أفقدهم ثقة القبائل و السكان لعدم قدرتهم على التصدي بفعالية للاحتلال البرتغالي,خصوصا بعد تجديدهم خلال (ق 16) و أقدموا على احتلال عددا أخر من الثغور فاتحين بذلك جبهات متعددة أمام الوطاسيين.

قيام دولة السعديين
و أمام هذا الفشل وعدم القيام بالدور المنوط به ازداد دور ائمة و شيوخ الزوايا في تعبئة السكان حيث تعددت مراكزهم في أغلب مناطق المغرب و أخذ الأتباع و المريدون يجوبون البوادي لبث الحماس الديني و الدعوة إلى الجهاد مما أكسب للزوايا ثقة السكان و ازدياد النفوذ وجمعوا الأموال لإقامة الربطات حول عدد من الثغور المحتلة, وبعد استقطاب القبائل استقر الرأي على ترشيح إحدى الأسر الأكثر حظوة لدى السكان وهم الأشراف السعديين الذين استقطبوا التأييد فهم يُنْتسبون لآل البيت النبوي  استقروا بدرعة الأوسط منذ القرن14 (8ه),ومنها نزحوا شمالا في ق 15(9ه) إلى قرية تدعى تدسي جنوب غرب تارودنت  وهي من مراكز طريق التجارة الصحراوية وهناك استطاعوا اكتساب تلك المكانة السامية لدى السكان بسبب شرفهم  و مساهمتهم في أعمال الجهاد ضد البرتغاليين,وانطلقت الحركة السعدية مع محمد القائم بمساعدة ابنيه أحمد الأعرج و محمد الشيخ وذلك لتأمين شروط التنظيم وفي مقدمتها الموارد المالية و الأسلحة,فاستخلص الأعشار و الزكاة من القبائل و سعى إلى الحصول على الأسلحة من الأوروبيين مقابل تمكين بعضهم من احتكار تصدير بعض المواد كالسكر لتركيز السلطة و توزيع النفوذ.

إذن فالسعديين أنهم الأحق بالملك من بني الو طاس الذين فشلوا كليا في لم شمل المغرب لهذا لجأوا إلى إقناع الناس بشرف نسبهم حتى يبرروا أن لقيام دولتهم أساسا دينيا و أنهم ليسوا مغتصبون خلفوا مغتصبين آخرين و كان من الضروري توحيد صف المقاومة الشعبية  و كسبوا عطف الكثير من المغاربة بحيث كانوا ينظرون إليهم أحق الناس بتولي الملك.

فشكلت سنة 1511م بداية المواجهة العسكرية مع البرتغاليين في الجنوب فبعدما استقطبت الدولة السعدية سكان المناطق الجنوبية المتضررة من تافيلالت إلى سوس مرورا عبر درعة أصبحت تتطلع إلى فك الحصار المفروض على التجارة الصحراوية مما جعلها في مواجهة البرتغاليين.

وشن محمد القائم هجمات على مناطق حاحا و الشياضمة ثم نقل السعديون حملاتهم نحو الشمال أي أزمور و مازغن لإنهاء المحتلين لاسيما استرجاع سنتكروز1546 الذي كان له أثر بالغ على الوجود البرتغالي.

مراحل ضم الثغور المحتلة
مر ضم الثغور المغربية المحتلة من ثلاث مراحل وهي:
  • المرحلة الأولى1511/1525:أظهر خلالها السعديون دهاءهم السياسي  بالحفاظ على ولائهم الوطاسيين بدايتا إلى أن وطدوا نفوذهم بالجنوب المغربي ووضعوا أسسا جديدة لدولتهم و استرجعوا الطرق التجارية الشرقية.
  • المرحلة الثانية :1525/1536:تميزت بمواجهة الوطاسيين الذين حاولوا أكثر من مرة القضاء على القوة الجديدة المنافسة لها خاصة بعد دخول السعديين مراكش سنة 1521 واتخذوها عاصمة لهم بعد معركة أنماني سنة 1529 و معركة مشروع بوعقبة سنة 1536 وتم على إثره الاعتراف بالسعديين كقوة ثانية بالبلاد.
  • المرحلة الثالثة:1538/1549:وتميزت هذه المرحلة بفشل محاولة الوطاسيين لاسترجاع مراكش سنة 1538 و التي ترتب عنها تراجعم عن تادلا و تافيلالت وبعد أن تمكن محمد الشيخ السعدي من تنحية أخيه أحمد الأعرج وواصل السعديون ضغطهم على المناطق الشمالية إلى أن تمكنوا من ضم مكناس وفاس  1549 ثم باقي المدن و الشواطئ وبذلك وحد البلاد تحت سلطتهم.
ولإرساء جذور السعديين وحماية البلاد واجه محمد الشيخ و ابنه عبد الله تطلعات  العثمانيين لبسط سيطرتهم على المغرب بعد أن تمكنوا من فرض سلطتهم على شمال إفريقيا كما تم استرجاع فاس بعد دخول ها أبو حسون

الو طاسي بدعم من الأتراك إليها عقب استنجاده بهم ضد السعديين و بذلك وضعوا حدا للنفوذ العثماني بالقضاء على أبي حسون سنة 1555.

واقعة وادي المخازن:
لم تتوقف أطماع البرتغاليون في المغرب رغم تراجعهم عن الثغور وانتظروا أزمة العرش بعد وفاة عبد الله الغالب حيث تمكن عبد المالك من الانتصار على ابن أخيه محمد المتوكل سنة 1576 لجأ هذا الأخير إلى البرتغاليين لطلب مساعدتهم مقابل التنازل لهم عن الشواطئ المغربية وكان الملك دون سباستيان 1575/1557 متحمسا لذلك وقاد قوة عسكرية كبيرة تضمنت حشدا من المسيحيين المتطوعين لغزو المغرب رفقة المتوكل وعلم السعديون بذلك  و قاموا بالاستعدادات وجندوا أعدادا هائلة من المغاربة كما وفروا الأسلة المتطورة خاصة النارية التي اهتموا بها في الاستيراد و المصنوعة محليا في مصانع للأسلحة بتر ودانت و مراكش و فاس و كذلك عملية التخطيط للمعركة و اختيار موقعها وتوقيتها حيث تم استدراج العدو قرب وادي المخازن 4 غشت   1578 والتقى الجيشان في المعركة و انتصر الجيش المغربي وأكسبه ذلك أبعادا تاريخية عميقة مقابل انهيار القوة العسكرية و المعنوية للبرتغال و الدول الحليفة مما وضع حدا للأطماع الاستعمارية بشأن المغرب وحسمت أيضا مسألة الصراع حول السلطة داخل جهاز المخزن السعدي وازدادت هيبة الدولة بين القبائل مما أتاح للمخزن فرصة الاهتمام بتوسيع نفوذه و بناء قوته بعد الحرب و مكنها من مكاسب مهمة انعكست إيجابا على المجال الاقتصادي و العسكري لتدخل البلاد عهد أحمد المنصور الذهبي الذي عرف بالاستقرار و التجديد.

شخصية أبو العباس أحمد المنصور (1578/1603م).
ولد أحمد بن محمد الشيخ الهدي بفاس سنة 1549 و بويع في ساحة معركة وادي المخازن سنة 1578 فلقب المنصور كما مكنته الفدية التي حصل عليها من البرتغاليين مقابل استرجاع أسرى المعركة مما مكنه من الحصول على كميات كبيرة من الذهب فأضيف له لقب الذهبي كما عمل على تنظيم الإدارة و الجيش و فرض ضرائب باهظة على السكان و جهز حملة عسكرية كبرى إنتهت بالإستيلاء على تمبوكتو (السودان) سنة 1591 فأصبح بذلك امتداد الدولة إلى ما وراء نهر النيجر إضافة إلى اعتناء السلطان بزراعة قصب السكر و تطوير مصانع لتصفيته حتى أصبح السكر المغربي يصدر للبلدان الإفريقية و الأوروبية  فوظف عائداته من الذهب في بناء عدة منشات معمارية أبرزها قصر البديع بمدينة مراكش .

وحظي المنصور باحترام الدول الأوروبية و ربط علاقات مع بعضها كفرنسا و انجلترا و هولندا إلى أن توفي يوم 24 غشت 1603 بعض مرضه بالطاعون.حيث دفن بفاس ثم نقل بعد ذلك إلى قبور السعديين بمراكش.

وفاة المنصور الذهبي و انهيار الدولة السعدية.
لكن بعد وفاة المنصور الذهبي عرف المغرب اضطرابات سياسية خطيرة بسبب الصراع على الحكم و رافق ذلك تدهور في الأوضاع الاقتصادية و الإجتماعية للبلاد و ترتب عن ذلك تراجع سلطة السعديين و ظهور قوة سياسية جديدة أسهمت في إعادة المغرب إلى التفكك بدل الإتحاد.

خلاصة 
القول إن المغرب تمكن تحت قيادة السعديين من إعادة ذاته إلى الوحدة و تحرير جل ثغوره وإيقاف الأطماع الأجنبية التي كانت تهدد كيانه سواء العثمانية منها أو البرتغالية و بذلك دخلوا في عهد جديد من الاستقرار  السياسي و الإجتماعي و الاقتصادي خلال عهد المولى أحمد المنصور و الذي اعتمد في سياسته الخارجية على تعزيز مكانة المغرب على الصعيد الدولي و توسيع حدوده إلى أن جاءت فترة التدهور و التفكك بسبب ظهور حركات انفصالية ثم أصبح التطلع إلى قيادة سياسية جديدة قادرة على توحيد البلاد و إعادة الأمن و الاستقرار.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات