أخر الاخبار

آثار التدخل الأجنبي على الوضعية الاقتصادية للمغرب قبل 1912

آثار التدخل الأجنبي على الوضعية الاقتصادية لبلاد المغرب

أيوب إدريسي...
أرشيف التاريخ المغربي...

شهد المغرب في فترة ما بين الحربين كما هو الحال عند مجموعة من الدول خسائر فادحة في القوة العسكرية، حيث أن الجيوش المغربية خاصة ما يتعلق بعمليات فرض الأمن في المغرب قد خلفت ما يزيد عن 25000 من الإسبان وأكثر من 100000 من الفرنسيين وأبناء المستعمرات. ولقد تلقت خسائر جسيمة على المستوى العسكري في نضالها ضد الغزاة الأجانب خاصة في الفترة الممتدة ما بين 107-1926 ثم أيضا على المستوى المعيشي الذي عرف من خلاله قطاعات السكان فقرا شكل نسبة 80%، وقطاعات القمة تشكل 20%. وما عرفت به هذه المرحلة هو انحدار كبير على المستوى المعيشي الذي شهده العالم ككل، وهو أمر منطقي كانعكاس للحربين العالمية الأولى والثانية.
من أهم القطاعات أيضا التي شهدت تراجعا كبيرا وأسقطت المغرب في يد الاستعمار الأوربي نجد:
 

تدهور في قيمة النقود المغربية

يندرج مشكل طغيان النقود الأجنبية على حساب النقود المغربية ضمن أهم المشاكل التي واجهت الاقتصاد المغربي خلال القرن التاسع عشر. حيث انعكس التواجد النقدي الأجنبي سلبا على الاقتصاد المغربي، وساهم في زيادة العرقلة على المستوى التجاري الذي تطلب منه التعامل مع عدة من النقود المختلفة بأنواعها، إلى جانب تراجع الثروات الاقتصادية لبلاد المغرب.
كان يتم تهريب النقود المغربية خاصة منها الذهبية والفضية إلى أوربا بواسطة التجار الأوربيين، وذلك نتيجة الخصاص الذي كانت تعانيه الدول الأوربية من معدن هذين النقدين. فكان وزن المثال 29 غرام يقابل 25 غرام من وزن الريال الفرنسي، وهذا الفرق الذي يتحدد أساسا في 4 غرامات تشجع العديد من تهريب هذه النقود وإنشاء أسواق سوداء مما انعكس سلبا على الاقتصاد المغربي الذي أصبح بدوره يعاني من العجز التجاري الذي فاق 32 مليون فرنكا خلال أواخر القرن 19م. بالإضافة إلى عمليات التهريب التي كانت تتم بشكل متتالي للنقود المغربية، فكانت هناك أيضا أساليب أخرى منها عمليات التزوير، وعلى خلاف التهريب الذي ينتج عنه تقلص في كمية السكة فإن التزوير كان يقوم على الزيادة في هذه الأموال ولكن بطريقة غير شرعية ومضرة بشكل بالغ على الاقتصاد المغربي.
أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار البضائع وانخفاض قيمة النقود الوطنية وانهيارها، وأيضا انعكاس ذلك على المبادلات التجارية والشركاء التجاريين الذين يفقدون الثقة في السكك أو النقود المتداولة. وبذلك فقد المغرب السيطرة على التجارة كوسيلة من وسائل تنظيم المداخيل الجمركية، وما رافق هذا الحديث من أضرار كبيرة لحقت بيت المال، بعد أن أصبحت الاحتكارات الأجنبية في الشؤون التجارية، وذلك انطلاقا من مجموعة من الشركات التي كانت تحقق قوة اقتصادية، وهيمنة إلى جانب عدد من اليهود والمسلمين الذين كانوا يتمتعون بالحماية مما وفر لهم الأمن والعيش المريح.
نضيف إلى تراجع قيمة النقود المغربية، عامل آخر شكل من أبرز العوامل التي نتج عنها إفلاس خزين الدولة، والمتمثل في تلك الحروب والمعارك التي خاضها المغرب ضد التدخل الأجنبي. ولقد شكلت حرب أو معركة ايسلي ثم حرب تطزان لسنة 1960م من الحروب التي كان لها الأثر الكبير على اقتصاد المغرب. حيث شهد انخفاضا مطردا بدون استثناء، وإفلاس خزينة الدولة منذ الدفعة الأولى من غرامة حرب تطوان. فلم تكن للمخزن فكرة واضحة حول مبلغ أرصدته من النقود، كما أكد ذلك السلطان محمد بن عبد الرحمان. الذي فوجئ بهذه الحقيقة قبل الشروع في دفع القسط الأول من غرامة الحرب، وهو ما ورد في قوله عندما بعث برسالة إلى نائبه بطنجة، وهو محمد بركاش سنة 1861م. «وفي علمكم أنا دفعنا ما كان عندنا ببيت المال هنا بفاس، وما كان ببيت مال مراكش، حتى لم يبق تحت يدنا إلا ما نقضي به حاجة مع الجيش، إذ لا يمكن صبرهم على الخدمة بالجوع والعري، ومع ذلك فهو قليل لا يقنعون به»([1]).

الصادرات والواردات

عندما تصبح السوق المتمتعة بالحماية في متناول بلد استعماري، يصبح في مقدرة هذا البلد أيضا أن يبيع السلع في هذه الأسواق بأسعار أعلى منها في أي مكان آخر، ويتحقق ذلك عن طريق فرض الرسوم الجمركية وغيرها من الإجراءات التشريعية، وعن طريق فرض الرسوم الجمركية وغيرها من الإجراءات التشريعية، وعن طريق الضغوطات الإدارية، أ بالاحتكار للعقود الحكومية. وتؤكد المصادر أن قبل الحرب العالمية الأولى إلى ما بعدها، كانت نسبة كبيرة من الواردات تتراوح ما بين 50% إلى حدود 90% تأتي من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وإلى بلدان مثل مصر والعراق والجزائر([2]).
فإلى حدود نهاية الحرب العالمية الأولى وتزامنا مع الارتفاع في مستوى المعيشة، قد تركزت السلع الأجنبية في الريف على وجه الخصوص لدرجة لم يسبق لها مثيل من قبل. مما أدى إلى تغير جذري في أنماط الاستهلاك، وتدمر الصناعات الحرفية القديمة. ثم أخذت أنماط العلاقات الاقتصادية والاجتماعية تتغير وفق ارتفاع على نطاق واسع من الإنتاج فيما يتعلق بالصادرات. اعتماد التصدير الزراعي التقليدي في المغرب، وهي ما كانت عليه صادرات تونس أيضا. حيث ازدادت صادرات الحبوب إلى أن أدت لارتفاع كبير في عدد السكان إلى الحد من الفائض المتوفر للتصدير. وكان الفوسفاط هو سلعة التصدير الأساسية، فمثل بذلك نسبة 20% من إجمالي الصادرات. بالإضافة إلى سلع التصدير الهامة الأخرى والتي تتمثل في المعادن (الحديد والمنجنيز والكوبالت...) والفواكه والخضروات.
لقد استورد المغرب في الفترة ما بين (1830-1831) ما يناهز 3.5 طن من الشاي قيمتها 65000 فرنك، و250 طن من السكر قيمتها 400000 فرنك، حيث يشكلان معا ما يتراوح بين 6% إلى 9% قيمتها مليونين فرنك و 10000 طن من السكر قيمتها 8 مليون فرنك، وهو ما يعادل 25% من الواردات. الأمر الذي يوضح ارتفاعا هائلا في قيمة الواردات في المغرب.

الديون ودورها في تعجيل إخضاع المغرب

تكونت البنوك الخاصة والمشتركة ابتداء من الخمسينيات من القرن التاسع عشر.  وذلك في مجموعة من دول العالم بما فيها المغرب. وما بين 1850-1880 ظهرت الديون الباهظة وبنسب كبيرة جدا في صف الدول الخاضعة، أو التي كانت على باب الخضوع للاحتلال الأجنبي ثم نتج عن تدفق رؤوس الأموال إلى الإفلاس في الأخير واللجوء إلى الاقتراض بهدف مواجهة الأزمة. لكن هذا الإجراء كان أمرا خاطئا ذلك أن معظم الدول التي خضعت للديون كانت نهايتها السقوط في قبضة الاستعمار. ويعد المغرب نموذجا لهذه السلسلة الاستعمارية.
فالمغرب حصل على فرض مقداره 426000 جنيها من لندن بهدف تسديد التعويضات التي فرضتها إسبانيا عليه. ولقد كان المغرب من ضمن دول شمال إفريقيا التي تحصل على قروض ضخمة من قوة الاحتلال الفرنسي وفق شروط تجارية، من طرف السوق الفرنسية على وجه الخصوص، وذلك خلال المرحلة الممتدة ما بين 1939-1945م. وهو لعام الذي قدمت فيه الحكومة الفرنسية قروضا طويلة الأمد ومنخفضة الفائدة إلى جانب منح للتنمية، فذلك حصل أيضا المغرب على ما يزيد عن 400 مليون دولار. وكانت الأهداف أعمق من ذلك بكثير تخفي في طياتها أطماعا حول تحقيق السيادة على المغرب. واستغلاله بمختلف الطرق والوسائل.
أدى البذخ الملكي الذي ارتبط أساسا ببعض الخطوات الهادفة إلى الإصلاح والتحديث، إلى اقتراض المغرب ديون بنسبة 22.5 مليون فرنك، والذي حصلت فيه على مقدار 13.5 مليون فرنك ثم بعده قرض آخر الذي لم يتحصل فيه سوى على نسبة 48 فرنك هادفا بذلك إلى سداد جميع الديون، غير أن كل من فرنسا وإسبانيا فرضت كل واحدة منهما على المغرب فوئد بما يقدر بـ 135 مليون فرنك.
أما في سنة 1910 فقد حصل على قرض آخر يناهز 101 مليون بفائدة 8%، مما جعل فرنسا تفرض سيطرتها على الجمارك كضمان للسداد.
انطلاقا مما سبق يتضح لنا أن الاقتصاد المغربي بعد مرحلة وجيزة ومحدودة من مظاهر الازدهار والتحضر، والمتمثل في تشييد المباني وإنشاء مجموعة من المشاريع من خلال المصانع والمعامل، والسكك الحديدية وغيرها. عاد الاقتصاد إلى ما كان عليه، بل اشتدت الأزمة الاقتصادية وساءت الأوضاع بأضعاف مضاعفة على ما كانت عليه قبل التدخل الأجنبي. فتمكن العنصر الأجنبي من تحقيق السيطرة في الشؤون الداخلية لبلاد المغرب، مما أعطاه مشروعية تامة في حرية التصرف. وإذا تمعنا في مرحلة التنمية التي عاشها هذا البلد، فنجد أن التدخل الأوربي كان يطمح إلى توفير إمكانيات الاستغلال والاستعمار، وبالتالي يمكن القول أن هدفه لم ينصب في تحقيق التنمية والنهوض بالمغرب وباقي الدول النامية نحو التغيير والتقدم، بقدر ما كان يرمي إلى إيجاد بل وتوفير الوسائل والآليات التي تمكنه من استغلال واستبداد خيرات وثروات هذه الدول.
وختاما لمجموع المقالات التلاث، نستنتج أن التدخل الأجنبي كان له الأثر الكبير على بلاد المغرب، والحياة العامة للأفراد. حيث نجد أن هذا التدخل لا يمكن حصره فقط فيما هو مرتبط بالجانب الاقتصادي والمبادلات التجارية سواء الخارجية أو الداخلية. أو في إقامة المشاريع، ذلك أن هناك مستويات غير اقتصادية أخذت حظها من السيطرة الأجنبية. خاصة ما يتعلق بالجانب الثقافي والتقليدي، فنجد بعض المظاهر والسلوكيات الدخيلة على المجتمع المغربي. التي كان يطمح من خلالها إلى محو الهوية الأصلية للمغرب، في مقابل نشر أفكاره وثقافته على نطاق واسع في العالم بأسره.
إذا لم يتمكن العنصر الأوربي من تحقيق السيادة الاقتصادية في المغرب إلا لفترة وجيزة ومحددة. ليعود أدراجه إلى بلاده. فإنه قد نمكن من تحقيق أهدافه حيال جعل المجتمعات الإسلامية بصفة عامة خاضعة ثقافيا وفكريا لطموحاتها.
النهاية....

[1]- عمر آفا، مسألة النقود في تاريخ المغرب القرن 19، ص.182.
[2]- شارل عيسوي، التاريخ الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ص.41.

الأوضاع العامة للاقتصاد المغربي قبيل الاستعمار الأوربي

شهد الاقتصاد المغربي تدهورا حادا وتراجعا كبيرا، وذلك منذ بداية القرن التاسع عشر وما رافق هذه المرحلة من النكبات الطبيعية التي انطلقت بالطاعون والأوبئة ما بين (1799-1800). الأمر الذي أثر وبشكل سلبي سواء على الجانب الديموغرافي أو على الجانب الاقتصادي، بالإضافة إلى بعض الكوارث الطبيعية التي طغت في هذه الفترة من الفيضانات والجفاف وغيرها. كان لها وقع كبير على الحياة لدى الأفراد، وتذكر بعض المصادر أن الناس كانوا يبيعون أبناءهم لكسب لقمة العيش، ولقد نتج عن هذه العوامل وغيرها تعطيل الطاقات المنتجة، وأيضا إحداث نقص فاحش في المحاصيل الزراعية التي كانت تشكل الثروات الأساسية. وعلى عهد السلطان مولاي سليمان ثم نهج ما كان يعرف بـ "سياسة الانعزال"، مما أدى إلى تراجع كبير في المبادلات من خلال إغلاق عدة موانئ في وجه الأجانب، وقلة عدد الأوربيين المقيمين في المغرب. كما تم منع المغاربة من الذهاب إلى أوربا، غير أن الهدف الأساسي من هذا الإجراء كان هو الانفلات من قبضة الاستعمار خاصة وأن القرن التاسع عشر تميز بكونه قرن الظاهرة الاستعمارية، وكانعكاس لهذه السياسة ثم إلغاء رصيد مهم من مداخيل بيت المال، فحاول كل من السلطانيين محمد بن عبد الرحمان ومولاي الحسن أي منذ سنة 1822م. إتباع سياسة الانفتاح على الأسواق الأجنبية بصفة عامة، والتي انطلقت مع المعاهدات الموقعة مع البرتغال عام 1823م، بهدف إصلاح الاقتصاد المغربي وتنميته، بالإضافة إلى معاهدات مع كل من إنجلترا سنة 1824 وفرنسا وسردينيا عام 1825م. لكن هذه الاتفاقيات وغيرها لم تكن تطمح لما يطمح إليه المغرب بقدر ما كان هدفها هو تحقيقها لمصالحها الخاصة، ولو كان على حساب الشعب المغربي وثرواته، مما جعلها تتسم بكونها معاهدات غير متوازنة واللامتكافئة. وبذلك كان انطلاقة تطبيق المسلسل الاستعماري الرأسمالي الأوربي، والذي تمكن بدوره من تحطيم حلم تحقيق التوازن الاقتصادي المغربي. وأوقع المغرب في يد الاستعمار والاستغلال، وذلك بعد أن أدرك المخزن أنه عاجز على المستوى العسكري والاقتصادي والسياسي على مواجهة الغزو الغربي، والأمر الذي اتضح لهم بشكل جلي في واقعة "ايسلي"، ثم بعدها حرب تطوان لعام 1960. والتي قدم من خلالها المغرب مجموعة من التنازلات الاقتصادية فكان لهذه العوامل الأثر البالغ على مستوى المبادلات التجارية الداخلية والخارجية.

التجارة :

إن الحديث عن التجارة والمبادلات التجارية المغربية والأوضاع التي كانت تعيشها، يحتم علينا أولا التطرق إلى موضوع النقود المغربية والوضعية المالية بصفة عامة في المغرب خلال القرن التاسع عشر. لقد أدى انفتاح المغرب على الأسواق الأوربية إلى دخول عدد كبير من القطع النقدية الأجنبية، وذلك مقابل تراجع وقلة القطع المغربية الذهبية منها والفضية. وتذكر بعض المصادر أن معمل فاس لم يصدر سوى قطع ذهبية قليلة وشبيهة بالمسكوكات التي كانت في العهد السابق من حيث الصباغة والوزن. كما أن القطعتين النقديتين الغالبتين كانتا هما الريال الإسباني وقطع خمسة فرنكات الفرنسية أو ما يعرف أيضا بالريال. في مقال ذلك شهدت قيمة النقود المغربية تدهورا مضاعفا منذ سنة 1822م. وذلك فيما يخص الريال الإسباني حيث نجد أن في عام 1828م. كان قد بلغ صرف هذا الريال ما يقدر بـ 1305 أوقية، بالإضافة إلى عدم كفاية العملة الفرنسية لسد المطالب المتزايدة للتجارة، وأيضا توقف الدول الأوربية عن دفع الجزية للمغرب.
في ظل هذه الأوضاع تزايدت نفقات المخزن لتجديد الجيش ما بين 1840-1848م. وأيضا اختفاء العملة المغربية الذهبية عمليا حوالي 1850م، الذي تدخل فيه عاملان ليؤديا –كما لاحظ جرمان عياش- إلى الانفصام بين علاقات القيم بين البرونز والفضة وهما:

-         خروج الفضة بسبب عجز في ميزان الأداءات.
-         انخفاض في قيمة البرونز بالمغرب تحت تأثير سعره المتدهور في الخارج([1]).
انعكس هذا الأمر على السعر التجاري للعملة الأوربية التي عرفت ارتفاعا، مقابل ضعف القطع الفضية المغربية بعد التسرب والتهريب نحو الخارج.
عرف المغرب ظاهرة التغلغل التجاري الأوربي منذ العقود الأولى من القرن التاسع عشر، فإلى حدود الثورة الفرنسية كانت فرنسا تمثل الشريك التجاري الرئيسي للمناطق العربية، غير أن الدمار الذي لحق التجارة الفرنسية على أعقاب الحروب الثورية والنابليونية. أدى إلى انفراد بريطانيا بالدور القيادي التجاري حيث تمكنت من تحقيق السيادة، وظلت على هذه الحال إلى حدود الحرب العالمية الأولى أمام الضغط الألماني والزحف الإيطالي فكان نصيبها قد بلغ حوالي ثلاثة أرباع تجارتها في بلاد المغرب على عهد الثلاثينيات من القرن 19 م. وفي السبعينات من نفس القرن ارتفع ليصل إلى ما يفوق الثلثين.
كانت فرنسا عاجزة في إدخال المغرب ضمن منطقتها الجمركية حيث استعص عليها تحقيق ذلك، وتم تخفيض الرسوم الجمركية إلى نسبة 5% عام 1892م. على السلع الفرنسية بالخصوص بما فيها: المجوهرات والحرير والنبيذ.
ولقد تم إرساء قانون يقوم على الحرية الاقتصادية دون أي تفرقة، والذي صدر في الجزائر عام 1906م. وذلك بعد تهديدات وإصرار ألمانيا، ليتم بمقتضاه السماح للمغرب بفرض ضريبة إضافية مقدارها حوالي 2.5%، وارتفعت الرسوم على الواردات بنسبة 12.5%. مقابل خفضها على بعض السلع الفرنسية، لتعود بعد ذلك فرنسا إلى مكانتها حيث أصبحت تحقق قوة اقتصادية مهمة، فأصبح نصيبها من تجارة المغرب يتجاوز النصف منذ عام 1955م. وعلى أعقاب قيام الحكم الفرنسي كانت معظم الدول العربية بما فيها المغرب تعرف نموا سريعا في وثيرة الإنتاج مما يعكس على المبادلات التجارية بشكل إيجابي. خاصة بعد توافد نسبة كبيرة من المهاجرين إلى المغرب، بالإضافة إلى زيادة كبيرة في معدلات الواردات التي توافقت مع الزيادات العالمية. وتزامنت مع الارتفاعات التي تشهدها الدول المصدرة للبترول.
غير أن الصادرات لم تحقق ارتفاعا كم هو الحال عند الواردات ولقد ظل المغرب صامدا أمام شدة منافسة المنتوجات الأجنبية التي غزت الأسواق العالمية، ويعرف توازنا نسبيا في ميزانه التجاري إلى حدود سنة 1904م. في خضم ما كانت تعرفه معظم الدول من مظاهر العجز والتراجع.

الفلاحة:

إن معظم السكان الذين يعيشون في بلاد المغرب هم كانوا مهاجرين من دول أجنبية بها فيها إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، كما كانوا يمثلون نسبة كبيرة. ولقد تمكنوا في ظل ما كانت تعرفه البلاد من تأزم وتأرجح بين الصعود والنزول في سلم الاقتصاد من امتلاك أراضي شاسعة. فنجد أنه إلى حدود منتصف الستينات من القرن التاسع عشر، كانت الأراضي المخصصة للحبوب تشغل 80% إلى 90% من الأراضي في بلاد المغرب. وفي عام 1799م بلغت فيه مساحة الأراضي الزراعية حوالي 75000 هكتار تنتج أقل من مليون هكتولتر إلى جانب زيت الزيتون والكروم التي تشكل المورد الأساسي للمواد الذهنية التي تستهلكها بلدان البحر المتوسط على مر التاريخ.
كانت الأراضي المخصصة لزراعة القمح الشعير والقطن تمثل نسبة كبيرة، والتي شهدت ارتفاعا قويا منذ سنة 1913م. الأمر الذي انعكس على الوضعية الإنتاجية والتي انتقلت من نسبة 490 سنة 1938م. إلى حوالي 943 سنة 1978م.
ولقد كانت الأساليب الزراعية التي تستفيد من أكبر مساحة من الأرض وبذل أقل قدر من الجهد تستخدم في نطاق واسع، مع ترك نصف الأرض أو حوالي ثلثيها بدون زراعة لإراحتها وصرف المياه الزائدة من التربة.
منذ العشرينيات من القرن التاسع عشر مارس الاحتلال الأوربي ضغوطات متشابهة بهدف نقل ملكية الأرض إليهم، خاصة وأن هذه المرحلة قد عرفت توافد عدد كبير من المهاجرين. غير أن فرنسا لم تكن تملك القدر من الحرية والتصرف الذي مارسته في الجزائر على سبيل المثال، ولقد تمكن الماريشال لوتي من بسط نفوذه وحماية أكبر عدد من أراضي القبائل وفق مرسوم 1914م. ثم بعده مرسوم عام 1919م. والتي يتم من خلاله توزيع الأراضي بدون مقابل. وقد بلغ عدد الأراضي التي يملكها الأوربيون بصفة عامة حوالي 100000 هكتار سنة 1913م. لعدد يتجاوز 524 أوربيا. أما في سنة 1935 فقد أصبح هناك 2070 أوربيا يملكون ما يناهز 529000 هكتار.

الصناعة:

تعد الصناعة من بين القطاعات التي حظيت باهتمام  كبير من طرف الحكومات، ذلك أنها من العوامل والدوافع المساهمة في تنمية الاقتصاد. والتي كان لها فعاليتها وتأثيرها، كما يجسد هذا القطاع أكثر الأنواع التكنولوجيا تقدما ويمكن أن يحقق أعلى معدلات النمو مقارنة مع باقي القطاعات.
ولقد خصص المغرب للصناعات التحويلية والتعدين والطاقة الكهربائية ما يقارب 20% من الاستثمارات، ونجد أن الحكومة هي التي تتكلف بإعانة صناع التعدين. ذلك أنها تقوم بالدور الأساسي فيها حيث كانت هذه المحاولات تطمح إلى تحقيق التكامل الإقليمي. غير أنها لم تبلغ سوى مستوى قليلا من النجاح، فتراوحت نسبة قطاع الاستثمارات خلال الخمسينيات من القرن التاسع عشر بين الثلث والخمسين. وإلى حدد هذه الفترة كان التوسع الصناعي يسير وفق خطى بطيئة، ليعرف فيما بعد تقدما سريعا، حيث ظهرت ثلاثة مجموعات من الصناعات والتي تتمثل في صناعة الاسمنت ومواد البناء، وصناعة ومعالجة المواد الغذائية، منها طحن الغلال، وزيت الزيتون إلى جانب تعليب الأسماك والخضروات. الخبز والفطائر بالإضافة إلى التبغ والصناعات الكيماوية المرتبطة عادة بالفوسفاط.
كما أنه لم تكن إلى غاية سنة 1939م. في شمال إفريقيا أية مصانع للزجاج أو معامل لتكرير السكر إلا في بلاد المغرب.
ومع نهاية الحرب العالمية الأولى تم إنشاء بعض المنشآت الحديثة منها: عدد من المطاحن الغلال ومصانع التعليب، فكانت هذه المصانع ملكا للأوربيين مما مهد الطريق إلى المنافسة الشديدة الأجنبية للمنتوجات المغربية المحلية، خاصة في المناطق الساحلية تزامنا مع السبعينيات من نفس القرن.
وفي الصناعات الحرفية المغربية منها: المنسوجات والطرابيش، والفخار، بالإضافة إلى بعض الأدوات المعدنية. أيضا نجد هناك تخلف قد أصاب مجال الصناعة أو التصنيغ مما أدى إلى عجز الأسواق المحلية عن جذب الاستثمارات اللازمة لإقامة الصناعات، الأمر الذي نتج عنه توجه التجار إلى جلب السلع الكاملة الصنع من الخارج. بالإضافة إلى حدوث انكماش في نسبة الاستثمارات في كل البلدان تزامنا مع الحرب العالمية الأول، حيث اضطر المغرب كما هو الحال عند بعض الدول إلى الاقتراض، مما سيمهد الطريق إلى خضوعه للاستعمار الفرنسي فيما بعد.
وخلاصة القول أن أهم خاصية ميزت الوضعية الاقتصادية المغربية قبل خضوعها للاحتلال الأجنبي، هو اختلال التوازن بين مختلف المجالات بما فيها المستوى المعيشي الذي كان في آخر مراحل الانهيار والانحطاط.
مما يجعلنا نستنتج أن هذه الوضعية جعلت المغرب مضغة سائغة أمام أول عدو يواجهها، ويحاول بسط نفوذه في أراضيها. ففي المرحلة التي كانت الدول الأوربية تعرف تغيرات وتقدما، وتحقق فائضا في الإنتاج فكان تحققها الدول الغربية من فائض وجلب الخيرات والثروات جعله في بحث مستمر ودائم حيال إيجاد أسواق جديدة ومناطق لتصرف هذا الإنتاج، وجلب مواد الخام إلى بلدانها.
يتبع.....



[1]- أحمد التوفيق، المجتمع المغربي في القرن 19م، ص.261.

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -