صراع التيارين التعليمي والسياسي
شكلت السنوات الأولى من القرن الماضي مرحلة مفصلية في تاريخ التعليم بالمغرب، حيث تجاذبته تياران متناقضان: تيار تقليدي تمثل في جامعة القرويين بفاس وكلية ابن يوسف بمراكش، خرّج علماء وقضاة متمسكين بالفكر السلفي، وتيار حداثي تمثل في المدارس الفرنسية التي كانت في بدايتها حكراً على أبناء الجاليات الأوروبية. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن النخب الوطنية التي قادت الحركة السياسية ضد الاستعمار، كانت نفسها من سارع إلى إلحاق أبنائه بالمدارس الأوروبية، كما وصف المفكر عابد الجابري: "النخب الاجتماعية التي قادت الحركة الوطنية، كانت بمقدار ما تحتج على قومية التعليم، بمقدار ما تدفع أبناءها نحو المدارس الأوربية".
محمد الفاسي.. أول مغربي ينال الباكالوريا من فرنسا
ولد محمد الفاسي بفاس سنة 1908، نشأ يتيماً في حضن عمه المهدي الفاسي مدير جامعة القرويين. تلقى تعليمه الأول بالكتاب، ثم بمدرسة أبناء الأعيان، فالمدرسة الإدريسية، قبل أن يشد الرحال إلى باريس حيث حصل على شهادة الباكالوريا ليكون أول مغربي ينالها من فرنسا. وقد احتفلت أسرته بهذا الإنجاز باقترانه بابنة عمه مليكة في حفل جمع بين الزواج والاحتفاء بالشهادة.
واصل الفاسي دراسته حتى نال الإجازة في الآداب (1932)، ثم دبلوم الدراسات العليا والدكتوراه من السوربون (1934). وخلال وجوده بفرنسا، ساهم في تحرير مجلة "المغرب" الناطقة بلسان الحركة الوطنية. بعد الاستقلال، اختاره الملك محمد الخامس ضمن أساتذة المعهد المولوي، ثم وزيراً للعلوم والمعارف والفنون الجميلة، ليظل وفياً لشغفه بالتشكيل وأدب الملحون حتى وفاته في دجنبر 1991.
محمد بن جلون التويمي: التاجر المجتهد مؤسس الوداد
ولد محمد بن جلون التويمي بالدار البيضاء سنة 1912 لأسرة فاسية الأصل. تلقى تعليمه الأولي بالمدينة القديمة، ثم انتقل إلى ثانوية مولاي يوسف بالرباط حيث جمع بين الدراسة والرياضة في فريق سطاد الرباطي. التحق بباريس فنال شهادة الباكالوريا سنة 1933، ثم شهادة في تدبير الأعمال بعد عامين.
لم يشغله التفوق الدراسي عن شغفه الأكبر بتأسيس نادٍ رياضي، فحقق حلمه سنة 1937 بتأسيس الوداد البيضاوي الذي أطلق اسمه على ملعبه. ظل الرجل وفياً لحبه للكرة والعلم معاً حتى وفاته في 20 شتنبر 1997.
محمد الزغاري: من رئاسة جمعية التلاميذ إلى سفارة المغرب
ولد محمد الزغاري بالرباط سنة 1902، وانتخب خلال دراسته بثانوية مولاي إدريس رئيساً لأول جمعية مغربية لقدماء التلاميذ. سافر إلى باريس حيث نافس بقوة لنيل شهادة الباكالوريا رغم صعوبة الغربة. عاد إلى المغرب رافضاً مناصب الإقامة العامة، مفضلاً العودة لفرنسا لاستكمال دراسته.
كان من المشرفين على وضع الصيغة النهائية لوثيقة المطالبة بالاستقلال أواخر 1943، وكلف رفقة آخرين بتسليمها للإقامة العامة، فكان جزاؤه الاعتقال. بعد الاستقلال، تقلد مناصب رفيعة: نائب رئيس الحكومة، وزير الدفاع، سفيراً بباريس، ومحافظاً لبنك المغرب. وقبل وفاته بساعات، زاره الملك الحسن الثاني فكان المشهد مؤثراً حيث أفاق المحتضر من غيبوبته ليقول: "أخوف ما كنت أخاف يا مولاي أن أموت دون أن أراك".
أحمد بلافريج: من السوربون إلى رئاسة الحكومة
ينحدر أحمد بلافريج من أسرة رباطية ذات أصول موريسكية. نال الباكالوريا من ثانوية هنري الرابع بباريس، ثم توجه للدراسة بجامعة الملك فؤاد الأول بالقاهرة (1927)، قبل أن يعود لفرنسا ويسجل بالسوربون في شعبة العلوم السياسية، حيث أعد أطروحة حول "أسرى المسلمين في أوربا".
دعا بلافريج إلى "نشر التعليم العصري المرتكز على قيمنا الدينية" وأسس مدرسة لتكوين أطر الاستقلال. أصيب بداء السل ونفي إلى كورسيكا، وبعد الاستقلال عين وزيراً للخارجية ثم رئيساً للحكومة وممثلاً شخصياً للملك الحسن الثاني. انتهت حياته السياسية باستقالته احتجاجاً على اعتقال ابنه.
أحمد بن الحسن الوزاني: أول إجازة في العلوم السياسية
ولد أحمد بن الحسن الوزاني بفاس سنة 1910، وكان فريداً بين رفاقه كونه قادماً من جامعة القرويين وليس من المدارس الفرنسية. ورغم ذلك، تأقلم سريعاً في باريس ونال الباكالوريا، ثم التحق بالمدرسة الحرة للعلوم السياسية ليصبح أول مغربي يحصل على الإجازة في هذا التخصص.
التقى بشكيب أرسلان بجنيف وأصبح عضواً في هيئة تحرير مجلة "الأمة العربية"، ثم أسس جريدته "عمل الشعب" (1933). قضى في المنفى تسع سنوات، وأسس حزب الشورى والاستقلال الذي ضم خريجي الجامعات الفرنسية، في تناقض مع حزب الاستقلال الذي ضم خريجي القرويين. توفي في شتنبر 1978 بعد صراع طويل مع المرض.
الأب جيكو: أول مدرب مغربي يحصل على دبلوم التدريب
ولد محمد بلحسن التونسي العفاني بتارودانت سنة 1900، وحصل على الباكالوريا من باريس سنة 1923. جمع بين الرياضة والصحافة والعمل البنكي، وكان أول مدرب مغربي ينال دبلوم تكوين المدربين من إنجلترا. أسهم في تأسيس الوداد الرياضي وتدريب الرجاء البيضاوي.
ظلت الكرة "الزوجة الأولى" في حياته كما تقول زوجته زهراء، وكان يصرف راتبه البنكي على الرياضة تطوعاً. توفي في 31 غشت 1970 على ضوء شمعة بعد أن قطعت عنه الكهرباء لعدم تسديد الفاتورة، تاركاً دمعة أسى على جحود الكرة التي أفنى عمره في خدمتها.
الأميرة لالة عائشة: أول مغربية تنال الباكالوريا
كسرت الأميرة لالة عائشة، المولودة بالرباط في 17 يونيو 1930، طوق الحصار المضروب على المرأة المغربية، لتصبح أول فتاة مغربية تنال شهادة الباكالوريا. ألقت خطاباً تاريخياً بطنجة سنة 1947 بعد خطاب والدها الملك محمد الخامس مباشرة، قبل أن تنفى مع العائلة الملكية إلى كورسيكا ومدغشقر.
بعد الاستقلال، ترأست مؤسسة "التعاون الوطني" وقادت حملات واسعة لتمدرس الفتاة المغربية، كما كانت أول سفيرة في العالم العربي. توفيت في 5 شتنبر 2011.
الحسين آيت قدور: أول جزائري ينال الباكالوريا
لم يكن الراحل الحسين آيت قدور، الرئيس الأسبق لحزب جبهة القوى الاشتراكية، مجرد ثائر جزائري، بل كان أول جزائري ينال شهادة الباكالوريا ضمن الطلبة الفرنسيين بالجزائر سنة 1946. عاش منفاه الأخير بسويسرا حيث نال الدكتوراه من جامعة نانسي الفرنسية، وظفره الموت بمستشفى لوزان ليدور جدل كبير حول دفنه بين المغرب والجزائر، ليؤكد مكانته كرمز للبلدين معاً.
خاتمة: جيل النخبة الذي صنع الوطنية
يمثل هؤلاء الرواد نموذجاً فريداً للجيل الذي استطاع المزج بين التمسك بالهوية المغربية الإسلامية والانفتاح الواعي على ثقافة المستعمر. كانوا خير سفراء لبلادهم في الخارج، وأكثر المدافعين عنها في الداخل. جسدوا حقيقة أن الوطنية الحقة لا تعني الانغلاق، بل تعني امتلاك أدوار العصر والمعرفة بشتى مصادرها للدفاع عن قضايا الوطن، تاركين إرثاً خالداً من الكفاح والعلم والعطاء.
* تنبيه !
- سوف يتم نشر تعليقكم بعد مراجعته
- التعاليق التي تحتوي على كلمات نابية وأرقام الهواتف أو نشر روابط أو إشهار لجهة ما لن يتم نشرها.