في الخامس والعشرين من أغسطس عام 1920، ولد علي يعتة في مدينة طنجة، تلك المدينة التي كانت تحتضن في ذلك الوقت نظاماً دولياً فريداً بفضل التقسيم الاستعماري، حيث تجتمع الممثليات الدبلوماسية والمصالح الاقتصادية لمختلف الجنسيات. كان والده سي سعيد، المنحدر من منطقة القبائل الجزائرية، قد أكمل دراساته العليا في القانون بجامعة الأزهر في القاهرة، ثم غادر الجزائر "إلى غير رجعة" تحت وطأة الحكم الاستعماري الفرنسي، ليستقر في طنجة عام 1911 قبل أن تصبح محمية إسبانية-فرنسية، حيث عمل مترجماً في المجلس الدولي للتبغ. أما والدته فاطمة بن عمار، فكانت من منطقة الريف في شمال المغرب.
ورغم أنه لم يحمل الجنسية الجزائرية بالمعنى القانوني، سواء بسبب مكان ولادته أو لأن الجزائر لم تكن دولة ذات سيادة كاملة قبل استقلالها عام 1962، فقد أثبت علي يعتة انتماءه للمغرب طوال حياته، مقدماً نموذجاً فريداً في الاندماج والمواطنة.
البدايات والتكوين
التحق علي يعتة في الرابعة من عمره بكتاب قرآني كان يسيره الفقيه المرابط الجبلي، وفي الثامنة التحق بالمدرسة الابتدائية الفرنسية-العربية بحي مرشان، التي كان يديرها الأستاذ الفرنسي نوناصي، وتواجد بها نخبة من الأساتذة الأفذاذ، على رأسهم الشيخ عبد الله كنون، الذي أصبح بعد الاستقلال الأمين العام لرابطة علماء المغرب.
في سنة 1933، انتقلت عائلة يعتة إلى الدار البيضاء، حيث دخل ثانوية ليوطي ومكث فيها إلى سنة 1941. وكان عدد التلاميذ المغاربة في هذه الثانوية لا يتجاوز العشرة، من بينهم عبد اللطيف بن جلون وبوبكر بومهدي ومحمد الشرقاوي. وخلال هذه الفترة، كان يدرس اللغة العربية خارج المدرسة على يد الشيخ مولاي أحمد السباعي الشنقيطي، والشيخ أحمد الحمداوي مدير مدرسة النجاح.
وفي سنة 1942، حصل يعتة من كلية الآداب بالجزائر على شهادة الدراسات التطبيقية العربية، ثم شهادة أصول العربية سنة 1943 من الكلية نفسها، مما أهله ليكون مثقفاً متمكناً من اللغتين العربية والفرنسية، وملمّاً بالثقافتين.
المشوار السياسي والنضالي
في سنة 1944، انضم علي يعتة إلى الحزب الشيوعي المغربي، لتبدأ سلطات الاستعمار الفرنسي في مضايقته بتهم مختلفة. نفي يعتة مرات عديدة، وقضى فترات حبسية تنقلت بين الدار البيضاء (سجن اغبيلة)، والجزائر (سجن بربروس)، ومارسيليا (سجن لي بوميط).
وفي عام 1945، خلف الفرنسي ليون سلطان في منصب الأمين العام للحزب الشيوعي المغربي، ليصبح أول مغربي يتولى هذا المنصب الهام.
عندما مُنع الحزب الشيوعي عام 1960، اجتمع يعتة ورفاقه سراً بعد ثلاث سنوات، وكان من نتائج ذلك الاجتماع، بناءً على تقرير سياسي قدمه يعتة، الارتباط المتين بالواقع المغربي والتركيز على القضايا الوطنية. لكن هذا النشاط السياسي كلفه السجن مرة أخرى عام 1963 بمعتقل درب مولاي الشريف بالدار البيضاء.
حُظر الحزب مرة ثانية، وحكم على يعتة بالحبس النافذ لعشرة أشهر في سجن العلو بالرباط بين 1969 و1970، بيد أن الحزب استمر في عمله سراً رغم الحظر، إلى أن جمع عام 1972 لقاءً بين يعتة والملك الحسن الثاني.
تأسيس حزب التقدم والاشتراكية
يعتة وعبد السلام بورقية عند ماو تسي تونغ
يحكى أن الملك الحسن الثاني كان إذا أراد أن يمازح يعتة، ناداه بـ"الحاج الشيوعي"، فقد عُرف الأخير رغم فكره الشيوعي بختم مداخلاته البرلمانية بترديد الآية القرآنية: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين".
وفي سنة 1990، ساهم حزبه في ملتمس الرقابة ضد حكومة العراقي مع حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، مما يؤكد دوره الفاعل في الحياة السياسية المغربية.
حياته العائلية ووفاته
تزوج علي يعتة من روزاليا، ورزقا بأربعة أطفال: التوأمان نادر وفهد، وابنتان ليلى وسامية. توفي ابنه نادر، الذي كان يعمل صحفياً، عام 1996.
توفي علي يعتة يوم 13 أغسطس 1997 إثر حادثة سير أمام مقر جريدة البيان التابعة لحزب التقدم والاشتراكية، تاركاً إرثاً سياسياً وفكرياً غنياً، ومؤلفات هامة منها "بعد تحرير الجزائر، مراحل توحيد المغرب العربي" (1962)، و"من أجل انتصار الثورة الوطنية الديمقراطية" (1975).
كان علي يعتة نموذجاً للسياسي المثقف الذي جمع بين الانتماء الوطني والقيم التقدمية، وبين الفكر الشيوعي والثوابت الإسلامية، وبين النضال ضد الاستعمار والمساهمة في بناء المغرب الحديث. إن مسيرته الحافلة بالتضحيات والإنجازات تظل محطة مضيئة في تاريخ الحركة الوطنية المغربية، وشاهداً على دور اليسار المغربي في النضال من أجل الاستقلال والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
* تنبيه !
- سوف يتم نشر تعليقكم بعد مراجعته
- التعاليق التي تحتوي على كلمات نابية وأرقام الهواتف أو نشر روابط أو إشهار لجهة ما لن يتم نشرها.