القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

أحمد المنصور .. سلطان العصر الذهبي

 
أحمد المنصور .. سلطان العصر الذهبي



أحمد المنصور الذهبي "Ahmad Al-Mansur Ad-Dahabi" هو أحمد بن محمد الشيخ المهدي ، واسط عقد ملوك السعديين ، أحد ملوك المغرب العظماء وباني قصر البديع. من مواليد فاس سنة 1549/956 ، و بويع في ساحة معركة وادي المخازن الزاهرة يوم الاثنين نهاية جمادى الأولى سنة 986/4 / آب 1578 م ، بعد وفاة السلطان عبد الملك.

أحمد المنصور الذهبي.. سلطان العصر الذهبي للدولة المغربية
فنان غير معروف من القرن السابع عشر - أحمد المنصور لريتشارد سميث
Ahmad al-Mansur by Richard L. Smith

أحمد المنصور .. سلطان العصر الذهبي للدولة المغربية

يعتبر عهده الذي دام حوالي ست وعشرين سنة أزهى عهود الدولة السعدية رخاء وعلما وعمرانا وجاها وقوة. لقِّب بالمنصور بالله تيمُّنًا بانتصار المغاربة على القوى الصليبيَّة في معركة وادي المخازن. سياسية المنصور السعدي الحكيمة قضَت على مؤامرات الأتراك والثورات الداخلية ضد حكمه. انفتاح المغرب في عهد أحمد المنصور الذهبي على بلاد المشرق والقوى المسيحية أدَّى إلى فوائدَ عظيمة للبلاد المغربية. المنصور وسَّع رقعة المغرب، حكم السلطان المنصور السعدي منطقة السودان الغربي، وحافظ على قوة المغرب وكيانه، كما سمي المنصور الذهبي بالذهبي لغنى وقوة الدولة المغربية في عهده.

أحمد المنصور الذهبي.. سلطان العصر الذهبي للدولة المغربية
سلطان أحمد المنصور الذهبي بلباس المنصورية
السلطان أحمدالمنصور في حدائق قصر البديع في مراكش. منمنمة عثمانية ، القرن السابع عشر.

الدولة السعدية بالمغرب


الدولة السعدية في عهد أحمد المنصور الذهبي

اعتنى السلطان أحمد المنصور الذهبي بزراعة السكر وصناعته، ووسع مزارعه التي لم تعد قاصرة على سوس وإنما أصبحت تنتشر في بلاد حاحا وشيشاوة القريبة من مراكش. طور مصانع تصفية السكر، وجهزها بأحدث الآلات بحيث أصبح السكر المغربي مرغوبا فيه من مختلف البلاد الإفريقية والأوربية. ووظف عائدات تجارة السكر والتبر المجلوب من السودان في تشييد منشآت عمرانية دينية وعلمية وعسكرية في مختلف أنحاء البلاد، وأعظمها قصر البديع بمراكش الذي لم يبن قبله مثله في هذه البلاد.↚

تعزيز السلطة المركزية

كان تنظيم المخزن السعدي مشابها لتنظيم المخزن المغربي في عهود الدول المغربية السابقة، ويتكون من مجلس مُصغر يسمى الديوان، وهيئة من الكتاب، وظل الوزير والحاجب أهم عناصر المخزن، وفي الأقاليم يُعين قواد ينوبون عن السلطان في فرض الأمن وجباية الضرائب، إلا أن الجديد هو أن هذا المخزن تأثر بالأتراك وخاصة في الألقاب مثل الباي والباشا.

كما أدخل المنصور بعض مظاهر الملك، مثل المظل الكبير الذي يرفع في مواكب السلطان.

وكوَّن المنصور جيشا نظاميا، حيث أعاد تنظيم فرق الأجانب التي كونها أسلافه متأثرا أيضا بالمظاهر التركية في أسماء الفرق والأزياء، وينقسم هذا الجيش إلى قسمين كبيرين : الفرق الأجنبية والفرق المغربية.

فرق الجنود الأجانب وتنقسم إلى فرقتين : العُلوج ( الأوروبيين الذين أسلموا ) ومن انضم إليهم من الأندلسيين، والثانية فرقة الأتراك وزواوة ( قبائل جبلية جزائرية ).
فرق مغربية من الجند النظامي والمتطوعين وتتكون أساسا من قبائل سوس وقبائل الكيش وهي أساسا من عرب بني معقل كالأوداية وغيرهم.
وأعجب المنصور بمظاهر الاستعراضات في الجيش العثماني فأدخلها إلى المغرب.

وينقسم ( الجيش ) إلى كتيبتين إحداهما ذات اليمين والأخرى ذات الشمـال … وَأمامها الطبل العظيم الذي يُسْمع صوْتهُ علَى البُعد .. ومن خلفه الطبول الأخرى التي تُقرع مع المزامير المعروفة بالغيطات … وَمزامير أخرى وجِعاب طِوالٌ صُفْرية على مقدار النَّفير تُسمَّى الطُرْنْبِطات ) الفشتالي : « مناهل الصفا في أخبار الملوك الشرفاء

معركة الملوك الثلاثة

أحمد المنصور الذهبي
معركة الملوك الثلاثة - وادي المخازن قرب القصر الكبير

تميزت الحقبة التي حدثت فيها معركة الملوك الثلاثة أو وادي المخازن بتنامي الأطماع الصليبية في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط وبتزايد حدة الاكتشافات الجغرافية التي حملت في طياتها رغبة جامحة نحو مد نفوذ أوروبا الصليبية على العالم أجمع، كما عرفت هذه الفترة أيضا صراعا ضاريا بين العثمانيين والأوروبيين، فلا عجب أن تدفع أوروبا بكل ما أوتيت من قوة في اتجاه احتلال المغرب، وقد شكل لجوء المتوكل إلى «دون سيباستيان» مناسبة سانحة لاجتياح المغرب، فأطلق الفاتيكان نداء الحرب المقدسة ولبت أوروبا النداء فاجتمع للغزاة جيش مؤلف من ثلاثة آلاف ألماني وعشرين ألف إسباني وثلاثة آلاف إيطالي واثني عشر ألف برتغالي وبعث بابا روما بأربعة آلاف وغير هؤلاء خلق كثير من الحاقدين على المغرب وأهله، وجاز الجيش الذي يتكون من نحو مائة وعشرين ألف مقاتل إلى عدوة المغرب وهنا حاول المتوكل استمالة ضعاف النفوس من المسلمين فراسلهم يعدهم ويمنيهم الأماني إن قبلوا نصرته، ويتوعدهم إن تخلفوا، فكان مما راسل به بعض أعيان مراكش «ما استصرخت بالنصارى حتى عدمت النصرة من المسلمين، وقد قال العلماء إنه يجوز للإنسان أن يستعين على من غصبه حقه بكل ما أمكنه» ثم راح يتهددهم «فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله والرسول» وهنا ينهض علماء المغرب الأقصى بواجب الرد على المتوكل حتى لا يبقى هناك مجال لمتردد أو متأول في مسألة جواز الاستعانة بالمشرك على المسلم، ومما جاء في ردهم الذي قامت به الحجة على خيانة المتوكل «الحمد لله كما يجب لجلاله والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير أبنائه ورسله، والرضى عن آله وأصحابه الذين هجروا دين الكفر فما نصروه ولا استنصروا به حتى أسس الله دين الإسلام بشروط صحته، و بعد فهذا جواب من كافة الشرفاء والعلماء والصلحاء والأجناد من أهل المغرب... إلى أن قالوا «قال عليه الصلاة والسلام «إني لا أستعين بمشرك» وبذلك أسقطوا حجة المتوكل ووقفوا سدا منيعا أمام الفتنة التي رام بها زعزعة صف المسلمين.

الحق جل جلالا زور ولا هــــــــدر ...وادي المخازن ذكرى حفها الظفـــر
وادي المخازن يا أنشوذة عبقــــــت ...بعطرها صحف التاريخ والســـــير
فخر الملاحم في دنيا الجهاد فـــــــلا... تدنو إلى شأوها ملاحم أخـــــــــــر
تبقى مدى الدهر شمسا لا تغيب ولا... يخفى نصاعتها غيم ولا مطـــــــــر
لولاك ما كانت الأمجاد كاملــــــــة... وان تعددت الأشكال والصــــــــــــور

 ولم يكن نصر المغاربة على عدوهم في معركة وادي المخازن صدفة طارئة بل محصلة استعداد وتدبير محكم، إذ أرسل السلطان عبد الملك إلى أخيه أحمد المنصور يطلب نجدته وأرسل إلى السلطان العثماني يستصرخه فأجابه وأمده بجنود مدربين وعلى رأسهم رضوان قائد المدفعية والذي أبلى أحسن البلاء في المعركة. وقد أحسن السلطان عبد الملك وأخوه أحمد المنصور اختيار مكان المعركة، حيث أرسل عبد الملك إلى سباستيان يستفزه قائلا: «إني جئتك من مراكش ورحلت إليك ست عشرة مرحلة وأنت لم تدن إلي مرحلة واحدة» فارتحل النصراني من تاهدارت ونزل على وادي المخازن.... وممن شارك في المعركة الشيخ أبو المحاسن الفاسي، يستنفر الهمم تارة ويثبت المقاتلين أخرى وينغمس بنفسه في صفوف العدو فيضرب بذلك أروع الأمثلة على ما يجب أن يكون عليه الداعية، ويلتقي الجمعان بوادي المخازن فتدور معركة غير متكافئة من حيث العدد والعدة لكن النصر فيها حالف المغاربة المؤمنين، وكيف لا يكون ذلك وعلى رأسهم عبد الملك الذي أوهن المرض عظمه فلم يتداع إلى الراحة بل قاد المعركة بنفسه وتحمل عناء الإعداد لها غير أن المنية عاجلته فتكتم حاجبه القائد الطائع على الخبر وأسلم القيادة للمنصور الذهبي الذي تقدم بجنده وأعمل السيف في رقاب عدوه بعد تخريب قنطرة وادي المخازن فما منهم إلا قتيل أو أسير أو غريق، وقد أظفره الله بالمتوكل فسلخ جلده وأمر رجاله فطافوا به في مراكش ليكون عبرة لكل خائن وسمي لذلك بالمسلوخ.

أحمد المنصور الذهبي
King Sebastian of Portugal.

كان لهذا النصر أعظم الأثر في إيقاف الأطماع الصليبية، فما هو إلا أن انتهت فصولها حتى توافدت الوفود الأوربية تترى على أحمد المنصور الذهبي تهادنه وتسترضيه بالهدايا، وفي ذلك يقول الناصري صاحب الاستقصا، «وكانت الوفود من كل البلدان الأوروبية تصبح وتمسي على أعتاب قصور المنصور».

أحمد المنصور الذهبي
إليزابيث الأولى، ملكة انجلترا
وقد أسر أحمد المنصور الذهبي من النصارى خلقا كثيرا فجعل ذووهم يفتدونهم إلى أن امتلأت خزائن الدولة، وهنا يتدخل الفقيه الزاهد رضوان الجنوي في لوم المنصور على قبوله المال في الأسرى « كيف يمشي هؤلاء الكفار كلهم إلى بلادهم، وإخواننا المسلمون في غاية العذاب والإهانة، ونحن قادرون على ألا يبقى واحد منهم في أيديهم وفداؤهم فرض علينا من بيت المال... وحصل في أيدي المسلمين رؤوس الكفر،إلا وهم يمشون لبلادهم بالشيء التافه الذي لا حاجة للإسلام به ويبقى إخواننا وأخواتنا بأيديهم فالله الله في فك الأسرى بقدر الجهد» وكان الأولى أن يفتدي أسرى المسلمين، ثم يراسله مرة أخرى يحثه على انتزاع كل بلاد المسلمين من أيدي النصارى لا يفرط في شبر منها «خذوا في ذلك بغاية جهدكم ولا تتراخوا عن ما ندبكم إليه المولى تبارك وتعالى (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ) فالله الله في الحزم وإمضاء العزم وهو ما ظهر لرعيتكم من انتهاز هذه الفرصة الممكنة في هذا الوقت من الحركة لمدائن الكفار التي هي طنجة وأصيلا وسبتة، فإنهم في هذه الساعة في دهش وخزي وخذلان بما أمكن الله منهم ولا أظن - نصركم الله – مثل هذا يخفى عليكم حتى نحتاج أن نذكركم به، وقد بلغني من بعض الناس ممن تخلف عن هذه الغزوة أنهم أصابهم أسف وحزن عظيم وحرقة وندم على ما فاتهم من الحضور معكم» وهو بذلك يمثل ضمير الأمة المتيقظ فلا حياة حقا لأمة غفا ضميرها.

أحمد المنصور الذهبي
In 1600 Ahmad al-Mansur sent his Secretary Abd el-Ouahed ben Messaoud
 (pictured) as ambassador of Morocco to the Court of Queen Elizabeth I
 of England to negotiate an alliance against Spain.
لوحة للسفير عبد الواحد عنون سفير أحمد المنصور 
 للملكة إليزابيث الأولى.


رغم انتصار أحمد المنصور الذهبي في معركة وادي المخازن فإنه ظل مسالما لإسبانيا التي ضمت البرتغال لحكمها نحوا 60 سنة بعد فراغ السلطة فيها جراء الهزيمة في المعركة، فظَلَّ مصير البرتغال يتأرجح بين السياسات الأوربية التي كانت تتجاذبها بهذا الصدد أطماع وأغراض سياسية، فقد وجهت إليزابيث الأولى ملكة إنجلترا إلى أحمد المنصور رسالة تشكره على الوعد بإعانة أنطونيو من كراتو المرشح لعرش البرتغال وتخبره بانهزام أسطول الأرمادا الإسباني في 10 أغسطس 1588. كما توصيه بالأمير كريسطوف (بالبرتغالية: Christovao) الذي وجهه والده انطونيو رهينة إلى سلطان المغرب مقابل قرض مالي.

أحمد المنصور الذهبي
António de Portugal, Prior do Crato

حملة أحمد المنصور الذهبي على السودان

في عهد أحمد المنصور بالذات تجمع عدد من الأندلسيين الناقمين بالمغرب، وكون أحمد المنصور من هؤلاء جيشا هاما كان يسمى «جيش الأندلسيين» وكان من بين أفراد هذا الجيش الناقم ضباط وقادة ورؤساء.. ونظرا لعهد الازدهار الذي عرفه المغرب في حياة أحمد المنصور الذهبي فإن الجيش المغربي عرف بدوره تنظيما محكما ونموا وقوة ونظاما.. وأصبح هذا الجيش يقوم بتدريباته واستعراضاته في أبهى حلة وأتم استعداد، وأحسن نظام.

ومعنى ذلك أن عملية فتح السودان في نظر أحمد المنصور فيها فسح المجال للجيش ليقوم بواجبه في توحيد كلمة المسلمين، وفي نشر الإسلام في ربوع افريقيا. وفي نفس الوقت فيها كسب جديد من الناحية المادية والبشرية خاصة وأن التاريخ يشهد بأن معركة الزلاقة لعب فيها الصحراويون دورا هاما بجمالهم وطبولهم وهيئاتهم.

ظرا لصعوبة المرور مرة ثانية إلى الشمال ( الأندلس) و ازدياد الخطر التركي من جهة الشرق ارتكز تفكير المنصور في جهة الجنوب ( السودان الغربي) حيث فكر وقدر أن قواته لا تستطيع اختراق حاجز الأتراك في الشرق، ولا مصادمة الاسبانيين وراء المضيق، فلم يبق أمامه مجال للعمل إلا من ناحية الجنوب. في ظل هذا الوضع الصعب عمل المنصور على تحقيق رغبته التوسعية، و مهد لذلك بضمان بيعة ملك بورنوا كانم إدريس ألوما سنة 1583م كما ضم تيكورارين وتوات إلى السيادة المغربية وأخضع الإمارات السودانية الصغيرة في منطقة حوض السنغال ، ولم تقف في وجهه سوى مملكة سنغاي وريثة الإمبراطوريتين العريقتين مالي وغانا ، أمام إصرار مملكة السنغاي على عدم الخضوع للسلطان السعدي و الدخول تحت سيادته ، بدأ المنصور الذهبي في الاستعداد للقيام بحملة ضد ملك كاغوا ،حيث وجه حملة عسكرية على مملكة السنغاي وصلت إلى عاصمتها كاغوا و هزمت جيوشها في 12 مارس1591م.

كثير من الوثائق التي تعود إلى نفس الفترة، فمن ذلك مثلا تلك القصائد الرائعة التي كانت تنشد بمحضر أحمد المنصور مهنئة ومبرزة مواهبه ومشيدة بفتوحاته وأعماله... والتي كانت في معظمها تشير إلى أن الانتصارات في السودان لا يتم جدواها  إلا بفتح الأندلس!!.
ومن المهنئين بالفتح من كان يذهب بعيدا أو يطالب بأن يكون المغرب هو مقر الخلافة الإسلامية، وبأن يكون أحمد المنصور هو خليفة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. ولقد نقل لنا الشاعر الأديب وزير القلم عبد العزيز الفتشالي في كتابه مناهل الصفا (2) عددا من هذه القصائد سواء في حديثه عن فتوح السودان أو أثناء تصويره لروعة الاحتفال بعيد المولد النبوي على عهد احمد المنصور، لأن كثيرا من قصائد التهنئة بهذه المناسبات كانت تعرج في نهايتها على الإلحاح بإنجاز مثل هذه المطالب والمتمنيات.
ومن ذلك مثلا قول الكاتب الشاعر الحسن بن أحمد المسفيوي أثناء احتفالات المنصور بانتصارات جيشه في السودان:

«فملكت أقطار الجنوب وما سمت لمنال ذلك همة الاسكندر»
«وتنال أندلسا يجود ربوعها برد المنية من غمام العيتر»
«فقد الجياد إلى الضلال تسومها حكم الردي وتدوس معطس قيصر».
«أدرك فيها الثأر المنيم فطالما ألوى به للدين رهط الأصغر».

ومن قصيدة طويلة للشاعر محمد بن علي الفشتالي يهنئ بها المنصور على فتوحاته في السودان قوله:

«منحتك ابكار الليالي وصلها حتى تنال بها كبير مؤمل».
«وتضيف ملك مشارق لمغارب عفوا كنظم جنوبها والشمال».

من خلال ما نقله المؤرخ الإفراني في كتابه نزهة الحادي في أخبار ملوك القرن الحادي في قولة احمد المنصور الذهبي:"ونحن اليوم قد انسدت أبواب الأندلس باستيلاء العدو الكافر عليه جملة وانقضت عنا حروب تلمسان ونواحيها من الجزائر باستيلاء الترك عليها" ص91 ، ما يوضح هذا أكثر ما ورد في كتاب حسن الوزان " وصف إفريقيا" أن أحمد المنصور جمع أهل الرأي للتشاور وخلص إلى أنه يريد مقاتلة ملك كاغوا لأن بلاده وافرة الخراج . هذا إضافة إلى أن المصادر التاريخية تذكر أن المنصور تقدم بطلب إلى ملك السنغاي أسكيا إسحاق سنة 1590م يطلبه فيه على مقدار من الذهب على كل قطعة ملح تخرج من تغازى ، كما ذكر صاحب الدولة السعدية التكمادرتية بأن أحمد المنصور قام بحملة استكشافية إلى السودان الغربي هلك مقاتلها في فيافي الصحراء ، ضف إلى هذا كله أن الحملة جاءت في وقت تعيش فيه الدولة السعدية شبه أزمة مالية نظرا لتأسيس جيش نضامي ، حيث أسس المنصور جيشا نظاميا ذا فرق مرتبة ومتميزة بلباسها وأسلحتها ومهامها ويخضع للتدريب ويتلقى أجرته من بيت المال ، وما يتطلبه هذا الأخير(الجيش) من مصاريف مالية باهظة تستوجب القيام بسياسة ضريبية جديدة ، و هذا ما لا يمكن القيام به نظرا لأن الدولة حددت مند البداية حجم الضرائب و مكان صرفها . و ما يوضح الأمر أكثر هو خيبة أمل "جودر" (قائد الحملة العسكرية الأولى) الذي لم يستطع الحصول على الذهب وتعويضه بقائد أخر شن حرب على الأهالي و العلماء.

وقد اغتنى المنصور من هذه الحملة الشيء الكثير حتى لقب بالذهبي، فقد ذكر صاحب كتاب "الدولة السعدية التكمادرتية" "... واجتمعت عنده الأموال و الذخائر و المماليك ، أخد نصف المحلة وارتحل نصفها مع المال ، و توجهت إلى مراكش ، فلما قاربت المدينة خرج القواد و الأكابر إلى لقاء المحلة و الذخائر ، فدخل لدار السلطان اثنى عشر مائة مملوك بين الجواري و الغلمان ، وأربعون جملا من التبر و أربعة سروج من الذهب و أحمال كثيرة من العاج ... فتدخر من ذلك مولاي أحمد الذهبي ، و قوي ملكه،وبقيت جباية السودان تأتيه كل سنة ... "

أحمد المنصور الذهبي
West Africa after the Moroccan invasion.


 تنامت رقعة الدولة في عهده بعد أن ضم إليه بلاد السودان، وقوي اقتصادها وازدهر وعني بإنتاج السكر فأنشأ معاصر للسكر بمراكش وبلاد شفشاوة وحاجة، حتى قايضه مع أوربا بالرخام فكان عهده من أزهى عهود المغرب وأكثرها نماء.

لعل أهم حدث سياسي يَرتبط باسم المنصور الذهبي، ويتميَّز به تاريخ المغرب هو ضمُّ بلاد السودان الغربي إلى المغرب الأقصى؛ فقد امتد سلطان المنصور إلى تمبكتو وكاغو وكاتم بأرض السودان.↚

توسيع رقعة المغرب

السلطان أحمد المنصور الذهبي
الامبراطورية المغربية في عهد أحمد المنصور الذهبي

عاودَت المنصورَ أحلامُ والده المهديِّ في تحقيق الدولة المغربية الكبرى، وأراد أن يَنجح فيما قصرت به إمكانيات وظروف والده الراحل.

ولعل أهم حدث سياسي يَرتبط باسم المنصور الذهبي، ويتميَّز به تاريخ دولة الأشراف السعديين هو ضمُّ بلاد السودان الغربي إلى المغرب الأقصى؛ فقد امتد سلطان المنصور إلى تمبكتو وكاغو وكاتم بأرض السودان، ولولا كيد آل عثمان ومؤامراتهم لانضمَّت لسكان المغرب مملكة التيكرور وبرنو منذ ذلك العهد، ولكانت بأفريقيةَ دولةٌ إسلامية معتزة بشعوبها وسلطانها في العصر الذي تحوَّلَت فيه الحياة في أروبا إلى الصناعة والغزو والفتوحات.

وقد استطاع المنصور الاستيلاءَ على واحتي تيكورارين وتوات من أرض الصحراء سنة 990 هـ، فاشتهر أمره في السودان، فأرسل إليه سلطان برنو بهدية وبايعَه، ثم تطلَّعَت نفسه لفتح السودان الغربي، فجهَّز لذلك جيشًا تحت قيادة جؤذر باشا، فمرت جيوشه بتنانسيف ثم بدَرعة، ثم قصَدوا تميكتو ثم إلى كاغو، وكان ملكها يُدعى إسحاق اسكيه، فبرز لقتالهم، وصبر السودانيُّون على نار المدافع المغربية، ولكن جيوش المنصور استطاعت آخر الأمر أن تستولي على بلاد السودان الغربي، وتعلن تبعيَّتَه لدولة الأشراف السعديين في مراكش.

ولم يأت عام ألف للهجرة (1591 م) حتى غدا المنصورُ إمبراطورًا يحكم أراضيَ واسعة بغربي أفريقية، تضم من بين مناطقها بلاد السودان الغنيَّة بذهبها وتوابلها ورقيقها، والتي كانت من أهم الأسواق التجارية في العالم وفي أفريقية بوجهٍ خاص.

وغدا المنصور بذلك ندًّا قويًّا لكلٍّ مِن منافِسَيه: مراد الثالث سلطان تركيا، وفيليب الثاني ملك إسبانيا، كما أصبحَت للمنصور شهرةٌ واسعة ومكانة خاصة يَحسَبُ لها حكامُ الشرق والغرب أيَّما حساب، وقد تفرَّغ منذ هذا التاريخ للأعمال العمرانيَّة والإنشائية، ولتطوير دولته سياسيًّا وحضاريًّا، ورفع مستوى المعيشة لمختلِف طبقات الشعب المغربي.↚

إنجازات أحمد المنصور الذهبي


أحمد المنصور الذهبي

مشهد لقصر البديع سنة 1640، من طرف أدريان ماثام، في الأعلى كتابة باللغة اللاتينية:«القصر العظيم - المملكة المغربية»،

 وفي الجانبية بخط صغير: «في الساحل البربري»


ظل الطابع العلمي من أهم مميزات عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي، إذ كان يرعى العلماء والمتعلمين، ويعقد مجالس علمية عامة وخاصة في أوقات معلومة لا تتخلف، يحضرها علماء دولته من الشمال والجنوب، فيغدق عليهم من الصلات والعطايا ما حفلت به كتب التاريخ والتراجم. ومن الثابت أنه كان إلى جانب مشاركته الواسعة في العلوم اللغوية والشرعية، أديبا شاعرا ناثرا، ورياضيا موهوبا مواظبا على دراسة أمهات كتب الحساب والجبر والهندسة لأقليدس وابن البناء المراكشي وأضرابهما. كما كانت حاشيته تكاد تكون كلها من العلماء والأدباء حتى قادة الجيش وولاة الأقاليم. كان مترجم البلاط هو الرحالة الأندلسي أفوقاي صاحب كتاب رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب.



الجانب العمراني في عهد المنصور الذهبي
الجانب العمراني في عهد المنصور الذهبي - قصر البديع بمراكش

وقد ألف السلطان أحمد المنصور كتابين مهمين، الأول في علم السياسة سماه "كتاب المعارف في كل ما تحتاج إليه الخلائف"، والثاني كتاب "العود أحمد" وجمع في الأدعية المأثورة عن الرسول، والمأخوذة من كتب الحديث الصحاح. وله "فهرس" ذكر فيه شيوخه وما قرأ عليهم، و"ديوان" صغير جمع فيه أشعاره، و"ديوان أشعار العلويين" لم يكمله. وقد ألفت في السلطان أحمد المنصور كتب عديدة، وألفت باسمه كتب تنيف عن المائة. وتعتبر مكتبته ب مراكش أعظم مكتبة في ذلك العصر الزاهر، حوت من نفائس مؤلفات القدماء والمحدثين ما لم تحوه مكتبة أخرى، فقدت أغلبها مع كتب أبناءه في الخزانة الزيدانية الشهيرة.
من الأطباء البارزين الذين خدموا عند أحمد المنصور، الطبيبان الفرنسيان إتيان هوبير (بين 1598 1600م) وأرنولت دي ليسلي (بين 1588 - 1598م).

أما إنجازات المنصور السياسية والإدارية والاجتماعية والعمرانية والثقافية، فقد سجَّل له التاريخ العديدَ والعظيم منها؛ حيث برَزَت في عهده أهمُّ النظم ومظاهر الحضارة المختلفة في شتى مرافق الدولة، وبين طبقات المجتمع المغربي، وفي هذا المجال لا يُمكن أن نُغفِل ذِكر قصر البديع الذي استغرق بناؤه منذ تولِّي المنصور الخلافةَ حتى وفاته، وقد أخذ هذا القصرُ مِن اسمه الكثيرَ من مظاهر الإبداع.

كما أنشأ المنصورُ الكثيرَ من المدارس ومعاهد العلم، والمستشفيات والقناطر، والحصون والقلاع، والطرق في المدن والقرى في شتى أنحاء الإمبراطورية المغربية.

ويعدُّ عصرُ المنصور الذهبيِّ من أعظم عصور حكَّام السعديين؛ لما حفَل به عهدُه من رقيٍّ وازدهار، ولما ترَكه من آثار حضاريَّة، امتدَّت بعده على مدى سنينَ طويلة

استطاع المنصور بحنكته السياسية وحسن تدبيره أن يَقِي بلادَه شرَّ حملة لا يُمكن التنبؤ بنتائجها في تلك الفترة التي يُحاول فيها توطيدَ دعائم القوة والاستقرار في دولته.

برَزَت في عهده أهمُّ النظم ومظاهر الحضارة المختلفة في شتى مرافق الدولة، وبين طبقات المجتمع المغربي، وفي هذا المجال لا يُمكن أن نُغفِل ذِكر قصر البديع الذي استغرق بناؤه منذ تولِّي المنصور الخلافةَ حتى وفاته، وقد أخذ هذا القصرُ مِن اسمه الكثيرَ من مظاهر الإبداع.

أنشأ المنصورُ الكثيرَ من المدارس ومعاهد العلم، والمستشفيات والقناطر، والحصون والقلاع، والطرق في المدن والقرى في شتى أنحاء الإمبراطورية المغربية.

أنشأ معاصر للسكر بمراكش وبلاد شفشاوة وحاحة، وقايضه مع أوربا بالرخام فكان عهده من أزهى عهود المغرب وأكثرها نماء.

    تحديث الدولة في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي

    عقد المغرب في عهد المنصور الذهبي عدد من التحالفات والاتفاقيات مع مختلف القوى الدولية، خاصة مع العثمانيين وفرنسا وإسبانيا والبرتغال، وكانت كل هذه الدول تؤيد مشروعية حكم السلطان، كما أنها كانت في بعض الأحيان تهابه، خاصة بعد "معركة الملوك الثلاثة".

    وتتجلى معالم التحديث خاصة في الجيش، إذ اعتمد المنصور الذهبي في ذلك على الاقتباس من التجارب الأخرى والإبداع في اللباس والآليات العسكرية والاستعراضات التي كان الجيش يقوم بها، فيما لم يتوقف التجديد على هذا الجانب فقط، بل امتد أيضا إلى الشق الاقتصادي والعمراني وحتى الديني.

    لفد عرف المغرب خلال هذه الفترة إصلاحات الكبرى،كان السلطان أحمد المنصور الذهبي مهندسها الأول، بالنظر إلى أنه سافر إلى عدد كبير من البلدان عبر العالم للتعرف عليها عن قرب، فيما كان يشدد على جعل كل شيء رسمي فيها، وتجاوز التسيير التقليدي الذي كانت تعرفه المملكة، رغم حفاظه على الطابع الوطني للدولة.

    كان السلطان أحمد المنصور الذهبي يركز على البعد الإفريقي للمملكة، من خلال توسع نفوذه في الأقطار الإفريقية، بالإضافة إلى إرساله لعدد من البعثات العسكرية والثقافية وغيرها إلى مختلف المناطق في القارة السمراء.

    وكان السلطان، يصر على أن مسألة تحديث الدولة ترتبط بتحديث قطاع الجيش الذي كان يعتبره إستراتيجيا بالنسبة إليه، من خلال تكوين الجنود على نحو أفضل، وتوفير التجهيزات الحديثة المستوردة من الخارج، خاصة من قبل الأتراك، وهذا ما جعل ملامح الجيش تتغير خلال تلك الحقبة من تاريخ المغرب.

    وفي الوقت الذي كان السلطان أحمد المنصور الذهبي ينحو في اتجاه إصلاح المدارس والتعليم بشكل عام بالمغرب، حضر الجانب المعماري أيضا في سياسته الداخلية، خاصة بالحديث عن عدد من المعالم، التي يأتي قصر البديع في مقدمتها، والذي يعد "معلمة خارقة للعادة" وبكل المقاييس.

    اقرا ايضا

    من أقواله

    "قل لخالي الموعد بيني وبينك الموقف الذي لا أكون أنا فيه سلطان ولا أنت خال السلطان". قالها المنصور لصاحب ضيعة بعدما أغرم له ما أخد خاله منها الذي كان عامل على منطقة درعة.

    "كان أهل ذلكم القطر السوسي عموما الشعار لهذه الدولة الكريمة والدثار والأنصار الذين لا تستحيل نياتهم على مر الدهور والأعصار" مقتطف من رسالة المنصور لأهل سوس.

    "الحمد لله الذي أحيى بهذه الدولة الكريمة موات العدل الدراسة وجدد بها معالم الشرع الطامسة وصرف بها عن الخلق صروف الجور العابسة ووكل بالأمة من رعايتنا عيونا حارسة" مقتطف من رسالة المنصور لأهل الشاوية وتامسنا.↚

    وفاته

    السلطان أحمد المنصور الذهبي
    قبور السعديين بمراكش

    امتدت فترة حكم السلطان أحمد المنصور الذهبي من سنة 986 هـ إلى أن كانت وفاته بفاس 1012 هـ، فقيل إنه مات مسموما من طرف ولده زيدان بإشارة من أمه ليستخلص الحكم لنفسه، وقيل: إنه مات بالوباء الذي انتشر بالمغرب في تلك السنة، فدفن أول الأمر بفاس، ثم نقل جثمانه إلى مراكش حيث دفن في قبور الأشراف السعديين، وقد نقش على رخامة قبره:

    هـذا ضريــح مـن غــدت               به المعالي تفتخر
    أحمد المنصور اللوا                       لكل مجد مبتكر
    يـا رحمـــة الله أسرعــي                بكل نعمى تستمر
     وباكري الرمس بما                  ء من رضاه منهمر
    وطيبي ثراه من                            ند كذكره العطر
     وافق تاريخ الوفا                          ة دون تفنيد ذكر
    مقعد صدق داره                           عند مليك مقتدر



    سمات: المنصور الذهبي ، وادي المخازن،  معركة الملوك الثلاثة
    هل اعجبك الموضوع :

    تعليقات

    محتويات