القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

مقاومة الجنوب الشرقي المغربي للاحتلال الفرنسي :

مقاومة الجنوب الشرقي المغربي للاحتلال الفرنسي : بوذنيب نموذجا 


الدكتور محمد البكراوي

ما هو المجال الجغرافي و البشري الذي تحركت فيه مقاومة الجنوب الشرقي الباسلة ؟ تنتشر في المنطقة تضاريس صحراوية من هضاب و حمادات شاسعة و يخترق هذا المجال واد غير و هو المعروف بروافده كواد ايت عيسى و واد حيدر , و يسود المنطقة مناخ صحراوي جاف حيث لا تتساقط الأمطار إلا نادرا أقل من 100 ملم سنويا في بوذنيب مثلا , مما يؤثر بطبيعة الحال على الحياة الزراعية , إذ يصبح الاعتماد على الري ضروريا لقيام حياة زراعية , وهذا لا يتأتى إلا في مناطق الواحات و خصوصا على طول ملتقى واد غير و روافده الذي يعرف كثافة سكانية عالية نسبيا حيث تتواجد مراكز الاستقرار البشري كالقصور و تستوطن هذا المجال قبائل مستقرة كايت عيسى على ضفاف واد ايت عيسى , بينما قبائل ايت وشن ولد جرير و أولاد الناصر فهي قبائل رحل تنتقل بمواشيها من جمال و ماعز و غنم ما بين الأودية و الحمادات و المناطق الجبلية بالشمال . ما هو وضع الجنوب الشرقي و علاقته بالمخزن و التواجد الفرنسي عند بداية القرن20 م ؟ عرف المغرب كما هو معروف مع بداية القرن 20 تدهورا سياسيا – يعود إلى صغر عمر السلطان مولاي عبد العزيز – و اقتصاديا و ماليا و اجتماعيا , و هذا ما أثر على علاقة المخزن بالمناطق الهامشية خصوصا الجنوب الشرقي اّ أصبح حضور المخزن بالمنطقة غائبا في الوقت الذي احتلت فيه الجيوش الفرنسية الواحات , كما هو معلوم توات سنة 1900 و فزازة سنة 1905, ولقد اشتدت الأطماع الفرنسية بعد نجاح دبلوماسيتها لتسوية أجواء الحساب العسكري بعقد صفقات مع الدول الاستعمارية المنافسة لها حول المغرب مما سمح لها أن توجه أنظارها لاحتلال المناطق الشمالية الشرقية بع احتلال منطقة الشاوية و الدار البيضاء في الغرب و في نفس الوقت شرع المستعمر الاسباني في القيام بعملياته العسكرية من جهته في شمال المغرب حيث احتلت جيوش الجنرال مارينا ميناء ريستنكا في فبراير 1908 بعد ذلك تم احتلال رأس الماء و بالتالي أصبح المغرب مطوقا من جميع الجهات شرقا و غربا , شمالا و جنوبا, إن هذا التدخل الأجنبي أدى إلى تدهور شعبي عريض و استياء عام تبلور في الثورة الحقيقية التي رفعت شعار الجهاد ضد المحتل . وقد كانت لهذه الثورة أصداء قوية في الجنوب الشرقي و أكدت حماس المجاهدين أمام عجز السلطان الجديد للدفاع عن الوطن و تحرير المناطق المحتلة , تجند السكان تلقائيا حول الزعماء المحليين لصد عدوان التدخل الفرنسي . فمن حمل راية الجهاد في هذه المنطقة ؟ وما هي مراحل و تجليات المقاومة الشعبية بالجنوب الشرقي ؟ ــ أولا : يجب الوقوف عند الزاوية الدرقاوية في تعبئة السكان بالمنطقة يذكر المختار السوسي في كتابه المعسول في الجزء 16 ما يلي : " فقد اجتمع رأي البربر في تافيلالت بادئ ذي بدء ليذهبوا إلى بوذنيب ليدافعوا عن تلك المدينة , فقال مولاي رشيد العلوي الخليفة بالمنطقة ابتعدوا فان الحكومة هي التي تقوم الجيوش التي تدافع عن البلاد وهي الآن في مخاطبة مع العميل و لا الإفتاء في ذلك مع الحكومة , فانزلوا عندي هنا وأنا أمون الناس و الدماء آنذاك فائضة ضد الاحتلال , فذهب الجيش رغم هذه النصيحة . إن موقف المخزن هذا الذي لا يستجيب لطموحات المقاومين بمنطقة الجنوب الشرقي دفعهم للبحث عن البديل ,فالتفوا حول أحد شيوخ الزاوية الدرقاوية لأن دور الزاوية في تاريخ المغرب معروف وخصوصا خلال فترات تدهور السلطة المركزية و التهديد الأجنبي للبلاد جنوب الشرقي تتمتع الزاوية الدرقاوية بنفوذ قوي و واسع وذلك منذ أن استقرت الطريقة الدرقاوية بالمنطقة سنة 1880بع تشييد فرعين للزاوية بتافيلالت على يد الشيخ سيدي محمد بن عبده و لقد اشتهر هذا الشيخ برسائله الموجهة إلى أنحاء المغرب و الحث على الجهاد في أواخر القرن 19 فتحملت الزاوية بذلك دورا أساسيا للوقوف في وجه التدخل الأجنبي . و بعد وفاة سيدي محمد بن عبده سنة 1892 سيؤسس مولاي أحمد بن الحسن السبعي الزاوية الدرقاوية بأيت السبع التي انتشر صيتها و ستتحمل عبء الجهاد في الوقت الذي كانت فيه الزاوية الأخرى تمر بأزمة حادة . فمن هو مولاي أحمد بن الحسن السبعي ؟ يقول فيه الأستاذ محمد البكر ي ما يلي : " ولادته كانت بصفرو بتاريخ غير محدد , و بفاس كانت نشأته و بها تلقى العلوم حتى أخذ منها بنصيب موفور وكان أساتذته بالأشياء أعلم أحمد المرنسي و محمد بن الرحمان الحوتي و احمد بناني " و منذ عام 1281ه اتصل بالطريقة الدرقاوية الشيخ محمد بن العربي محمد الهاشمي حسن العلوي المدغري , وكان انقطع إليه في زاويته مدة طويلة ثم انتقل إلى قصر ايت السبع و استوطنه إلى حين و ازداد من ملازمه أستاذه تضلعا في المعارف و الأذواق الصوفية , غير إن الطابع البارز في حياته هو استماتته في الجهاد و الدعوة إليه , وأنه إلى جانب ذلك كان عارفا بالعلوم الإسلامية و العربية متفوقا في المعارف الصوفية وذلك ما تبينه المؤلفات التي دونها في شتى الموضوعات في الشعر من تصوف ودعوة إلى الجهاد إلى غير ذلك ...لقد استفاد مولاي الحسن السبعي من معطيين هامين هما : ــ المعطى الأول : حالة اليأس التي كانت تخيم على سكان المنطقة و التي تحولت إلى حافز قوي . ــ المعطى الثاني : هو النفوذ الديني الذي كانت تتمتع به الزاوية الدرقاوية في المنطقة , وقد قاد عملية الجهاد بتنسيق مع السلطات " مولاي عبد الحفيظ " في البداية على الأقل , ولم يطمح إلى لعب دور سياسي وهذا ما يؤكده المختار السوسي حينما يقول : " فلم يظهر منه تطاول إلى الرئاسة بل غايته وحيدة معارضة النصارى , ينادي في الأسواق و المساجد بالجهاد " . الآن أتوقف عند معارك أبريل سنة 1908 واحتلال بوذنيب , تمكن أحمد السبعي من أن يجمع حوله مجموعة من القبائل ويذكر أحمد بالقاسم المفضلي مؤرخ الأطلس المتوسط الذي سبقت الإشارة إليه أن مولاي أحمد السبعي قد استطاع توجيه جل قبائل تافيلالت ضد الغزو الفرنسي كأي تزدك وايت عطا بالإضافة إلى قبائل الصحراء , فأرسل مجموعة من المقربين منه إلى مختلف القبائل يحثها على الجهاد كما اٍسل ابنه مثلا إلى تافيلالت و إلى زيان , وبموازاة مع ذلك اهتم بتنظيم مستلزمات الجهاد من خيام ومؤمن و استطاع بذلك يعبئ حوالي 5000 مقاوم عند بداية أبريل 1908 , أوفيكم بالأرقام و بالأعداد التي أعطتها كل قبيلة من المشاة و خيال إلى غير ذلك , هكذا وفي 16 أبريل 1908 قرر مولاي أحمد السبعي مباغته الفرنسيين في المنابهة , فطوق الجاهدون مخيم العقيد بيرون من جميع الجهات شمالا و شرقا و جنوبا و غربا , و جرت بين الطرفين معركة طاحنة اشتبك فيها المقاتلون بالسلاح الأبيض ثم دارت معركة أخرى بالكون في 17 أبريل 1908 التي يصفها الأستاذ المنوني كالتالي : " حمي وطيس المعركة و تقدم المجاهدون نحو المعركة مهاجمين وجل المجاهدين رجالا و فيهم قليل من الخيل و رئيسهم مولاي سي أحمد السبعي على بغلة قصيرة هو أيضا ". ولقد أظهر شجاعة ناذرة كانت على حد تعبير موريس تنبرنار احد مديري الاستعمار الفرنسي"أخطر معركة تعرضنا لها منذ بداية المسألة المغربية وتكبدنا خلالها خسائر جسيمة تمثلت في 19 قتيلا من بينهم ضابط واحد و 101 جريح و 9 ضباط . وتوالت المعارك بين المجاهدين و العدو ليتمكن هذا ألخير بفضل تفوقه عددا و عدة بالمدفعية الثقيلة و الرشاشات و المتفجرات من احتلال بوذنيب في 22 أبريل سنة 1908 وطرد جميع السكان ثم استقر العدو في كولما خلال فاتح ماي , وفي 4ماي احتل ايت السبع بعدما قصفها بالمدفعية الثقيلة وهجم زاويتها وصومعة المسجد إنها كما تلاحظون حرب صليبية في الحقيقة كما تثبت ذلك الصور ,فهناك مجموعة من الفرنسية“l’illustration’’ الصور تبين هذا الهدم نشرتها مجلة تبين قصف المسجد وقصف الزاوية , زاوية ايت السبع عن أخرها , وكذلك جثث المقاومين . وفي 13 ماي جرت معركة أخرى بناحية بني مزيان , و رغم التفوق العددي الفرنسي فقد استبسل المجاهدون في القتال حيث استمرت المعركة من الثانية زوالا إلى المساء وعلى إثرها تضطر الجنرال فيجي إلى طلب المساعدة من القوات الفرنسية المرابطة بالجزائر , في 14 ماي 1908 هاجمت القوات الفرنسية بوذنيب التي التجأ إليها المجاهدون و انتشروا في واحتها , فأمر الجنرال فيجي بقصف بوذنيب وقصورها وواحتها , وقاومت بوذنيب العدو طيلة النهار قبل أن تستسلم .يذكر الأستاذ المنوني أن القتال استمر بين السحر "الليل" إلى غروب الغد و اشتد القتال وكثرت الطلقات المدفعية و القنابل منها تحصد الناس حصدا و مولاي أحمد السبعي على بغلته يصيح في الناس و يحرض على الثبات , ثم يضيف , وكان يوما جديدا و الزمن زمن صيف و صحراء بوذنيب حارة و الماء معدوم في بعض الأماكن , التف الناس بهذا وصمدوا في وجه العدو , القتلى تتساقط من القدام و الخلف و اليمين و الشمال و لا أحد تحدته نفسه بالفرار استماتة في سبيل الصالح العام . ويؤكد أحد الضباط الفرنسيين ما يلي : " لقد دافع المغاربة باستماتة و بشجاعة فائقة و باستخفاف بالموت ". وبعد هذه المعركة تراجع المجاهدون وتحصنوا في قمم التلال و الجبال , ولقد كان لاحتلال بوذنيب من قبل القوات الفرنسية صدى قويا ,حيث بادرت القبائل لمسانده إخوانهم الجاهدين , فتوافد مقاومو المغرب و الأطلس المتوسط ومن بينهم بالخصوص أمهاوش شيخ الزاوية الدرقاوية بالأطلس المتوسط .هكذا وخلال شهر غشت سنة 1908 تجمع المجاهدون في إعداد تراوحت 15000و 20000 بأغفوس وتقدموا نحو سهل الجوف فضربوا حصارا شديدا على بوذنيب التي حولها الفرنسيون إلى مركز عسكري . إن المعارك السابقة التي دارت ما بين 16 أبريل و 14 ماي من سنة 1908 لم تنل من معنوية المجاهدين في مواصلة القتال و الدفاع عن أنفسهم وعن وطنهم , وهذا العزم القوي و المعنوية المرتفعة تؤكدهما الرسالة التي وجهها مولاي احمد السبعي في نهاية غشت 1908 إلى القائد الفرنسي فيجي رئيس حامية بوذنيب يدعوه فيها إلى خوض معركة في سهل الجرف إلا أن المستعمر بطبيعة الحال رفض الدخول في مواجهة مباشرة ضد المجاهدين مما جعل المجاهدين يضربون حصارا على بوذنيب استغرق 5 أيام عانى خلالها الفرنسيين الأمرين .ولم يستطع المستعمر فك هذا الحصار عن بوذنيب إلا بع وصول تعزيزات وإمدادات ضخمة من الشرق تحت قيادة العقيد أليكس تتكون من 15 رجلا مجهزا بأحدث الأسلحة و 16 آلية من المدفعية الثقيلة أغرقت مراكز المقاومة بالجرف في الدم و النار , فتراجع المجاهدون على أثر هذه الهزيمة نحو أغفوس وأعالي غير بتزكت , وهكذا استغرقت معركة بوذنيب أكثر من 6 أشهر , و يمكن إرجاع أسباب فشل هذه المقاومة إلى العوامل التالية : ــ أولا : التفوق العسكري للمحتل عدة و عددا . ــ ثانيا : التباين في اتخاذ القرارات في العمليات العسكرية مثلا تحمل كل قبيلة , قبيلة أخرى سبب الهزيمة في المعارك السابقة ثم معركة بوذنيب . ــ أولا : دور العامل الديني في المقاومة : لقد لعبت الخاصية الدينية في إيقاظ الشعور لمناهضة الغزو الفرنسي فقد التف المقاومون حول مولاي أحمد السبعي من أجل الجهاد وعند هذا المبدأ المقدس تناست القبائل خلافاتها و لقد لعبت الزاوية الدرقاوية دورا بارزا وهاما في التأثير على مجرى الأحداث . ــ ثانيا : لم تكن مقاومة مولاي أحمد السبعي في الحقيقة إلا حلقة ضمن حلقات مقاومة تافيلالت للاحتلال الفرنسي منذ بداية القرن 20والتي ستستمر إلى سنة 1934 و يعتبر بذلك الجنوب الشرقي من المعاقل الأولى و الأساسية للمقاومة المسلحة المغربية . ــ ثالثا :المهد الوطني في مقاومة الجنوب الشرقي : يظهر هذا المهد الوطني واضحا في شخصية مولاي احمد السبعي و مساعدة القبائل المغربية المختلفة : بربرية و عربية و شخصيات بارزة , تنتمي هذه القبائل إلى مناطق مختلفة في البلاد فكما سبق الذكر أن مولاي أحمد السبعي ولد بصفرو ونشأ في فاس ثن انتقل إلى قبائل الجنوب الشرقي ليبدأ حركة الجهاد كما سيواصل أبناؤه محمد ابن الشيخ بالخصوص نضاله بناحية تازة إلى جانب سيدي رحو
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات